أ- وقف الإنسان على نفسه

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > أ- وقف الإنسان على نفسه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

أ- وقف الإنسان على نفسه - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ لا يَعودَ الوَقْفُ على نَفسِه:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ هل يُشترطُ لصِحتِه أنْ لا يَعودَ الوَقفُ على نَفسِ الواقفِ؟ أم يَجوزُ للإنسانِ أنْ يَقفَ على نَفسِه أو أنْ يَشترطَ الغَلةَ لنَفسِه؟

أ- وَقفُ الإنسانِ على نَفسِه:

اختَلفَ الفُقهاءُ في صِحةِ وَقفِ الإنسانِ على نَفسِه، هل يَصحُّ أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه لا يَصحُّ وَقفُ الإنسانِ على نَفسِه؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ إمَّا للرَّقبةِ أو المَنفعةِ، وكِلاهُما لا يَصحُّ هُنا؛ إذْ لا يجوزُ له أنْ يُملِّكَ نفسَه مِنْ نَفسِه كبَيعه مالَه مِنْ نَفسِه، ولقَولِه : «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ» (١)، وبتَسبيلِ الثَّمرةِ يَمَعُ أنْ يَكونَ له فيها حقٌّ، ولأنَّ الوَقفَ صَدقةٌ، ولا تَصحُّ صَدقةُ الإنسانِ على نَفسِه، ولأنَّ الوقفَ عقدٌ يَقتضي زوالَ المِلكِ، فصارَ كالبَيعِ والهبةِ، فلمَّا لم تَصحَّ مُبايَعةُ نَفسِه ولا الهِبةُ بها لم يَصحَّ الوَقفُ عليها، ولأنَّ استِثناءَ مَنافعِ الوَقفِ لنَفسِه كاستِثنائِه في العِتقِ أحكامَ الرِّقِّ لنَفسِه، فلمَّا لم يَجُزْ هذا في العِتقِ لم يَجُزْ مثلُه في الوَقفِ، ولأنَّ الوقفَ يُوجِبُ إزالةَ مِلكٍ واستِحداثَ غيرِه، وهو إذا وقَفَ على نَفسِه لم يُزِلْ بالوقفِ مِلكًا ولا استَحدثَ به مِلكًا، فلم يَجُزْ أنْ يَصيرَ وَقفًا (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدَّمَ.
(٢) «الإشراف» (٣/ ٢٥٣) رقم (١٠٩٦)، و «المعونة» (٢/ ٤٩٢، ٤٩٣)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٢٥)، و «البيان» (٨/ ٦٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٣٧)، و «المحرر في الفقه» (١/ ٣٦٩).

قالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للإنسانِ أنْ يُوقفَ على نَفسِه؛ لأنَّ مَنْ ملَكَ شيئًا بجِهةٍ مِنْ الجِهاتِ لم يَملكْ نقْلَه إلى نَفسِه بغيرِ تلك الجِهةِ، أصلُه إذا وهَبَ شيئًا مِنْ مالِه، ولأنَّ فيهِ تَحجيرًا عليه وعلى وارِثِه بعد المَوتِ، وسَواءٌ كانَ ذلكَ على نَفسِه خاصَّةً -أي ابتِداءً- أو بعدَ أنْ حَبسَه على غيرِه كحَبسٍ على زَيدٍ وعَمرٍو ثمَّ بعد مَوتِهما على نَفسي ثم بعدِي على كذا، أو سكَتَ عمَّا بعدَ نَفسِه، والأُولى منهُما الوقفُ فيها مُنقطِعُ الوَسطِ، والثانيةُ مُنقطِعُ الآخِرِ، أو مع شَرِيكٍ كوَقفِه على نَفسِه وعلى فُلانٍ أو الفُقراءِ، كأنْ يَقفَ دارَينِ على نَفسِه وعلى شَخصٍ على أنَّ له إحداهُما مُعيَّنةً وللآخَرِ الأُخرى ولم يَحُزْ عنه قبلَ مَوتِهِ لم يَصِحُّ الوقفُ لا على نَفسِه ولا على شريكِه، أمَّا إنْ حازَه الشريكُ قبلَ المانعِ مِنْ مَوتٍ أو فَلسٍ أو جنونٍ فإن كانَ شائعًا فإنْ حازَ الجَميعَ قبلَ المانعِ صَحَّ له مَنابُه، وإلا فلا، فإنْ أوقَفَه على نَفسِه ثم على أولادِه وعَقبِه رجَعَ حَبسًا بعد مَوتِه على عَقبِه إنْ حازوا قبل المانعِ، وإلا بطَلَ، هذا إنْ أوقَفَ في صِحتِه، فإنْ أوقَفَ في مَرضِه صَحَّ إنْ حمَلَه الثلثُ (١).

(١) «الإشراف» (٣/ ٢٥٣) رقم (١٠٩٦)، و «المعونة» (٢/ ٤٩٢، ٤٩٣)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٦٢، ٤٦٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٦٦، ٥٦٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤٤)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٥٨).

وقالَ الشافِعيةُ: لا يَصحُّ وَقفُ الشَّخصِ على نَفسِه في الأَصَحِّ المَنصوصِ؛ لتَعذُّرِ تَمليكِ الإنسانِ مِلكَه لنَفسِه؛ لأنه حاصِلٌ، وتَحصيلُ الحاصِلِ مُحالٌ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ للرَّقبةِ والمَنفعةِ، فلا يَجوزُ أنْ يُملِّكَ نفسَه مِنْ نَفسِه كما لا يَجوزُ ذلكَ في البَيعِ والهبةِ، ولقَولِه : «حَبِّسِ الأصلِ وسَبِّلِ الثمرةَ»، وبتَسبيلِ الثمرةِ يَمنعُ أنْ يَكونَ له فيها حقٌّ، ولأنَّ الوقفَ صَدقةٌ ولا تَصحُّ صَدقةُ الإنسانِ على نَفسِه، ولأنَّ الوَقفَ عقدٌ يَقتضِي زوالَ المِلكِ، فصارَ كالبيعِ والهبةِ، فلمَّا لم تَصحَّ مُبايَعةُ نَفسِه ولا الهبةُ بها لم يَصحَّ الوَقف عليها، ولأنَّ استِثناءَ مَنافعِ الوَقفِ لنَفسِه كاستِثنائِه في العِتقِ أحكامَ الرِّقِّ لنَفسِه، فلمَّا لم يَجزْ هذا في العِتقِ لم يَجزْ مثلُه في الوقفِ، ولأنَّ الوقفَ يُوجِبُ إزالةَ ملكٍ واستِحداثَ غيرِه، وهو إذا وقَفَ على نَفسِه لم يُزِلْ بالوقفِ مِلكًا ولا استَحدثَ به مِلكًا، فلم يَجزْ أنْ يَصيرَ وَقفًا.

إلا أنه إذا حكَمَ به حاكِمٌ يَرى صِحتَه نفَذَ ولم يُنقَضْ؛ لأنها مَسألةٌ اجتِهاديةٌ.

ويُستثنَى مِنْ عَدمِ صِحةِ الوَقفِ على النَّفسِ ما لو وقَفَ على العُلماءِ ونحوِهم كالفُقراءِ واتَّصفَ بصِفتِهم، أو على الفُقراءِ ثم افتَقرَ، أو على المُسلمينَ كأنْ وقَفَ كِتابًا للقِراءةِ ونحوِها أو قِدرًا للطَّبخِ فيهِ أو كِيزانًا للشُّربِ بها ونحوَ ذلكَ، فله الانتفاعُ معهم؛ لأنهُ لم يَقصدْ نفسَه.

ويَصحُّ شَرطُه النَّظرَ لنَفسِه ولو بمُقابِلٍ إنْ كانَ بقَدرِ أُجرةِ المِثلِ فأقلَّ؛ لأنَّ استِحقاقَه لها مِنْ جِهةِ العَملِ لا مِنْ جهةِ الوقفِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ وَقفُ الإنسانِ على نَفسِه، فعن أحمدَ رحمة الله عليه في مَنْ وقَفَ على نَفسِه ثم على المَساكينِ أو على وَلدِه فقالَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ وقد سُئلَ عن هذا فقالَ: لا أعرفُ الوَقفَ إلا ما أخرَجَه للهِ تعالى أو في سَبيلِه، فإذا وقَفَه عليه حتى يَموتَ فلا أعرفُه، ووَجهُه أنَّ الوَقفَ تَمليكٌ للرَّقبةِ أو للمَنفعةِ، ولا يَجوزُ أنْ يُملِّكَ الإنسانُ نفسَه مِنْ نفسِه كما لم يَجزْ أنْ يَبيعَ مالَه مِنْ نفسِه، ولأنَّ الوَقفَ على نفسِه إنَّما حاصِلُه مَنعُ نَفسِه مِنْ التصرفِ في رَقبةِ المِلكِ، فلم يَصحَّ ذلكَ، كما لو أفرَدُه بأنْ يَقولَ: «لا أبيعُ هذا ولا أهَبُه ولا أُورِّثُه».

فإنْ فعَلَ بأنْ وقَفَ على نَفسِه ثم على مَنْ يَصحُّ الوَقفُ عليه كوَلدِه صُرِفَ الوقفُ في الحالِ إلى مَنْ بعدَه في أصَحِّ الرِّوايتينِ؛ لأنَّ وُجودَ مَنْ لا يَصحُّ الوَقفُ عليه كعَدمِه، فيَكونُ كأنه وقَفَ على مَنْ بعدَه ابتِداءً، فإنْ لم يَذكرْ غيرَ نَفسِه فمِلكُه بحالِه ويُورَثُ عنه.

قالَ في «الفُرُوع»: ومتى حكَمَ به حاكِمٌ حيثُ يَجوزُ له الحُكمُ فظاهِرُ كلامِهم: يَنفذُ حُكمُه ظاهِرًا.

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٢٥)، و «البيان» (٨/ ٦٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٣٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٨، ٤٥٩)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٠، ٤٢١)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٤٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٦٦)، و «الديباج» (٢/ ٥١٩).

قالَ في «شَرْح المُنتَهى»: ويُؤخَذُ منه جَوازُ القَضاءِ بالمَرجوحِ مِنْ الخِلافِ. انتهى

قالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: قلتُ: هذا في المُجتهِدِ كما يُشعرُ به قَولُه: «حيثُ يَجوزُ له الحكمُ»، أمَّا المُقلِّدُ فلا (١).

وذهَبَ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ -وهو المُعتمَدُ في المَذهبِ- والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ -وهو اختيارُ جَماعةٍ مِنهُم ابنُ سُريجٍ والزُّبيريُّ وابنُ الصَّباغِ وأكثَرُ مَشايخِ خُراسانَ، وجوَّزَ الرويانِيُّ الإفتاءَ به- والحَنابلةُ في رِوايةٍ -وعليها العَملُ عندَ الحَنابلةِ، وهي اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنه يَصحُّ أنْ يُوقِفَ الإنسانُ على نَفسِه؛ لأنَّ استحقاقَ الشيءِ وَقفًا غيرُ استِحقاقِه مِلكًا، وقدْ يَقصدُ حبْسَه ومنْعَ نَفسِه مِنْ التصرفِ المُزيلِ للمِلكِ، ولِما رُوِيَ أنَّ عُمرَ رضي الله عنه لمَّا وقَفَ قالَ: «لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتموِّلٍ» (٢)، فجعَلَ لمَن يَليها أنْ يأكلَ منها، وقد يَليها الواقفُ وغيرُه، وقد كانَتْ بيَدِه إلى أنْ ماتَ.

ورُويَ أنَّ عُثمانَ رضي الله عنه لمَّا وقَفَ بِئرَ رُومةَ قالَ: «دَلوِي منها كدِلاءِ المُسلمينَ» (٣)، ولأنَّ النبيَّ أعتَقَ صَفيةَ وجعَلَ عِتقَها صَداقَها

(١) «كشاف القناع» (٤/ ٣٠١)، ويُنظَر: «المغني» (٥/ ٣٥٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٩٤، ١٩٥)، و «الفروع» (٤/ ٤٤٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٨، ٣٣٩)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٨٥).
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٨٦)، باب: الشُّروطِ في الوَقفِ، ومسلم (١٦٣٢).
(٣) حَسَنٌ: رواه النسائي (٣٦٠٨)، والترمذي (٣٧٠٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٤٩٢)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١٠٠٥)، والدارقطني (٤/ ١٩٧).

مُعادًا إليه بعدَ أنْ أخرَجَه للهِ، ولأنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه وقَفَ دارًا له فسكَنَها إلى أنْ ماتَ، وأنَّ الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ رضي الله عنه جعَلَ رَباعَه صَدقاتٍ مَوقوفاتٍ فسكَنَ مَنزلًا منها حتى خرَجَ إلى العِراقِ، وعن أنَسٍ رضي الله عنه «أنَّ النبيَّ رَأى رَجلًا يَسوقُ بَدنةً فقالَ له: اركَبْها، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إنها بَدنةٌ، قالَ في الثالثةِ أو في الرابعةِ: اركَبْها وَيلَكَ أو وَيحَكَ» (١).

وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللَّهِ رَأى رَجلًا يَسوقُ بَدنةً، فقالَ: اركَبْها، قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنها بَدنةٌ، قالَ: اركَبْها وَيلَكَ، في الثانيةِ أو في الثالثةِ» (٢).

فإنه إذا جازَ له الانتفاعُ بما أهداهُ بعدَ خُروجِه عن مِلكِه بغَيرِ شَرطٍ فجَوازُه بالشَّرطِ أَولى.

ولأنه لمَّا استَوى هو وغيرُه في الوَقفِ العامِّ جازَ أنْ يَستويَ هو وغيرُه في الوَقفِ الخاصِّ، لأنَّ الوَقفَ وَقفانِ: وَقفٌ خاصٌّ، ووَقفٌ عامٌّ، ثمَّ ثبَتَ أنَّ الوَقفَ العامَّ له فيهِ حَظٌّ وهو إذا وقَفَ مَسجدًا أو سِقايَةً فإنَّ له أنْ يُصلِّيَ في المَسجدِ ويَشربَ مِنْ السِّقايةِ، فكذلكَ في الوَقفِ الخاصِّ (٣).

قالَ الحَنفيةُ: قالَ أبو يُوسفَ: إذا وقَفَ على نَفسِه ثمَّ على جِهاتٍ مِنْ بَعدِه جازَ؛ لِما رُويَ أنَّ عُمرَ رضي الله عنه شرَطَ في وَقفِه «لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَه

(١) أخرجه البخاري (٢٦٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٠٤).
(٣) المَصادِر السَّابِقة.

أنْ يأكلَ منه غيرَ مُتموِّلٍ»، وقد كانَ وَلِيَها بنفسِه، ولأنه أحَدُ نَوعَي الوَقفِ، فصَحَّ أنْ يكونَ الواقفُ أحدَ المَوقوفِ عليهم كالمَقبرةِ أو المَسجدِ، ولأنه وَقفٌ على مُعيَّنٍ، فصارَ كما لو وقَفَ على وَلدِه؛ لأنه شرَطَ الإنفاقَ منه على مَنْ لا مَعصيةَ عليه في الإنفاقِ عليه، كما لو شرَطَ أنْ يُنفقَ على غيرِه.

ولأنَّ الوَقفَ إزالةَ المِلكِ إلى اللهِ تعالى على وَجهِ القُربةِ، فإذا شرَطَ البَعضَ أو الكلَّ لنَفسِه فقدْ جعَلَ ما صارَ مَملوكًا للهِ تعالى لنَفسِه، لا أنْ يَجعلَ مِلكَ نَفسِه لنَفسِه، وهذا جائزٌ، كما إذا بَنى خانًا أو سِقايةً أو جعَلَ أرضَه مَقبرةً وشرَطَ أنْ يَنزلَه أو يَشربَ منه أو يُدفنَ فيه، ولأنَّ مَقصودَه القُربةُ، وفي الصَّرفِ إلى نَفسِه صَدقةٌ، قالَ عليه الصلاة والسلام: «نَفقةُ الرَّجلِ على نَفسِه صَدقةٌ»، قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: رُويَ معنَى هذا الحَديثِ مِنْ طُرقٍ كثيرةٍ يَبلغُ بها الشُّهرةَ، فرَوى ابنُ ماجَه مِنْ حَديثِ المِقدامِ بنِ مَعدِ يَكرِبَ عنه عليه الصلاة والسلام قالَ: «ما مِنْ كَسبِ الرَّجلِ كَسبٌ أطيَبُ مِنْ عَملِ يَدِه، وما أنفَقَ الرَّجلُ على نَفسِه وأهلِه ووَلدِه وخادِمِه فهو له صَدقةٌ»، وأخرَجَه النَّسَائيُّ عن بَقيَّةَ عن بَحيرٍ بلَفظِ: «ما أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فهو لَكَ صَدقةٌ» الحَديث، وأخرَجَ ابنُ حبَّانَ في صَحيحِه عن أبي سَعيدٍ عن النبيِّ قالَ: «أيُّما رَجلٍ كسَبَ مالًا حلالًا فأطعَمَه نفسَه أو كَساها فمَن دونَه مِنْ خَلقِ اللهِ تَعالى فإنَّ له بها زَكاةً» (١)، ورواهُ الحاكِم إلا أنه قالَ: «فإنه له زَكاةٌ» وقالَ: صَحيحُ الإسنادِ ولم يُخرِّجاهُ.

(١) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٤٢٣٦).

وأخرَجَ الحاكِمُ أيضًا والدَّارقطنيُّ عن جابرٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «كلُّ مَعروفٍ صَدقةٌ، وما أنفَقَ الرَّجلُ على نَفسِه وأهلِه فهو له صَدقةٌ، وما وَقَى به عِرضَه صَدقةٌ» الحَديث، وفيه: فقُلتُ لمُحمدِ بنِ المُنكدِرِ: ما مَعنى «وَقَى به عِرضَه»؟ قالَ: أنْ يُعطيَ الشاعرَ وذا اللِّسانِ المُتَّقى» وقال: صَحيحُ الإسنادِ (١).

وأخرَجَ الطَّبرانِيُّ عن أبي أُمامةَ عنه عليه الصلاة والسلام قالَ: «مَنْ أنفَقَ على نَفسِه فهيَ له صَدقةٌ، ومَن أنفَقَ على امرَأتِه وأهلِه ووَلدِه فهوَ له صَدقةٌ» (٢).

وفي صَحيحِ مُسلِمٍ عن جابرٍ أنه عليه الصلاة والسلام قالَ لرَجلٍ: «ابدَأْ بنَفسِكَ فتَصدَّقْ عليها، فإنْ فضَلَ شيءٌ فلأهلِكَ … الحَديث» (٣)، فقدْ تَرجَّحَ قَولُ أبي يُوسفَ، قالَ الصَّدرُ الشَّهيدُ: والفتوَى على قَولِ أبي يُوسفَ، ونحنُ أيضًا نُفتي بقَولِه؛ تَرغيبًا للناسِ في الوَقفِ، واختارَه مَشايخُ بَلخٍ، وكذا ظاهِرُ «الهِدايَة» حيثُ أخَّرَ وجْهَه ولم يَدفَعْه (٤).

(١) رواه عبد ابن حميد في «مسنده» (١٠٨٣)، وأبو يعلى في «مسنده» (٢٠٤٠)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٧)، والدارقطني (٣/ ٢٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٤٩٥).
(٢) ضَعِيفٌ: رواه ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٧)، و «أعَلَّه ببِشرِ بنِ نُميرٍ، وضعَّفَه عن جَماعةٍ، ووافَقَهم على ضَعفِه، ويُنظَر: «نصب الراية» (٣/ ٤٨٠).
(٣) أخرجه مسلم (٩٩٧).
(٤) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٧)، و «العناية» (٨/ ٣٤٩، ٣٥٠)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٨)، و «المحيط البرهاني» (٥/ ٧١١)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٩٧)، و «التجريد» للقدوري (٨/ ٣٧٩٦)، و «الإسعاف» ص (٩٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠٩)، و «اللباب» (١/ ٦٢٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 264 - 271

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله