الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > هل الجد كالأب أو لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةفلا رُجوعَ لها؛ لأنَّها هِبةٌ ليَتيمٍ، وهِبةُ اليَتيمِ لازِمةٌ كصَدقةِ التَّطوُّعِ، ومن مَذهبِه أنَّه لا يَرجعُ في صَدقةِ التَّطوُّعِ (١).
هل الجَدُّ كالأبِ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَ الجَدُّ أو الجَدةُ هِبةً لابنِ ابنِه، هل له الرُّجوعُ فيها أو لا؟
فذهَبَ بعضُ المالِكيةِ كابنِ عبدِ الحَكمِ وغيرِه والشافِعيةُ في المَشهورِ من المَذهبِ إلى أنَّ الجَدَّ والجَدةَ -وكذا سائِرُ الأُصولِ من الجِهتَين ولو مع اختِلافِ الدِّينِ- كالأبِ في الرُّجوعِ في الهِبةِ كما في نَفقتِهم وعِتقِهم وسُقوطِ القَودِ عنهم، وخرَجَ بهم الفُروعُ والحَواشي.
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في مُقابِلِ المَشهورِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَرجعُ إلا الأبُ -والأُمُّ على الخِلافِ السابِقِ- أمَّا الأجدادُ فلا رُجوعَ لهم قَصرًا للوالِدِ في الخَبرِ على الأبِ لاستِقلالِه، وهو قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها، إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه» (٢) فالنَّبيُّ ﷺ قصَرَ الرُّجوعَ في الوالِدِ دونَ غيرِه (٣).
(١) «المغني» (٥/ ٣٩٠)، ويُنظَرُ: «البيان» (٨/ ١٢٤، ١٢٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٩١، ١٩٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٥٦، ٥٥٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٥)، و «تحفة المحتاج مع حاشية الرواني والعبادي» (٧/ ٥٨٤، ٥٨٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٧٦، ٤٧٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٤٤، ٥٤٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٣٩٦٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٥١٢٣)، و «الإمام أحمد في «مسنده» (٢١١٩).
(٣) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥١١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٦١، ٢٦٢)، رقم (١١٠٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١١٣، ١١٥) «مواهب الجليل» (٨/ ٢٠)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٠)، و «البيان» (٨/ ١٢٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٩٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٥٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٥)، و «تحفة المحتاج مع حاشية الرواني والعبادي» (٧/ ٥٨٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٧٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٤٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٧).
وأنا أَذكرُ هنا كَلامًا نَفيسًا لابنِ القَيمِ رضي الله عنه حيثُ قالَ: المِثالُ الخامِسُ والعِشرونَ: رَدُّ السُّنةِ الصَّريحةِ المُحكمةِ في تَحريمِ الرُّجوعِ في الهِبةِ لكلِّ أحدٍ إلا للوالِدِ برَأيٍ مُتشابِهٍ فاسِدٍ اقتَضى عَكسَ السُّنةِ، وأنَّه يَجوزُ الرُّجوعُ في الهِبةِ لكلِّ أحَدٍ إلا لوالِدٍ أو لذي رَحمٍ مَحرَمٍ أو لزَوجٍ أو زَوجةٍ، أو يَكونُ الواهِبُ قد أُثيبَ منها، ففي هذه المَواضعِ الأربَعةِ يَمتنِعُ الرُّجوعُ، وفرَّقوا بينَ الأجنَبيِّ والرَّحمِ بأنَّ هِبةَ القَريبِ صِلةٌ ولا يَجوزُ قَطعُها، وأنَّ هِبةَ الأجنَبيِّ تَبرُّعٌ، وله أنْ يُمضيَه وألَّا يُمضيَه، وهذا مع كَونِه مُصادِمًا للسُّنةِ مُصادَمةً مَحضةً فهو فاسِدٌ؛ لأنَّ المَوهوبَ له حين قبَضَ العَينَ المَوهوبةَ دخَلَت في مِلكِه وجازَ له التَّصرفُ فيها، فرُجوعُ الواهِبِ فيها انتِزاعٌ لمِلكِه منه بغيرِ رِضاه، وهذا باطِلٌ شَرعًا وعَقلًا.
وأمَّا الوالِدُ فوَلدُه جُزءٌ منه، وهو ومالُه لأَبيه، وبينَهما من البَعضيةِ ما يُوجبُ شِدةَ الاتِّصالِ بخِلافِ الأجنَبيِّ.
فإنْ قيلَ: لم نُخالِفْه إلا بنَصٍّ مُحكمٍ صَريحٍ صَحيحٍ، وهو حَديثُ سالِمٍ عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ وهَبَ هِبةً فهو أحَقُّ بها ما لم
يُثَبْ منها»، قالَ البَيهقيُّ: قالَ لنا أبو عبدِ اللهِ -يَعني الحاكِمَ-: هذا حَديثٌ صَحيحٌ، إلا أنْ يَكونَ الحَملُ فيه على شَيخِنا -يُريدُ أحمدَ بنَ إِسحاقَ بنِ مُحمدِ بنِ خالِدٍ الهاشِميِّ-، ورَواهُ الحاكِمُ من حَديثِ عَمرِو بنِ دِينارٍ عن أَبي هُريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «الواهِبُ أحَقُّ بهِبتِه ما لم يُثَبْ»، وفي كِتابِ الدارَقُطنيِّ من حَديثِ حَمادِ بنِ سَلمةَ عن قَتادةَ عن الحَسنِ عن سَمُرةَ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا كانت الهِبةُ لذي رَحمٍ مَحرَمٍ لم يَرجعْ فيها»، وفي «الغيلانيات» ثَنا مُحمدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ يَحيى عن مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَباسٍ عن النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ وهَبَ هِبةً فارتجَعَ بها فهو أحَقُّ بها ما لم يُثَبْ منها، ولكنَّه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه».
فالجَوابُ أنَّ هذه الأَحاديثَ لا تَثبُتُ ولو ثبَتَت لم تَحِلَّ مُخالفتُها، ووجَبَ العَملُ بها وبحَديثِ: «لا يَحلُّ لواهِبٍ أنْ يَرجعَ في هِبتِه» ولا يَبطُلُ أحدُهما بالآخَرِ، ويَكونُ الواهِبُ الذي لا يَحلُّ له الرُّجوعُ مَنْ وهَبَ تَبرعًا مَحضًا لا لأجلِ العِوضِ، والواهِبُ الذي له الرُّجوعُ مَنْ وهَبَ ليَتعوَّضَ من هِبتِه ويُثابَ منها، فلم يَفعلِ المُتهَبُ، وتُستعمَلُ سُننُ رَسولِ اللهِ ﷺ كلُّها ولا يُضربُ بَعضُها ببَعضٍ، أمَّا حَديثُ ابنِ عُمرَ فقالَ الدارَقُطنيُّ: لا يَثبتُ مَرفوعًا، والصَّوابُ عن ابنِ عُمرَ عن عُمرَ، قَولُه: وقالَ البَيهقيُّ ورَواه علِيُّ بنُ سَهلِ بنِ المُغيرةِ عن عُبيدِ اللهِ بنِ موسى ثنا حَنظلةُ بنُ أَبي سُفيانَ قالَ: سمِعتُ سالِمَ بنَ عبدِ اللهِ … فذكَرَه، وهو غيرُ
مَحفوظٍ بهذا الإِسنادِ، وإنَّما يُروى عن إِبراهيمَ بنِ إِسماعيلَ بنِ مُجمِّعٍ، وإِبراهيمُ ضَعيفٌ.
وقالَ الدارَقُطنيُّ: غلِطَ فيه علِيُّ بنُ سَهلٍ.
وإِبراهيمُ بنُ إِسماعيلَ هذا قالَ أَبو نُعَيمٍ: لا يُساوي حَديثُه فِلسَينِ. وقالَ أَبو حاتِمٍ الرازيُّ: لا يُحتجُّ به. وقالَ يَحيى بنُ مَعينٍ: إِبراهيمُ بنُ إِسماعيلَ المَكيُّ ليسَ بشَيءٍ. وقالَ البَيهقيُّ: والمَحفوظُ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن سالِمٍ عن أَبيه عن عُمرَ «مَنْ وهَبَ هِبةً فلم يُثَبْ منها فهو أحَقُّ بها إلا لذي رَحمٍ مَحرَمٍ» قالَ البُخاريُّ: هذا أصَحُّ.
وأمَّا حَديثُ عُبَيدِ اللهِ بنِ موسى عن حَنظَلةَ فلا أراه إلا وَهمًا، وأمَّا حَديثُ حَمادِ بنِ سَلمةَ فمِن رِوايةِ عبدِ اللهِ بنِ جَعفرٍ الرَّقِّيِّ عن ابنِ المُبارَكِ، وعَبدُ اللهِ هذا ضَعيفٌ عندَهم، وأمَّا حَديثُ ابنِ عباسٍ فمُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ فيه هو العَزرَميُّ، ولا تَقومُ به حُجةٌ، قالَ الفَلاسُ والنَّسائيُّ هو مَتروكُ الحَديثِ، وفيه إِبراهيمُ بنُ يَحيى، قالَ مالِكٌ ويَحيى بنُ سَعيدٍ وابنُ مَعينٍ: هو كَذابٌ. وقالَ الدارَقُطنيُّ: مَتروكُ الحَديثِ؛ فإنْ لم تَصحَّ هذه الأَحاديثُ لم يُلتفَتْ إليها، وإنْ صحَّت وجَبَ حَملُها على مَنْ وهَبَ للعِوضِ وباللهِ التَّوفيقُ (١).
(١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٣٣٣، ٣٣٥).
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.