الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > هبة الأب لابنه ورجوعه فيما وهب له
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 27 دقيقة قراءةهِبةُ الأبِ لابنِه ورُجوعُه فيما وهَبَ له:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَ الأبُ لابنِه ثم قبَضَها الابنُ، هل للأبِ أنْ يَرجعَ فيما وهَبَه لابنِه أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ -على تَفصيلٍ سيأتي- والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهما إلى أنَّ الأبَ إذا وهَبَ لابنِه هِبةً ثم قبَضَها الابنُ فللأبِ أنْ يَرجعَ فيها؛ لمَا رَواه طاوُسٌ عن ابنِ عُمرَ وابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العَطيةَ ثم يَرجعُ فيها كمَثَلِ الكَلبِ يَأكلُ فإذا شبِعَ قاءَ ثم عادَ في قَيئِه» (١). وهذا يَخصُّ عُمومَ قَولِ النَّبيِّ ﷺ: «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه» (٢).
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ لبَشيرٍ في هِبتِه للنُّعمانِ من بينِ وَلدِه: «فأرْجِعْه» وفي رِوايةٍ: «فاردُدْه»، فأمَرَه بالرُّجوعِ في هِبتِه، فلولا أنَّ رُجوعَه جائِزٌ لمَا أمَرَه به، ولَكانَ الأَولى لو فعَلَه أنْ يَمنعَه منه.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٣٩٦٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٥١٢٣)، والإمام أحمد في «مسنده» (٢١١٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٧٨، ٦٥٧٤)، ومسلم (١٦٢٢).
واختُصَّ الأبُ بذلك لانتِفاءِ التُّهمةِ فيه؛ إذ ما طُبعَ عليه من إِيثارِه لوَلدِه على نَفسِه يَقضي بأنَّه إنَّما رجَعَ لحاجةٍ أو مَصلحةٍ.
قالَ الشافِعيةُ: ويُكرهُ الرُّجوعُ من غيرِ عُذرٍ؛ فإنْ وُجدَ ككَونِ الوَلدِ عاقًّا أو يَصرفُه في مَعصيةٍ أنذَرَه به؛ فإنْ أصَرَّ لم يُكرهْ.
وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «أولادُكم من كَسبِكم، فكُلوا من طِيبِ كَسبِكم (١) فميَّز الوَلدَ من غيرِه وجعَلَه كَسبًا لوالِدِه، فكانَ ما كسَبَه الوَلدُ منه أَولى أنْ يَكونَ من كَسبِه.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وقد يَتحرَّرُ من هذا الاعتِلالِ قياسٌ فيُقالُ: لأنَّه وهَبَ كَسبَه لكَسبٍ غيرِ مُعتاضٍ عنه، فجازَ له الرُّجوعُ فيه، كما لو وهَبَ لعَبدِه، ولأنَّ ما للوَلدِ في يَدِ والِدِه لجَوازِ تَصرُّفِه فيه إذا كانَ صَغيرًا وأخَذَ النَّفقةَ منه إذا كانَ كَبيرًا فصارَت هِبةً له، وإنْ خرَجَت عن يَدِه في حُكمِ ما وهَبَه وهو باقٍ في يَدِه، فإذا جازَ أنْ يَرجعَ فيما وهَبَه لغيرِه إذا لم يَقبِضْه لبَقائِه في يَدِه جازَ أنْ يَرجعَ فيما وهَبَه لوَلدِه وإنْ أقبَضَه؛ لأنَّه في حُكمِ الباقِي في يَدِه، وتَحريرُ هذا الاستدِلالِ قِياسًا على أنَّها هِبةٌ يَجوزُ تَصرُّفُه فيها فجازَ له الرُّجوعُ فيها قِياسًا على ما لم يُقبَضْ، ولأنَّ الأبَ لفَضلِ حُنُوِّه تُبايِنُ أَحكامُه أَحكامَ غيرِه، فلا يُعاديه ولا تُقبلُ شَهادتُه له، ويَجوزُ أنْ يَتصرَّفَ في يَدَيه بالتَّزويجِ وفي مالِه بالعُقودِ لفَضلِ الحُنُوِّ وانتِفاءِ التُّهمِ، فجازَ أنْ يُخالِفَ غيرَه في جَوازِ الرُّجوعِ في الهِبةِ؛ لأنَّ انتِفاءَ التُّهمةِ يَدلُّ على أنَّ رُجوعَه فيها
(١) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٢٨٨).
لشِدةِ الحاجةِ منه إليها، ولأنَّنا وأبا حَنيفةَ قد أجمَعنا على الفَرقِ في الهِبةِ بينَ الأجنَبيِّ وذي الرَّحمِ، فلَأنْ يَكونَ الرُّجوعُ فيها مع ذي الرَّحمِ المُباعِضِ دونَ الأجنَبيِّ أَولى منه أنْ يَكونَ مع الأجنَبيِّ دونَ ذي الرَّحمِ لثَلاثةِ أُمورٍ، أحدُها: النَّصُّ المُعاضِدُ، والثانِي: البَعضيةُ المُمازِجةُ، والثالِثُ: التَّمييزُ بالأَحكامِ المَخصوصةِ، وفي هذه المَعاني جَوابٌ، وجَوابُهم عن الاستِدلالِ بالثَّوابِ فهو أنَّه إذا أُثبتَ بالمالِ فقد وصَلَ إليه البَدلُ فلم يَجزْ أنْ يَصيرَ جامِعًا بينَه وبينَ المُبدلِ، فخالَفَ من لم يَصِلْ إليه البَدلُ على أنَّ ثَوابَ اللهِ تَعالى إنَّما يَستحقُّه في الهِبةِ غيرُ الراجِعِ فيها من الآباءِ (١).
قالَ الشافِعيةُ في المَشهورِ: للأبِ الرُّجوعُ في هِبةِ وَلدِه بالمَعنى الشامِلِ للهَديةِ والصَّدقةِ على الراجِحِ، ولا يَتعينُ الفَورُ بل له ذلك متى شاءَ ولو لم يَحكُمْ به حاكِمٌ، ولو كانَ الوَلدُ فَقيرًا صَغيرًا؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العَطيةَ ثم يَرجعُ فيها كمَثَلِ الكَلبِ يأكُلُ فإذا شبِعَ قاءَ ثم عادَ في قَيئِه» (٢) واختُصَّ بذلك لانتِفاءِ التُّهمةِ فيه؛ إذ ما طُبعَ عليه من إيثارِه لوَلدِه على نَفسِه يَقضي بأنَّه إنَّما رجَعَ لحاجةٍ أو مَصلحةٍ، ويُكرهُ الرُّجوعُ من غيرِ عُذرٍ؛ فإنْ وُجدَ ككَونِ الوَلدِ عاقًّا أو يَصرفُه في مَعصيةٍ أنذَرَه به؛ فإنْ أصَرَّ لم يُكرهْ.
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٤٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٣٩٦٠)، و «ابن حبان في «صحيحه» (٥١٢٣)، والإمام أحمد في «مسنده» (٢١١٩).
ولو وهَبَه وأقبَضَه وماتَ فادَّعى الوارِثُ صُدورَه في المَرضِ، وادَّعى المُتهَبُ كَونَه في الصِّحةِ صُدِّق المُتهَبُ بيَمينِه، ولو أَقاما بيِّنتَينِ قُدِّمت بيِّنةُ الوارِثِ؛ لأنَّ معها زيادةَ عِلمٍ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَجوزُ لواهِبٍ ولا يَصحُّ أنْ يَرجعَ في هِبتِه ولو صَدقةً وهَديةً ونِحلةً أو نُقوطًا وحُمولةً في عُرسٍ ونَحوَها بعدَ لُزومِها؛ لقَولِه ﷺ: «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَقيءُ ثم يَعودُ في قَيئِه»، وسَواءٌ عوِّضَ عنها أو لم يُعوَّضْ؛ لأنَّ الهِبةَ المُطلقةَ لا تَقتَضي الثَّوابَ، إلا الأبَ الأقرَبَ فيما وهَبَ لوَلدِه فله الرُّجوعُ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها، إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العَطيةَ ثم يَرجعُ فيها كمَثَلِ الكَلبِ يأكُلُ فإذا شبِعَ قاءَ ثم عادَ في قَيئِه» (٢).
وفي بعضِ أَلفاظِ حَديثِ بَشيرٍ المُتقدِّمِ من قَولِه ﷺ لبَشيرٍ: «فاردُدْه» ورُويَ «فأرجِعْه»، رَواه مالِكٌ، ولا فَرقَ بينَ أبٍ يَقصِدُ برُجوعِه التَّسوية بينَ أولادِه وبينَ غيرِه، ولو وهَبَ كافِرٌ لوَلدِه الكافِرِ شَيئًا ثم أسلَمَ الوَلدُ فلأَبيه الرُّجوعُ في هِبتِه خِلافًا للشَّيخِ تَقيِّ الدِّينِ.
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٤٦)، ويُنظَرُ: «البيان» (٨/ ١٢٤، ١٢٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٩١، ١٩٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٥٦، ٥٥٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٥)، و «تحفة المحتاج مع حاشية الرواني والعبادي» (٧/ ٥٨٤، ٥٨٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٧٦، ٤٧٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٤٤، ٥٤٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٣٩٦٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٥١٢٣)، والإمام أحمد في «مسنده» (٢١١٩).
حتى لو تعلَّقَ بالمَوهوبِ رَغبةُ الغيرِ بأنْ ناكَحَ إِنسانٌ الوَلدَ المَوهوبَ لوُجودِ ذلك الذي وهَبَه له والِدُه -بأنْ زوَّجَه إنْ كانَ ذَكرًا أو تَزوجَّه إنْ كانَ أُنثى- لذلك، أو دايَنَه -أي: باعَه أو أقرَضَه أو أجَّرَه ونَحوَه- لوُجودِ ذلك الذي وهَبَه أَبوه له؛ فإنَّ ذلك لا يَمنعُ رُجوعَ الأبِ فيما وهَبَه لوَلدِه (١).
أمَّا المالِكيةُ فقالوا: للأبِ فقط الرُّجوعُ فيما وهَبَه لوَلدِه مُطلقًا -أي: سَواءٌ كانَ الوَلدُ صَغيرًا أو كَبيرًا، ذَكرًا أو أُنثى، غَنيًّا أو فَقيرًا حِيزَت الهِبةُ أو لا- على المَشهورِ لقَولِه ﷺ: «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها، إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه، ومَثَلُ الذى يُعطي العَطيةَ ثم يَرجعُ فيها كمَثَلِ الكَلبِ يأكُلُ فإذا شبِعَ قاءَ ثم عادَ في قَيئِه» (٢) إلا إنْ ظهَرَ نَفعُها للوَلدِ، بأنْ أمِنَه الناسُ فبايَعوه أو زَوَّجوه لم يَكنْ أنْ يَرجعَ عليه، وإنْ لم يَظهَرْ نَفعُها له جازَ له الرُّجوعُ عليه، وقد فرَّقَ الإمامُ مالِكٌ بينَ صَدقةِ الوالِدِ على وَلدِه وبينَ هِبتِه له.
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قالَ مالِكٌ: الأمرُ عندَنا الذي لا اختِلافَ فيه أنَّ كلَّ مَنْ تصدَّقَ على ابنِه بصَدقةٍ قبَضَها الابنُ أو كانَ في حِجرِ
(١) «المغني» (٥/ ٣٨٩، ٣٩٠)، و «الكافي» (٢/ ٤٦٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٧٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢١٠)، و «المبدع» (٥/ ٣٧٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٠٥)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٧)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٥٧، ٣٥٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٣٩٦٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٥١٢٣)، والإمام أحمد في «مسنده» (٢١١٩).
أبيه فأشهَدَ له على صَدقتِه فليسَ له أنْ يَعتصِرَ شَيئًا من ذلك؛ لأنَّه لا يَرجعُ في شَيءٍ من الصَّدقةِ.
قالَ مالِكٌ: الأمرُ المُجمَعُ عليه عندَنا فيمَن نحَلَ وَلدَه نِحَلًا أو أَعطاه عَطاءً ليسَ بصَدقةٍ أنَّ له أنْ يَعتصرَ ذلك ما لم يَستحدِثِ الوَلدُ دَينًا يُداينُه الناسُ به ويأمَنونه عليه من أجلِ ذلك العَطاءِ الذي أَعطاه أَبوه، فليسَ لأَبيه أنْ يَعتصِرَ من ذلك شَيئًا بعدَ أنْ تَكونَ عليه الدُّيونُ، أو يُعطيَ الرَّجلُ ابنَه أو ابنَتَه فتَنكِحَ المَرأةُ الرَّجلَ، وإنَّما تَنكِحُه لغِناه وللمالِ الذي أَعطاه أَبوه، فيُريدَ أنْ يَعتصِرَ ذلك الأبَ، أو يَتزوجَ الرَّجلُ المَرأةَ قد نحَلَها أَبوها النِّحَلَ إنَّما يَتزوَّجُها ويَرفعُ في صَداقِها لغِناها ومالِها وما أَعطاها أَبوها، ثم الأبُ يَقولُ: أنا أعتَصرُ ذلك، فليسَ له أن يَعتصرَ من ابنِه ولا من ابنَتِه شَيئًا من ذلك إذا كانَ على ما وصَفتُ لك.
قالَ أَبو عُمرَ: قد قُلنا: إنَّ الاعتِصارَ عندَ أهلِ المَدينةِ هو الرُّجوعُ في الهِبةِ والعَطيةِ، ولا أعلَمُ خِلافًا بينَ العُلماءِ في أنَّ الصَّدقةَ لا رُجوعَ فيها للمُتصدِّقِ بها، وكلُّ ما أُريدَ به -من الهِباتِ- وَجهُ اللهِ تَعالى بأنَّها تَجري مَجرى الصَّدقةِ في تَحريمِ الرُّجوعِ فيها، وأمَّا الهِباتُ إذا لم يَقُلِ الواهِبُ فيها: «للهِ» ولا أراد بهِبتِه الصَّدقةَ المُخرَجةَ للهِ ﷿؛ فإنَّ العُلماءَ اختَلفوا في ذلك اختِلافًا كَثيرًا.
فمَذهبُ مالِكٍ فيما ذكَرَه في كِتابِه (المُوطَّأِ) على ما أورَدْناه من
تَخصيصِ تَركِ رُجوعِ الأبِ في هِبتِه لوَلدِه إذا نُكحَت الابنةُ أو استَدانَ الابنُ ونَحوُ ذلك على ما تقدَّمَ وَصفُه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الأبَ إذا وهَبَ لابنِه شَيئًا فلا رُجوعَ له فيها؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ: «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه ليسَ لنا مَثَلُ السَّوءِ» (٢)، ولمَا رَواه سَمُرةُ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا كانتِ الهِبةُ لذي رَحمٍ مَحرَمٍ لم يَرجعْ فيها» (٣). ولمَا رَواه الإمامُ مالِكٌ في المُوطَّأِ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قالَ: «مَنْ وهَبَ هِبةً لصِلةِ رَحمٍ أو على وَجهِ صَدقةٍ فإنَّه لا يَرجعُ فيها» (٤).
قالَ الحَنفيةُ: وهذا نَصٌّ في المَسألةِ، ولأنَّ الهِبةَ لذي الرَّحمِ صَدقةٌ؛ لأنَ المَقصودَ بها ثَوابُ اللهِ تَعالى دونَ المُكافأةِ، فلمَّا لم يَجزْ أنْ يَرجعَ في الصَّدقةِ لم يَجزْ أنْ يَرجعَ في الهِبةِ لذي الرَّحمِ، ولأنَّ في الرُّجوعِ في الهِبةِ
(١) «الاستذكار» (٧/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٦١، ٢٦٢)، رقم (١١٠٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥١١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١١٣، ١١٤)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٢٠)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٠).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٧٨، ٦٥٧٤)، ومسلم (١٦٢٢).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الحاكم في «المستدرك» (٢٣٢٤)، والدارقطني (٣/ ٤٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٨٠٦).
(٤) صحيحٌ مَوقوفًا: رواه مالك في «الموطأ» (١٤٤٠)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (١١٨٠٨).
عُقوقًا، وعُقوقُ ذي الرَّحمِ حَرامٌ، ولأنَّه لو وهَبَ بشَرطِ الثَّوابِ فأُثيبَ لم يَرجعْ، وهذا قد أُثيبَ من قِبَلِ اللهِ تَعالى في هِبةِ الرَّحمِ فلم يَجزْ أنْ يَرجعَ.
وقالَ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: وحُجتُنا ما رَوينا من حَديثِ عُمرَ رضي الله عنه فهو الإمامُ لنا في المَسألتَينِ، ولأنَّ الهِبةَ قد تمَّت لذي الرَّحمِ المَحرَمِ مِلكًا وعَقدًا، فلا يَملِكُ الرُّجوعَ فيه كالابنِ إذا وهَبَ لأَبيه أو الأخِ لأَخيه، وهذا لأنَّ المَقصودَ قد حصَلَ وهو صِلةُ الرَّحمِ، ولأنَّ في الرُّجوعِ مَعنى قَطيعةِ الرَّحمِ، وهذا مَوجودٌ في حَقِّ الوالِدِ مع وَلدِه؛ لأنَّه بالرُّجوعِ يَحملُه على العُقوقِ، وإنَّما أمَرَ الوالِدُ أنْ يَحملَ وَلدَه على بِرِّه.
ولا يُقالُ: مَقصودُ الوالِدِ أنْ يَخدُمَه الوَلدُ، ولمَّا رجَعَ فالظاهِرُ أنَّه لم يَنلْ ذلك؛ لأنَّ شَفقةَ الأُبوَّةِ تَمنعُه من الرُّجوعِ بعدَ حُصولِ المَقصودِ، وهذا لأنَّ هذا المَعنى خَفيٌّ لا يَنبَني الحُكمُ عليه، وهو مَوجودٌ في الوَلدِ إذا وهَبَ لوالِدِه، فالظاهِرُ أنَّه قصَدَ أنْ يَخُصَّه بإِكرامٍ، وإنَّما يَرجعُ لأنَّه لم يَنلْ ذلك، ولا مُعتبَرَ بما ذُكرَ من الكَسبِ؛ فإنَّه لو وهَبَ لمُكاتَبِه أو لمُعتَقِه لا يَرجعُ فيه، وهو كَسبُه أيضًا، وهذا لأنَّ الوَلدَ كَسبُه، لا مِلكُه، بخِلافِ عَبدِه.
فأمَّا الحَديثُ فقد قيل فيه: مَعنى قَولِه عليه الصلاة والسلام: «إلا الوالِدَ»: «ولا الوالِدَ»؛ فإنَّ كَلمةَ «إلا» تُذكَرُ بمَعنى «ولا» قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، أي: ولا الذين ظلَموا منهم، وقَال تَعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] أي: ولا خَطأً.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٣ - مسألة؛ قال: (ويقبض للطفل أبوه، أو وصيه بعده، أو الحاكم، أو أمينه بأمره)
دَرَسَتْ: "اقْتَسِمَا، وتَوَخَّيَا الحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ تَحَالَّا" . رَوَاه أبو دَاوُدَ . ولأنَّه إسْقَاطٌ، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالعَتَاقِ والطَّلَاقِ، وكما لو قال: من دِرْهَمٍ إلى ألْفٍ. ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى تَبْرِئَةِ الذِّمَّةِ، ولا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بما فيها، فلو وَقَفَ صِحَّةَ البَرَاءةِ على العِلْمِ، لَكان سَدًّا لِبَابِ عَفْوِ الإِنْسانِ عن أخِيهِ المُسْلِم، وتَبْرِئَةِ ذِمَّتِه، فلم يَجُزْ ذلك، كالمَنْعِ من العِتْقِ. وأمَّا إن كان مَنْ عليه الحَقُّ يَعْلَمُه، ويَكْتُمُه المُسْتَحِقَّ، خَوْفًا من أنَّه إذا عَلِمَه لم يَسْمَحْ بإبْرَائِه منه، فيَنْبَغِى أن لا تَصِحَّ البَرَاءَةُ فيه؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا بالمُشْتَرِى، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه. وقال أصْحَابُنا: لو أبْرَأهُ من مائةٍ، وهو يَعْتقِدُ أنَّه لا شىءَ له عليه، وكان له عليه مائةٌ، ففى صِحَّةِ البَرَاءةِ وَجْهَانِ؛ أحدُهما، صِحَّتُها؛ لأنَّها صادَفَتْ مِلْكَه، فأسْقَطَتْه، كما لو عَلِمَها. والثاني، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه أبرَأهُ ممَّا لا يَعْتَقِدُ أنَّه عليه، فلم يكُنْ ذلك إبْراءً في الحَقِيقَةِ، وأصْلُ الوَجْهَيْنِ ما لو باعَ مالًا كان لِمَوْرُوثِه، يَعْتَقِدُ أنَّه باقٍ لِمُوَرِّثِه، وكان مُوَرِّثُه قد ماتَ، وانْتَقَلَ مِلْكُه إليه، فهل يَصِحُّ؟ فيه وَجْهانِ. ولِلشّافِعيِّ قَوْلَانِ في البَيْعِ، وفي صِحَّةِ الإِبْرَاءِ وَجْهَانِ.
٩٣٣ - مسألة؛ قال: (ويَقْبِضُ لِلطِّفلِ أبُوهُ، أوْ وَصِيُّهُ بَعْدَهُ ، أو الْحَاكِمُ، أو أَمِينُهُ بِأَمْرِهِ)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة
لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.
(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.