إيجار الوقف بأقل من أجرة المثل

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > إيجار الوقف بأقل من أجرة المثل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

إيجار الوقف بأقل من أجرة المثل - الأقوال والأدلة

إيجارُ الوَقفِ بأقلَّ مِنْ أجرَةِ المِثلِ:

اتَّفقَ العُلماءُ على أنه لا يَصحُّ إجارةُ الوَقفِ بأقلَّ مِنْ أجرَةِ المِثلِ لغَيرِ حاجةٍ إذا كانَ المُؤجِّرُ غيرَ المَوقوفِ عليه.

واختَلفُوا في حُكمِ إجارةِ الوَقفِ بأقلَّ مِنْ أُجرةِ المثلِ، هل يَصحُّ عَقدُ الإجارةِ ويَضمنُ الناظرُ الفرقَ؟ أم يَبطلُ العَقدُ؟ أم يَضمنُ المُستأجِرُ تمامَ أُجرةِ المثلِ؟

فعندَ الحَنفيةِ: العَقدُ صَحيحٌ، ويَضمنُ المُستأجِرُ تَمامَ أُجرةِ المِثلِ.

وقالَ الحَنابلةُ: يَضمنُ الناظِرُ تَمامَ أُجرةِ المِثلِ، وهو أيضًا قَولُ المالِكيةِ على تَفصيلٍ.

وعندَ الشافِعيةِ: العَقدُ غيرُ صَحيحٍ.

قالَ الحَنفية: لا يَجوزُ إجارةُ الوَقفِ بأقلَّ مِنْ أُجرةِ المثلِ، ولو كانَ الناظرُ هو المُستحِقَّ أو غيرُه؛ لِما يَصلُ إليهِ مِنْ الضَّررِ للوقفِ بالأجرةِ، ولاحتِمالِ مَوتِه، فيَضرُّ بمَن بعدَه مِنْ المُستحِقِّينَ، وربَّما يَتضرَّرُ الوَقفُ أيضًا الآنَ إذا كانَ مُحتاجًا للتَّعميرِ، إلَّا إذا كانَ النُّقصانُ يَسيرًا -وهو ما يَتغابَنُ الناسُ فيهِ، أي يَقبلونَه ولا يَعدُّونَه غَبنًا- فيَجوزُ، أمَّا إذا كانَ الغَبنُ فاحِشًا فلا تَجوزُ الإجارةُ، إلَّا في حالِ الضَّرورةِ فتَجوزُ الإجارةُ بأقلَّ مِنْ أجرةِ المِثلِ، وذلكَ مثلُ:

أ- إذا كانَ لا يَرغبُ أحَدٌ في إجارتِه إلا بالأقلِّ مِنْ أُجرةِ المِثلِ.

ب- إذا نابَتِ الوَقفَ نائِبةٌ، أو كانَ عليه دَينٌ أو كانَ على الدَّارِ مَرصدٌ، والمَرصَدُ: دَينٌ على الوَقفِ يُنفِقُه المُستأجِرُ لعِمارةِ الدارِ لعَدمِ مالٍ حاصِلٍ في الوَقفِ.

وفي غَيرِ هذه الحالاتِ إذا أجَّرَهَا الناظرُ بدونِ أُجرةِ المِثلِ صَحَّ العَقدُ ويَلزمُ المُستأجِرَ تَمامُ أجرِ المِثلِ على المُفتى به (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا أكرَى الناظِرُ بغَيرِ أُجرةِ المثلِ ضَمِنَ تَمامَ أجرةِ المِثلِ إنْ كانَ مَليئًا، وإلا رجَعَ على المُستأجِرِ؛ لأنه مُباشِرٌ، وكلُّ مَنْ رجَعَ عليه لا يَرجعُ على الآخَرِ، هذا ما لم يَعلَمِ المُستأجِرُ بأنَّ الأُجرةَ غيرُ أجرةِ المِثلِ، فإنْ كانَ كُلٌّ مِنهما ضامِنًا فيُبدأُ به، وأجرةُ المِثلِ ما يَقولُه أهلُ المَعرفةِ.

وإنْ وقَعَ كِراءُ الوَقفِ بدونِ أُجرةِ المِثلِ ثُمَّ زادَ آخرُ على المُستأجِرِ ما يَبلغُ أجرةَ المِثلِ فإنه يُفسخُ للزِّيادةِ، أي يَفسخُ إجارةَ الأولِ للثَّاني الذي زادَ، سَواءٌ كانَ حاضِرًا وَقتَ إجارَةِ الأولِ أو غائبًا، فإنْ طلَبَ مَنْ زِيدَ عليه أنْ يَبقى بيَدِه ويَدفعَ الزِّيادةَ لم يَكنْ له ذلكَ، إلَّا أنْ يَزيدَ على مَنْ زادَ حيثُ لم تَبلغْ زيادةُ مَنْ زادَ أجرةَ المِثلِ، فإنْ بَلَغَتْها فلا يُلتفَتُ لزيادةِ مَنْ زادَ.

وقيلَ: إذا التَزمَ الساكِنُ بالزيادةِ كانَ أحَقَّ، ولا يُلتفَتُ لزيادةِ مَنْ زادَ بعد ذلكَ، وكانَ الساكنُ أحَقَّ؛ لوُقوعِ عَقدٍ عُقدَ معَه في الجُملةِ، ما لم

(١) «غمز عيون البصائر» (٢/ ٢٢٧)، و «الاختيار» (٣/ ٥٦)، و «ابن عابدين» (٤/ ٤٠٢)، و «الإسعاف» ص (٦٥).

يَزدِ الآخَرُ على ذلكَ، وإلا كانَ أحَقَّ؛ لوُقوعِ الخَللِ في العَقدِ، ما لم يَلتزمِ الساكنُ تِلكَ الزِّيادةَ.

قالَ العَدوِيُّ رحمة الله عليه: وهذا الذي يَظهرُ؛ إذْ فيهِ جَمعٌ بينَ الطَّريقتينِ في الجُملةِ، وبعدَ كَتبِي هذا رَأيتُ عِندي ما نَصُّه قولُه: ولا يُفسخُ -أي: إذا وقَعَ العقدُ-، وأمَّا لو أعطاهُ إنسانٌ أجرةَ المثلِ وأعطى غيرُه أكثَرَ فإنَّ الزيادةَ تُقبلُ بلا شَكٍّ؛ لأنه لم يَحصلْ عقدٌ (١).

وأمَّا الشافِعيةُ والحَنابلةُ ففرَّقُوا بينَ أنْ يُؤجِّرَ العينَ المَوقوفةَ عليه، وبينَ أنْ يُؤجِّرَ العينَ المَوقوفةَ على غيرِه …

فإنْ أجَّرَ العينَ المَوقوفةَ عليه بأقلَّ مِنْ أجرةِ المثلِ صَحَّ قَطعًا عند الشافِعيةِ والحَنابلةِ في أحَدِ الوَجهينِ.

والوَجهُ الآخَرُ: لا يَجوزُ.

وأمَّا إذا كانَتِ العينُ مَوقوفةً على غَيرِه فإنه لا يَصحُّ أنْ يُؤجِّرَها بأنقَصَ مِنْ أُجرةِ المثلِ، فإنْ أجَّرَها بأقلَّ مِنْ أُجرةِ المِثلِ لم يَصحَّ العَقدُ عند الشافِعيةِ والحَنابلةِ في وَجهٍ؛ لانتِفاءِ الإذنِ فيهِ.

(١) «حاشية العدوي على الخرشي» (٧/ ٩٩)، و «فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك» (٤/ ٤٧٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٨٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٦٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 427 - 429

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله