الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > هبة المرأة صداقها لزوجها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةهِبةُ المَرأةِ صَداقَها لزَوجِها:
قالَ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في هِبةِ المَرأةِ مَهرَها لزَوجِها، فقالَ أَبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ وزُفرُ والحَسنُ بنُ زيادٍ والشافِعيُّ: إذا بلَغَت المَرأةُ واجتمَعَ لها عَقلُها جازَ لها التَّصرُّف في مالِها بالهِبةِ أو غيرِها بِكرًا كانَت أو ثَيبًا، وقالَ مالِكٌ: لا يَجوزُ أمرُ البِكرِ في مالِها ولا ما وضَعَت عن زَوجِها من الصَّداقِ، وإنَّما ذلك إلى أبيها في العَفوِ عن زَوجِها، ولا يَجوزُ لغَيرِ الأبِ من أَوليائِها ذلك، قالَ: وبَيعُ المَرأةِ ذاتِ الزَّوجِ دارَها وخادِمَها جائِزٌ وإنْ كرِهَ الزَّوجُ إذا أصابَت وَجهَ البَيعِ؛ فإنْ كانت مُحاباةً كانَ من ثُلثِ مالِها، وإنْ تصدَّقَت أو وهَبَت أكثَرَ من الثُّلثِ لم يَجزْ من ذلك قَليلٌ ولا كَثيرٌ. قالَ مالِكٌ: والمَرأةُ الأيِّمُ إذا لم يَكنْ لها زَوجٌ في مالِها كالرَّجلِ في مالِه سَواءٌ، وقالَ الأَوزاعيُّ: لا تَجوزُ عَطيةُ المَرأةِ حتى تَلدَ وتَكونَ في بَيتِ زَوجِها سَنةً، وقالَ اللَّيثُ: لا يَجوزُ عِتقُ المَرأةِ ذاتِ الزَّوجِ ولا صَدقتُها إلا في الشَّيءِ اليَسيرِ الذي لا بدَّ لها منه؛ لصِلةِ رَحمٍ أو غيرِها، ذلك مما يُتقرَّبُ به إلى اللهِ تَعالى.
قالَ أَبو بَكرٍ: الآيةُ قاضيةٌ بفَسادِ هذه الأَقوالِ، شاهِدةٌ بصِحةِ قَولِ أَصحابِنا الذي قدَّمنا؛ لقَولِه ﷿: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] ولم يُفرِّقْ فيه بينَ البِكرِ والثَّيبِ، ولا بينَ من أقامَت في بَيتِ زَوجِها سَنةً ومَن لم تُقِمْ، وغيرُ جائِزٍ الفَرقُ بينَ البِكرِ والثَّيبِ في ذلك إلا بدِلالةٍ تَدلُّ على خُصوصِ حُكمِ الآيةِ في الثَّيبِ دونَ البِكرِ، وأجازَ مالِكٌ
هِبةَ الأبِ، واللهُ تَعالى أمَرَنا بإِعطائِها جَميعَ الصَّداقِ إلا أنْ تَهبَ هي شَيئًا منه له، فالآيةُ قاضيةٌ ببُطلانِ هِبةِ الأبِ؛ لأنَّه مَأمورٌ بإيتاءِ جَميعِ الصَّداقِ إلا أنْ تَطيبَ نَفسُها بتَركِه، ولم يَشترطِ اللهُ تَعالى طِيبَ نَفسِ الأبِ، فمنَعَ ما أباحَه اللهُ له بطِيبِ نَفسِها من مَهرِها وأجازَ ما حظَرَه اللهُ تَعالى من مَنعِ شَيءٍ من مَهرِها إلا بطيبِ نَفسِها بهِبةِ الأبِ، وهذا الاعتِراضُ على الآيةِ من وَجهَينِ بغيرِ دِلالةِ أحَدِهما منَعها الهِبةَ مع اقتِضاءِ ظاهِرِ الآيةِ لجَوازِها، والثاني: جَوازُ هِبةِ الأبِ مع أمرِ اللهِ الزَّوجَ بإِعطائِها الجَميعَ إلا أنْ تَطيبَ نَفسًا بتَركِه، ويَدلُّ على ذلك قَولُه تَعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فمنَعَ أنْ يأخُذَ منها شَيئًا مما أعطاها إلا برِضاها بالفِديةِ، فقد شرَطَ رِضا المَرأةِ ولم يُفرِّقْ مع ذلك بينَ البِكرِ والثَّيبِ، ويَدلُّ عليه حَديثُ زَينبَ امرأةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ للنِّساءِ: «تَصدَّقنَ ولو مِنْ حُليِّكنَّ» وفي حَديثِ ابنِ عَباسٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرَجَ يَومَ الفِطرِ فصلَّى ثم خطَبَ، ثم أَتى النِّساءَ فأمَرَهن أنْ يَتصدَّقنَ» ولم يُفرِّقْ في شَيءٍ منه بينَ البِكرِ والثَّيبِ، ولأنَّ هذا حَجْرٌ ولا يَصحُّ الحَجرُ على مَنْ هذه صِفتُه، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المَرأةَ المالِكةَ لأمرِ نَفسِها إذا وهَبَت صَداقَها لزَوجِها نفَذَ ذلك عليها ولا رُجوعَ لها فيه، إلا أنَّ
(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٣٥٢، ٣٥٣).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٦ - مسألة؛ قال: (ولا يحل لواهب أن يرجع في هبته، ولا لمهد أن يرجع في هديته، وإن لم يثب عل
مِيرَاثُه بحالٍ. والأمُّ لا تَأْخُدُ؛ لأنَّها لا وِلَايةَ لها. والجَدُّ أيضًا لا يَلِى على مالِ وَلَدِ ابْنِه، وشَفَقَتُه قاصِرَةٌ عن شَفَقَةِ الأبِ، ويُحْجَبُ به في المِيراثِ، وفي وِلَايةِ النِّكاحِ. وغيرُهما من الأقارِبِ والأجانِبِ لبس لهم الأخْذُ بِطَرِيقِ التَّنْبِيه؛ لأنَّه إذا امْتَنَعَ الأخْذُ في حَقّ الأُمِّ والجَدِّ، مع مُشَارَكتِهِما للأبِ في بعض المَعَانِى، فغيرُهما ممَّن لا يُشَارِكُ الأبَ في ذلك أَوْلَى.
٩٣٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَلَا لِمُهْدٍ أنْ يَرْجِعَ فِي هدِيَّتِه، وَإنْ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا)
يعني وإن لم يُعَوَّضْ عنها . وأرادَ من عَدا الأبَ؛ لأنَّه قد ذَكَرَ أنَّ للأبِ الرُّجُوعَ، بقوله: "أُمِرَ بِرَدِّه" . فأما غيرُه فليس له الرُّجُوعُ في هبَتِه ولا هَدِيّتِه. وبهذا قال الشافِعيُّ وأبو ثَوْرٍ. وقال النَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: مَنْ وَهَبَ لغير ذِى رَحِمٍ، فله الرُّجُوعُ، ما لم يُثَبْ عليها، ومن وَهَبَ لذى رَحِمٍ، فليس له الرُّجُوعُ. ورُوى ذلك عن عمرَ بن الخَطَّابِ ، رَضِىَ اللَّه عنه، واحْتَجُّوا بما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الرَّجُلُ أحَقُّ بِهِبَتِهِ، مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا" . رَوَاه ابنُ ماجه، في "سُنَنِه" . وبقَوْلِ عمرَ، ولأنَّه لم يَحْصُلْ له عنها عِوَضٌ، فجازَ له الرُّجُوعُ فيها، كالعارِيَّةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العائِدُ في هِبَتِه، كَالْعائِدِ في قَيْئِهِ" . وفي لَفْظٍ: "كَالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ" . وفي رِوَايةٍ إنَّه "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِد فِي هِبَتِه كالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِه" . مُتَّفَقٌ عليه ، وأيضا
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة
فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.