الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > هل التساوي بين الأولاد يكون كالميراث أو للذكر مثل الأنثى؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوإذا قُلنا: يَردُّه بعدَ المَوتِ. فالوَصيُّ يَفعلُ ذلك، فلو ماتَ الثانِي قبلَ الرَّدِّ والمالُ بحالِه رَدَّه أيضًا، لكنْ لو قُسِّمت تَركةُ الثانِي قبلَ الرَّدِّ أو بِيعَت أو وُهبَت فههنا فيه نَظرٌ؛ لأنَّ القِسمةَ والقَبضَ بقُربِ العُقودِ الجاهِليةِ، وهذا فيه تأويلٌ، وكذلك لو تصَرَّف المُفضَّلُ في حَياةِ أبيه ببَيعٍ أو هِبةٍ، واتصَلَ بهما القَبضُ ففي الرَّدِّ نَظرٌ، إلا أنَّ هذا مُتصلٌ بالقَبضِ في العُقودِ الفاسِدةِ، وللأبِ الرُّجوعُ فيما وهَبَه لوَلدِه ما لم يَتعلقُ به حَقٌّ أو رَغبةٌ فلا يَرجعُ بقَدرِ الدَّينِ وقَدرِ الرَّغبةِ ويَرجعُ فيما زادَ (١).
هل التَّساوي بينَ الأولادِ يَكونُ كالميراثِ أو للذَّكرِ مِثلُ الأُنثى؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في التَّسويةِ المُستحبةِ، هل تَكونُ على حَسبِ قِسمةِ اللهِ تَعالى في المِيراثِ، للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيينِ، أو تُعطى الأُنثَى مِثلَ ما يُعطى الذَّكرُ؟
فذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ وبَعضُ المالِكيةِ كابنِ شَعبانَ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ التَّسويةَ المُستحبةَ أنْ يَقسمَ بينَهم على حَسبِ قِسمةِ اللهِ تَعالى في المِيراثِ، فيَجعلَ للذَّكرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيينِ؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ذِكرُه كذلك قسَّمَ المِيراثَ بينَهم، فجعَلَ للذَّكرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيينِ، وأَولى ما يُقتَدى به قِسمةُ اللهِ ﷾، فإذا قسَمَ هو مالَه بينَهم في حَياتِه فعليه أنْ يَقسمَه كما قسَمَه اللهُ بعدَ المَوتِ قِياسًا على ذلك، ولأنَّه حَظُّها من ذلك المالِ لو أَبقاه الواهِبُ في يَدِه حتى ماتَ.
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥١٧).
ولأنَّ العَطيةَ في الحَياةِ أحَدُ حالَيِ العَطيةِ، فيَجعلُ للذَّكرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيينِ كحالةِ المَوتِ -يَعني المِيراثَ-، يُحقِّقُه أنَّ العَطيةَ استِعجالٌ لمَا يَكونُ بعدَ المَوتِ، فيَنبَغي أنْ تَكونَ على حَسبِه، كما أنَّ مُعجِّلَ الزَّكاةِ قبلَ وُجوبِها يُؤدِّيها على صِفةِ أدائِها بعدَ وُجوبِها، وكذلك الكَفاراتُ المُعجَّلةُ، ولأنَّ الذَّكرَ أحوَجُ من الأُنثَى من قِبَلِ أنَّهما إذا تزَوَّجا جَميعًا فالصَّداقُ والنَّفقةُ ونَفقةُ الأَولادِ على الذَّكرِ، والأُنثَى لها ذلك، فكانَ أَولى بالتَّفضيلِ لزِيادةِ حاجَتِه، وقد قسَّمَ اللهُ تَعالى المِيراثَ ففضَّلَ الذَّكرَ مَقرونًا بهذا المَعنى فتعلَّلَ به، ويَتعدَّى ذلك إلى العَطيةِ في الحَياةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وحَديثُ بَشيرٍ قَضيةٌ في عَينٍ وحِكايةُ حالٍ لا عُمومَ لها، وإنَّما ثبَتَ حُكمُها فيما ماثَلَها، ولا نَعلمُ حالَ أولادِ بَشيرٍ، هل كانَ فيهم أُنثَى أو لا، ولعلَّ النَّبيَّ ﷺ قد علِمَ أنَّه ليسَ له إلا أولادٌ ذُكورٌ ثم تُحملُ التَّسويةُ على القِسمةِ على كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحتملُ أنَّه أرادَ التَّسويةَ في أصلِ العَطاءِ لا في صِفتِه؛ فإنَّ القِسمةَ لا تَقتَضي التَّسويةَ من كلِّ وَجهٍ، وكذلك الحَديثُ الآخَرُ، ودَليلُ ذلك قَولُ عَطاءٍ: «ما كانوا يَقسِمون إلا على كِتابِ اللهِ تَعالى» (١) وهذا خبَرٌ عن جَميعِهم على أنَّ الصَّحيحَ من خبَرِ ابنِ عَباسٍ أنَّه مُرسلٌ (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه بعد الرزاق في «مصنفه» (١٦٤٩٩)، والطبراني في «الكبير» (١٨/ ٣٤٨)، رقم (٨٨٤).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٨٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٧٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٠٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٠٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٦١، ٣٦٢).
وذهَبَ أَبو يُوسفَ من الحَنفيةِ -وهو المُختارُ- وبعضُ المالِكيةِ كابنِ القَصارِ، والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّسويةَ المُستحبةَ تَكونُ: للذَّكرِ مِثلُ الأُنثى؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عَباسٍ مَرفوعًا: «سَوُّوا بينَ أَولادِكم في العَطيةِ، فلو كُنْتُ مُفضِّلًا لفَضَّلت النِّساءَ» (١)، ولأنَّه عَطيةٌ في الحَياةِ استَوى فيها الذَّكرُ والأُنثَى كالنَّفقةِ والكِسوةِ.
ولمَا رَواه مُسلمٌ عن الشَّعبيِّ عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ قالَ: انطلَقَ بي أَبي يَحملُني إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، اشهَدْ أنِّي قد نحَلتُ النُّعمانَ كذا وكذا من مالي. فقالَ: «أكُلَّ بَنيك قد نحَلتَ مِثلَ ما نحَلتَ النُّعمانَ؟»، قالَ: لا. قالَ: «فأشِهْد على هذا غيري -ثم قال- أيَسُرُّك أنْ يَكونوا إليكَ في البِرِّ سَواءً؟»، قالَ: بلى. قالَ: «فلا إذًا» (٢).
وفي رِوايةٍ قالَ: «أكُلَّ وَلدِك أعطَيتَه هذا؟»، قالَ: لا. قالَ: «أليسَ تُريدُ منهم البِرَّ مِثلَ ما تُريدُ من ذا؟»، قالَ: بلى. قالَ: «فإنِّي لا أشهَدُ» (٣).
وفي رِوايةٍ قالَ: «أعطَيتَ سائِرَ وَلدِك مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ: «فاتَّقوا اللهَ واعدِلوا بينَ أَولادِكم». قالَ: فرجَعَ فرَدَّ عَطيتَه (٤).
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الطبراني في «الكبير» (١١٩٩٧)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٧٨٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٢٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٢٣).
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٤٧).
فقَولُ النَّبيِّ ﷺ بالأمرِ بالتَّسويةِ بينَهم في العَطيةِ كما يُحبُّ الإِنسانُ أنْ يُسوُّوا له في البِرِّ دَليلٌ على أنَّه أرادَ التَّسويةَ بينَ الإناثِ والذُّكورِ؛ لأنَّه لا يُرادُ من البِنتِ شَيءٌ من البِرِّ إلا الذي يُرادُ من الابنِ مِثلُه، فلمَّا كانَ النَّبيُّ ﷺ أرادَ من الأبِ لوَلدِه ما يُريدُ من وَلدِه له، وكانَ ما يُريدُ من الأُنثَى من البِرِّ مِثلَ ما يُريدُ من الذَّكرِ كانَ ما أرادَ منه لهم من العَطيةِ للأُنثَى مِثلَ ما أرادَ للذَّكرِ، وفي حَديثِ أَبي الضُّحى فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «ألكَ وَلدٌ غيرُه؟» فقالَ: نَعمْ. فقالَ: «ألَا سَوَّيت بينَهم؟» (١). ولم يَقُلْ: ألك وَلدٌ غيرُه ذَكرٌ أو أُنثى؟ وذلك لا يَكونُ إلا وحُكمُ الأُنثَى فيه كحُكمِ الذَّكرِ، ولولا ذلك لمَا ذكَرَ التَّسويةَ إلا بعدَ عِلمِه أنَّهم ذُكورٌ كلُّهم، فلمَّا أمسَكَ عن البَحثِ عن ذلك ثبَتَ استِواءُ حُكمِهم في ذلك عندَه.
وفارَقَ الإرثَ بأنَّ الوارِثَ راضٍ بما فرَضَ اللهُ له، بخِلافِ هذا، وبأنَّ الذَّكرَ والأُنثَى إنَّما يَختلِفان في المِيراثِ بالعُصوبةِ، أمَّا بالرَّحمِ المُحدَّدةِ فهما فيها سَواءٌ، كالإخوةِ والأخواتِ من الأُمِّ، والهِبةُ للأولادِ أُمرَ بها صِلةً للرَّحمِ (٢).
(١) رواه النسائي في «الكبرى» (٦٢١٢).
(٢) «شرح معاني الآثار» (٤/ ٨٨)، و «اختلاف العلماء» للمروزي (١/ ٢٧٤، ٢٧٥)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٤٢)، و «البيان والتحصيل» (١٣/ ٣٧١)، و «شرح صحيح مسلم» للنووي (١١/ ٦٦)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٤٤، ٥٤٥)، و «البيان» (٨/ ١٠٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٩١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٥٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٤)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٥٨١، ٥٨٣)، و «الديباج» (٢/ ٥٤٣، ٥٤٤)، و «المغني» (٥/ ٣٨٨، ٣٨٩)، و «فتح الباري» (٥/ ٢١٤)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٥٤)، و «ابن عابدين» (٤/ ٤٤٤، ٤٤٥).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-
أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ ، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)
وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه . واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" . فأمَرَهُ
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.