اتباع شرط الواقف في التأجير ومخالفة شرطه للضرورة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > اتباع شرط الواقف في التأجير ومخالفة شرطه للضرورة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

اتباع شرط الواقف في التأجير ومخالفة شرطه للضرورة - الأقوال والأدلة

اتِّباعُ شَرطِ الواقِفِ في التأجيرِ ومُخالَفةُ شَرطِه للضَّرورةِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ على أنه يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ في إجارةِ المَوقوفِ، فإذا شرَطَ ألا يُؤَجَّرَ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ مثلًا أو لا يُؤجَّرَ أصلًا اتُّبعَ شَرطُه إلَّا لضَرورةٍ، كما سَيأتي مُفصَّلًا.

وقالَ الشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ: لا يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ في ذلكَ؛ لأنه حَجرٌ على المُستحِقِّ في المَنفعةِ.

وبَيانُ ذلكَ مُفصَّلًا على ما يَلي:

قالَ الحَنفيةُ: لا تَصحُّ إجارةُ الأراضي أكثَرَ مِنْ ثلاثِ سِنينَ والمَساكِنُ والحَوانيتُ (الدَّكاكينُ) ونَحوُهما أكثَرَ مِنْ سَنةٍ، إلَّا إذا كانَتِ المَصلحةُ تَقتضي تَأجيرِ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ ذلكَ، فإنَّ للقاضي في هذه الحالةِ أنْ يُؤجِّرَها أكثَرَ مِنْ ذلكَ، وأمَّا الناظِرُ فليسَ له أنْ يَفعلَ ذلكَ دُونَ إذنِ القاضي، إلَّا إذا نَصَّ الواقفُ على جَوازِ تَأجيرِها أكثَرَ مِنْ هذه المُدَّةِ إذا كانَ مَنفعةً، فإذا قالَ الواقفُ مثلًا: «لا يَجوزُ تَأجيرُ هذا المَنزلِ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ إلا إذا كانَ في تَأجيرِه مَصلحةٌ للفُقراءِ المَوقوفِ عليهم» فإنَّ للناظرِ أنْ يُؤجِّرَ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ بِناءً على هذا الشَّرطِ.

ومَحلُّ عَدمِ جَوازِ تَأجيرِ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ تلكَ المدَّةِ إذا كانَ المُؤجِّرُ غيرَ الواقفِ، أمَّا الواقفُ فله أنْ يَزيدَ على هذه المدَّةِ كما يُحبُّ.

قالَ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه: لو شرَطَ الواقِفُ ألَّا يُؤجَّرَ وَقفُه أكثَرَ مِنْ سَنةٍ والناسُ لا يَرغَبونَ في استِئجارِ سَنةٍ، أو كانَ في الزِّيادةِ نَفعٌ للفُقراءِ، فللقاضي المُخالَفةُ دونَ الناظِرِ (١).

وأمَّا المالِكيةُ فقالوا: إذا شرَطَ الواقفُ مُدَّةً يَجبُ العَملُ بها، إلَّا لضَرورةٍ فيَجوزُ إجارةُ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ المُدَّةِ الجائِزةِ له أو أكثَرَ ممَّا شَرَطَه الواقفُ لضَرورةٍ تَقتضِي الكِراءَ لأكثَرَ مِمَّا تقدَّمَ، كما لو انهدَمَ الوَقفُ فيَجوزُ كِراؤُه بما يُبنَى به ولو طالَ الزَّمنُ كأربَعينَ عامًا أو أزيَدَ، بقَدرِ ما تَقتضي الضَّرورةُ، وهو خيرٌ مِنْ ضَياعِه واندِراسِه.

ووقَعَ في زَمنِ القاضي ابنِ باديسَ بالقَيروانِ أنَّ دارًا حَبسًا على الفُقراءِ خَرِبتْ ولم يُوجَدْ ما تُصلَحُ به، فأَفتَى بأنها تُكرَى السِّنينَ الكثيرةَ كيفَ تَيسَّرُ بشَرطِ إصلاحِها مِنْ كِرائِها، وأبَى أن يُسمحَ ببَيعِها، وهو المُعوَّلُ عليهِ (٢).

وقالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: إذا وقَفَ بشَرطِ ألا يُؤجَّرَ أصلًا أو ألا يُؤجَّرَ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ صَحَّ الوَقفُ واتُّبعَ شَرطُه كسائِرِ الشُّروطِ المُتضمِّنةِ للمَصلحةِ.

(١) «الأشباه والنظائر» (١٩٥)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٤١)، (٨/ ٤، ٥)، ويُنظَر: «الهداية شرح البداية» (٣/ ٢٣١، ٢٣٢)، و «الاختيار» (٣/ ٦٢)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٣٢، ٣٢٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١١٠، ١١١)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٠٦)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٧).
(٢) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٧٨، ٤٨٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٩٢)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٥٠٩)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٩، ١٠٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٦٧).

والثَّاني: لا يُتَّبعُ شَرطُه؛ لأنه حَجرٌ على المُستحِقِّ في المَنفعةِ.

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ويُستَثنى مِنْ ذلكَ حالُ الضَّرورةِ، كما لو شرَطَ ألَّا تُؤجَّرَ الدارُ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ ثُمَّ انهدَمَتْ وليسَ لها جِهةُ عِمارةٍ إلا بإجارةِ سِنينَ، فإنَّ ابنَ الصَّلاحِ أَفتَى بالجَوازِ في عُقودٍ مُستأنَفةٍ وإنْ شرَطَ الواقِفُ ألا يُستأنَفَ؛ لأنَّ المَنعَ في هذه الحالةِ يُفضي إلى تَعطيلِه، وهو مُخالِفٌ لمَصلحةِ الواقفِ.

ووافَقَه السُّبكيُّ والأذرعِيُّ، إلا في اعتِبارِ التَّقييدِ بعُقودٍ مُستأنَفةٍ، فرَدَّاهُ عليه وقالا: يَنبغي الجَوازُ في عَقدٍ واحِدٍ.

والذي يَنبَغي -كما قالَ شَيخُنا- ما أَفتَى به ابنُ الصَّلاحِ؛ لأنَّ الضَّرورةَ تَتقدَّرُ بقَدرِها.

ولو شرَطَ الواقِفُ ألا يُؤجَّرَ أكثَرَ مِنْ ثلاثِ سِنينَ فأجَّرَهُ الناظِرُ سِتَّ سِنينَ فإنْ كانَ في عَقدٍ واحِدٍ لم يَصحَّ في شيءٍ منها، ولا يُخرَّجُ على تَفريقِ الصَّفقةِ كما مَرَّتِ الإشارةُ إليه في فَصْلِها، وإذا أجَّرَ ثَلاثَ سِنينَ ثمَّ الثَّلاثَ الأُخَرَ قبلَ انقِضاءِ الأُولى لم يَصحَّ العَقدُ الثَّاني، كما أَفتَى به ابنُ الصَّلاحِ.

وإنْ فرَّعْنا على الأصَحِّ أنَّ إجارةَ المُدةِ المُستقبَلةِ مِنْ المُستأجِرِ صَحيحَةٌ اتِّباعًا لشَرطِ الواقفِ، فإنَّ المُدَّتينِ المُتصِلتَينِ كالمُدةِ الواحِدةِ، وإنَّما أبطَلْناهُ في الثَّاني دونَ الأولِ لانفِرادِه.

ولو شرَطَ في وَقفِه ألا يُؤَجِّرَ مِنْ مُتَجَوِّهٍ أو ظالِمٍ ونحوَ ذلكَ ممَّا يُكتبُ في كُتبِ الأوقافِ اتُّبعَ شَرطُه، قالَه الأذرعِيُّ، قالَ: ولم أرَهُ نَصًّا. اه، وهو ظاهِرٌ، والظاهِرُ كما في «المَطْلَب» أنَّ للمَوقوفِ عليهِ الإعارةُ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: ويُرجَعُ إلى شَرطِ الواقِفِ، ويَجبُ العَملُ به في عَدمِ إيجارِ الوَقفِ أو في قَدرِ مُدتِه، فإنْ شرَطَ ألَّا يُؤجَّرَ أبدًا أو ألا يُؤجَّرَ أكثرَ مِنْ سَنةٍ لم تَجُزِ الزِّيادةُ عليها، لكنْ عندَ الضَّرورةِ يُزادُ بحَسبِها، ولم يَزَلْ عَملُ القُضاةِ عليهِ مِنْ أزمنةٍ مُتطاوِلةٍ، وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدينِ: والشروطُ إنَّما يَلزمُ الوفاءُ بها إذا لم تُفضِ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ الشَّرعيِّ.

قالَ الرُّحيبانِيُّ رحمة الله عليه: ويَتَّجهُ أنه يَجبُ العملُ بالشَّرطِ إنْ لم يُحتَجْ إلى زيادةٍ على القَدرِ المَشروطِ، أمَّا إذا احتِيجَ بأنْ تَعطَّلتْ مَنافِعُ المَوقوفِ ولم يُمكِنْ تَعميرُه إلا بذلكَ جازَ، ويَتَّجهُ إنْ تَعذَّرَ عُقودًا حيثُ احتِيجَ إليه كعَقدٍ واحِدٍ، حتى لو شرَطَ أنْ لا يُؤجَّرَ أبَدًا واحْتاجَ الوَقفُ إلى الإجارةِ فللنَّاظِرِ أنْ يُؤجِّرَه، وهو أَولَى مِنْ بَيعِه، وقد أَفتَى به المِرداوِيُّ وغَيرُه، ولم تَزَلْ عُلَماؤُنا تُفتِي به، وهو أَولَى مِنْ بَيعِه، ولا تَجوزُ المُحافَظةُ على بَعضِها مع فَواتِ المَقصودِ بها ويَأتي، قالَ في «شَرح الوَجيزِ»: إنْ كانَ الوَقفُ يَحتاجُ إلى

(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٧، ٤٦٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣١)، و «حاشية عميرة على كنز الراغبين» (٣/ ٢٥٢)، و «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٣/ ١٤٤)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٦٥)، و «الديباج» (٢/ ٢٥٢)، و «المبدع» (٤/ ٨٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤).

عِمارةٍ لا تَحصلُ إلَّا بأنْ يُزادَ على المُدةِ المَشروطةِ مُدَّةً أخرَى جازَ أنْ يُزادَ عليها بقَدرِ ما يُحتاجُ إليه فقط، ككَونِ العِمارةِ تَحتاجُ إلى استِلافِ دَراهمَ ولم يَحصلْ مَنْ يُسلِّفُهم إلا مَنْ يَستأجِرُ أكثَرَ مِنْ هذه المُدةِ، وأنْ تَكونَ عِمارَتُه مع الخَرابِ ليُعمَرَ بما يَحصلُ مِنْ الأجرةِ لا تُمكِنُ إلا مع الزِّيادةِ، فإنه يَجوزُ أنْ يُزادَ بقَدرِ الحاجةِ، فإنَّ عِمارةَ الوَقفِ واجِبةٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا به فلا بُدَّ مِنْ فِعلِه، وهذا واجِبٌ بالشَّرعِ. انتهى، وهو مُتَّجِهٌ (١).

وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: قالَ الحارِثيُّ: وعَن بَعضِهِمْ جوازُ الزِّيادةِ بحَسبِ المَصلَحة، وهو يَحتاجُ عِندي إلى تَفصيلٍ (٢).

وقالَ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: ومِن الحِيَلِ الباطِلةِ تَحيُّلُهم على إيجارِ الوَقفِ مِائةَ سَنةٍ مثلًا وقد شرَطَ الواقفُ ألا يُؤجَّرَ أكثَرَ مِنْ سَنتَينِ أو ثَلاثٍ، فيُؤجَّرُ المُدَّةَ الطَّويلةَ في عُقودٍ مُتفَرِّقةٍ في مَجلسٍ واحِدٍ، وهذه الحيلَةُ باطِلةٌ قَطعًا، فإنه إنَّما قصَدَ بذلكَ دفْعَ المَفاسدِ المُترتِّبةِ على طولِ مُدةِ الإجارةِ، فإنها مَفاسِدُ كَثيرةٌ جِدًّا، وكم قد مُلِكَ مِنْ الوُقوفِ بهذه الطُّرقِ وخرَجَ عن الوَقفيَّةِ بطُولِ المُدةِ واستيلاءِ المُستأجِرِ فيها على الوَقفِ هو وذُرِّيتُه ووَرَثتُه سِنينَ بعد سِنينَ، وكم فاتَ البُطونَ اللَّواحِقَ مِنْ مَنفعةِ الوَقفِ بالإيجَارِ الطَّويلِ، وكم أُوجِرَ الوَقفُ بدونِ إجارةِ مِثلِه لطُولِ المُدَّةِ وقَبضِ الأُجرةِ، وكم

(١) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣١٥، ٣١٦).
(٢) «كشاف القناع» (٤/ ٣١٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٥٣)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٣٢).

زادَتْ أجرةُ الأرضِ أو العَقارِ أضعافَ ما كانَتْ ولم يَتمكَّنِ المَوقوفُ عليه مِنْ استيفائِها؟

وبالجُملةِ فمَفاسِدُ هذه الإجارةِ تَفوتُ العَدَّ، والواقفُ إنَّما قصَدَ دفْعَها، وخَشيَ منها بالإجارةِ الطَّويلةِ فصرَّحَ بأنه لا يُؤجَّرُ أكثَرَ مِنْ تلكَ المُدةِ التي شرَطَها، فإيجارُه أكثَرَ منها -سَواءٌ كانَ في عَقدٍ أو عُقودٍ- مُخالَفةٌ صَريحةٌ لشَرطِه، مع ما فيها مِنْ المَفسدةِ بل المَفاسِدِ العَظيمةِ.

وياللهِ العَجَبُ! هل تَزولُ هذه المَفاسِدُ بتَعدُّدِ العُقودِ في مَجلسٍ واحدٍ، وأيُّ غَرضٍ للعاقِلِ أنْ يَمنعَ الإجارةَ لأكثَرَ مِنْ تِلكَ المُدَّةِ ثمَّ يُجوِّزَها في ساعةٍ واحِدةٍ في عُقودٍ مُتفرِّقةٍ؟! وإذا أجَّرَهُ في عُقودٍ مُتفرِّقةٍ أكثَرَ مِنْ ثَلاثِ سِنينَ أيَصحُّ أنْ يُقالَ: «وَفَّى بشَرطِ الواقفِ ولَم يُخالِفْه»؟! هذا مِنْ أبطَلِ الباطِلِ وأقبَحِ الحِيَلِ، وهو مُخالِفٌ لشَرطِ الواقفِ ومَصلحةِ المَوقوفِ عليه، وتَعرُّضٌ لإبطالِ هذه الصَّدقةِ وألَّا يَستمرَّ نَفعُها وألَّا يَصلَ إلى مَنْ بعدَ الطَّبقةِ الأُولى وما قارَبَها، فلا يَحلُّ لمُفتٍ أنْ يُفتيَ بذلكَ، ولا لحاكِمٍ أنْ يَحكمَ به، ومتى حكَمَ به نُقضَ حُكمُه، اللَّهمَّ إلَّا أنْ يَكونَ فيهِ مَصلحةُ الوَقفِ بأنْ يَخربَ ويَتعطَّلَ نَفعُه فتَدعوَ الحاجةُ إلى إيجارِه مُدةً طَويلةً يَعمرُ فيها بتلكَ الأُجرةِ، فهُنا يَتعيَّنُ مُخالَفةُ شَرطِ الواقفِ تَصحيحًا لوَقفِه واستِمرارًا لصَدقتِه، وقد يَكونُ هذا خيرًا مِنْ بَيعِه والاستِبدالِ به، وقد يَكونُ البَيعُ أو الاستِبدالُ خيرًا مِنْ الإجارةِ، واللهُ يَعلمُ المُفسِدَ مِنْ المُصلِحِ.

والذي يَقضِي منه العَجبُ التَّحيُّلُ على مُخالَفةِ شَرطِ الواقفِ وقَصدِه الذي يقطعُ بأنه قَصدُه مع ظُهورِ المَفسَدةِ، والوُقوفُ مع ظاهرِ شَرطِه ولَفظِه المُخالِفِ لقَصدِه والكِتابِ والسُّنةِ ومَصلحةِ المَوقوفِ عليه، بحَيثُ يَكونُ مَرضاةَ اللهِ ورَسولِه ومَصلحةَ الواقفِ وزيادةَ أجرِه ومَصلحةَ المَوقوفِ عليه وحُصولَ الرِّفقِ به مع كَونِ العملِ أحَبَّ إلى اللهِ ورَسولِه، لا يُغيِّرُ شرْطَ الواقفِ ويَجري مع ظاهِرِ لَفظِه وإنْ ظهَرَ قَصدُه بخِلافِه، وهل هذا إلَّا مِنْ قلَّةِ الفِقهِ، بل مِنْ عَدمِه، فإذا تَحيَّلْتُم على إبطالِ مَقصودِ الواقفِ حيثُ يَتضمَّنُ المَفاسِدَ العَظيمةَ، فهَلَّا تَحيَّلتُم على مَقصودِه ومَقصودِ الشَّارعِ حيثُ يَتضمَّنُ المَصالِحَ الراجِحةَ بتَخصيصِ لَفظِه أو تَقييدِه أو تَقديمِ شَرطِ اللهِ عليه؟! فإنَّ شرْطَ اللهِ أحَقُّ وأوثَقُ، بل يَقولونَ هاهُنا: «نُصوصُ الواقفِ كنُصوصِ الشَّارِعِ»، وهذه جُملةٌ مِنْ أبطَلِ الكَلامِ، وليس لنُصوصِ الشارعِ نَظيرٌ مِنْ كَلامِ غيرِه أبدًا، بل نُصوصُ الواقفِ يَتطرَّقُ إليها التَّناقضُ والاختلافُ، ويجبُ إبطالُها إذا خالَفتْ نُصوصَ الشَّارعِ وإلغاؤُها، ولا حُرمةَ لها حِينئذٍ ألبتَّةَ، ويَجوزُ -بل يَترجَّحُ- مُخالَفتُها إلى ما هو أحَبُّ إلى اللَّهِ ورَسولِه منها وأنفَعُ للواقفِ والموقوفِ عليه، ويجوزُ اعتبارُها والعدولُ عنها مع تَساوي الأمرَينِ، ولا يَتعيَّنُ الوُقوفُ مَعها، وسَنذكرُ إنْ شاءَ اللَّهُ فيما بَعدُ ونُبيِّنُ ما يَحلُّ الإفتَاءُ به وما لا يَحلُّ مِنْ شُروطِ الواقِفينَ؛ إذِ القَصدُ بَيانُ بُطلانِ هذه الحِيلةِ شرعًا وعُرفًا ولُغةً (١).

(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ٢٩١، ٢٩٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة

لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.

(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 420 - 426

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله