الجهة التي ينفق منها على الموقوف وعمارته

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الجهة التي ينفق منها على الموقوف وعمارته

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الجهة التي ينفق منها على الموقوف وعمارته - الأقوال والأدلة

سَواءٌ شرَطَ ذلكَ الواقفُ أو لم يَشرِطْ؛ لأنَّ الوَقفَ صَدقةٌ جارِيةٌ في سَبيلِ اللهِ تعالى، ولا تَجري إلَّا بهذا الطَّريقِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: يُبدأُ بغلَّةِ الوَقفِ بإصلاحِه ونَفقتِه وإنْ شرَطَ الواقفُ غيرَ ذلكَ، ويَبطلُ شَرطُه؛ لأنه يُؤدِّي إلى بُطلانِ أصلِ الوَقفِ، فيُبدأُ بمَرَمَّةِ الوَقفِ وإصلاحِه لِبَقاءِ عَينِه ودَوامِ مَنفعتِه (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: تُقدَّمُ عِمارةُ المَوقوفِ على حقِّ المَوقوفِ عليهم؛ لِما في ذلكَ مِنْ حِفظِ الوَقفِ (٣).

الجِهةُ التي يُنفَقُ منها على المَوقوفِ وعِمارتِه:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الجِهةِ التي يُنفَقُ منها على إعمارِ الوَقفِ، هل هِي غلَّةُ الوَقفِ؟ أم يُتَّبعُ في ذلكَ شَرطُ الواقفِ؟ أم تَكونُ على المَوقوفِ عليهم؟

فالعُلماءُ فَرَّقوا بينَ أنْ يَكونَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ أو على غَيرِ مُعَيَّنٍ …

الحالَةُ الأُولى: الوَقفُ على مُعَيَّنٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ إذا كانَ على مُعيَّنٍ، كمَن أوقَفَ على رَجلٍ

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢١).
(٢) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٤٧٨)، و «شرح الخرشي» (٧/ ٩٣، ٩٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٦).
(٣) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٠)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٧٦)، و «حواشي الشرواني على تحفة المحتاج» (٧/ ٥٣٥).

مُعيَّنٍ، هل تَكونُ النَّفقةُ على إعمارِ الوَقفِ وإصلاحِ ما وَهَى مِنْ بِنائِه وسائِرِ مُؤناتِه التي لا بُدَّ منها مِنْ مالِه؟ أم مِنْ غَلَّةِ الوَقفِ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى إنَّ نَفقةَ الوَقفِ تَكونُ مِنْ مالِ المَوقوفِ عليه المُعَيَّنِ.

قالَ الحَنفيةُ: لو كانَ الوَقفُ على رَجلٍ بعَينِه، كمَن وقَفَ دارَه على سُكْنى ولَدِه، فالعِمارَةُ على مَنْ له السُّكنى، ولا يُجبَرُ عليها؛ لأنَّ المَنفعةَ له، فكانَتِ المُؤنةُ عليه؛ لقَولِه : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، كالعَبدِ المُوصَى بخِدمتِه إنَّ نَفقتَه على المُوصى له بالخِدمةِ، كذا هذا، ولا يُؤخَذُ مِنْ الغلَّةِ؛ لأنه مُعيَّنٌ يُمكِنُ مُطالَبتُه، وإنَّما يَستحِقُّ العِمارةَ عليه بقَدرِ ما يَبقَى المَوقوفُ على الصِّفةِ التي وقَفَه فيها، وإنْ خَرِبَ يُبنَى على ذلكَ الوَصفِ؛ لأنها بصِفتِها صارَتْ غلَّتُها مَصروفةً إلى المَوقوفِ عليه، فأمَّا الزِّيادةُ على ذلكَ فليسَتْ بمُستحَقَّةٍ عليه، والغلَّةُ مُستحَقَّةٌ له، فلا يَجوزُ صَرفُها إلى شيءٍ آخَرَ إلا برِضاهُ.

فإنِ امتَنعَ مِنْ العِمارةِ أو لم يَقدرْ عليها بأنْ كانَ فَقيرًا آجَرَها القاضي وعمَّرَها بالأُجرةِ؛ لأنَّ استِبقاءَ الوَقفِ واجِبٌ ولا يَبقى إلَّا بالعِمارةِ، فإذا امتَنعَ عن ذلكَ أو عجَزَ عنه نابَ القاضي مَنابَهُ في استِبقائِه بالإجارةِ، كالعَبدِ والدَّابةِ إذا امتَنعَ صاحِبُها عن الإنفاقِ عليها أنفَقَ القاضي عليها بالإجارةِ، كذا هذا.

ولا تَصحُّ إجارَةُ مَنْ له السُّكنى، بل المُتَوَلِّي أو القاضي.

وإذا عَمَّرَها رَدَّها إلى مَنْ له السُّكنى؛ لأنَّ في ذلكَ رِعايةَ الحَقَّينِ: حقِّ الواقفِ وحَقِّ صاحبِ السُّكنى، ولأنه إذا آجَرَها وعمَّرَها بأُجرَتِها يَفوتُ حقُّ صاحِبِ السُّكنى في وَقتٍ دونَ وَقتٍ، وإنْ لم يُعَمِّرْها تَفوتُ السُّكنى أصلًا، فكانَ الأولُ أَوْلى، ولا يُجبَرُ المُمتنعُ على العِمارةِ؛ لِما فيه مِنْ إتلافِ مالِه، فأشبَهَ امتِناعَ صاحِبِ البَذْرِ في المُزارَعةِ، ولا يَكونُ امتِناعُه رِضًا منه ببُطلانِ حقِّهِ.

وإذا ماتَ أنفَقَ مِنْ الغلَّةِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ نَفقةَ إعمارِ الوَقفِ تَكونُ مِنْ الغلَّةِ، سَواءٌ كانَ على مُعيَّنٍ أو غيرِ مُعيَّنٍ، وإنِ اشتَرطَ الواقفُ إصلاحَ على مُستحِقِّه لم يَصِحَّ، قالوا: إذا اشتَرَطَ الواقفُ إصلاحَ الوَقفِ على مُستحِقِّه كمَن حَبسَ دارًا على رَجلٍ ووَلدِه ووَلدِ وَلدِه واشتَرطَ على الذي حَبسَ عليه إصلاحَ ما يَرثُّ منها مِنْ مالِه لم يَصحَّ الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا كِراءٌ مَجهولٌ؛ إذْ لا يَدري بكمْ يَكونُ الإصلاحُ، والوَقفُ صَحيحٌ؛ لأنَّ البُطلانَ مُنصبٌّ على الشَّرطِ لا على الوَقفِ، ولأنه قد فاتَ في سَبيلِ اللهِ، وتَكونُ مَرَمَّتُها وإصلاحُها مِنْ غَلةِ الوَقفِ.

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢١)، و «الهداية شرح البداية» (٣/ ١٧)، و «العناية» (٨/ ٤٤٤، ٤٤٦)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠٨، ١٠٩)، و «اللباب» (١/ ٦٢٣، ٦٢٤).

ومَن وقَفَ أرضًا مثلًا عليها تَوظيفٌ واشتَرطَ أنْ يُؤخذَ ذلكَ التَّوظيفُ مِنْ المُحبَّسِ عليه لا مِنْ غلَّتِه فإنَّ الشَّرطَ يَكونُ باطِلًا والوَقفُ صَحيحًا، وأمَّا لو شرَطَ أنَّ مَرمَّتَها مِنْ غلَّتِها وأنَّ ما عليها مِنْ التَّوظيفِ مِنْ غلَّتِها فإنَّ ذلكَ جائِزٌ، وهو المَشهورُ.

وقيلَ: لا يَجوزُ.

ولو اشتَرطَ أنه يَصرفُه ممَّا يَتحصَّلُ مِنْ الغلَّةِ فالظَّاهِرُ أنه لا خِلافَ في الجَوازِ.

وإذا شرَطَ الواقفُ عدَمَ البِدايةِ بإصلاحِ ما انثَلمَ مِنْ الوَقفِ أو يُتركُ الإنفاقُ عليه إنْ كانَ حَيوانًا وإنَّما يُبدأُ مِنْ غلَّتِه بمَنافعِ أهلِه فلا يَجوزُ اتِّباعُ شَرطِ الواقفِ؛ لأنه يُؤدِّي إلى بُطلانِ الوَقفِ مِنْ أصلِه، فيَصحُّ الوَقفُ ويَبطلُ الشَّرطُ، وكذلكَ كلُّ ما أدَّى مِنْ الشُّروطِ إلى ذلكَ فإنه لا يُوفَّى به، بل يُبدأُ بمَرمَّةِ الوَقفِ وإصلاحِه والنَّفقةِ عليه؛ لأنَّ في ذلكَ البَقاءَ لعَينِه والدَّوامَ لمَنفعتِهِ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ نَفقةَ الوَقفِ على جِهةٍ خاصَّةٍ يُتَّبعُ فيها شَرطُ الواقفِ على تَفصيلٍ عندَهُم.

قالَ الشافِعيةُ: نَفقةُ الوُقوفِ ومُؤَنُ تَجهيزِه وعِمارتِه مِنْ حيثُ شرَطَها الواقفُ مِنْ مالِهِ أو مِنْ مالِ الوَقفِ، وإلا فمِن مَنافِعِ المَوقوفِ ككَسبِ العَبدِ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٦).

وغلَّةِ العَقارِ، فإذا تَعطَّلتْ مَنافعُه فالنَّفقةُ ومُؤَنُ التَّجهيزِ في بَيتِ المالِ، أمَّا العِمارَةُ فلا تَجبُ في بَيتِ المالِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: يُتَّبعُ في عِمارةِ الوَقفِ شَرطُ الواقفِ، فإنْ عيَّنَ الواقفُ الإنفاقَ عليه مِنْ غلَّتِه أو مِنْ غَيرِها عُمِلَ به؛ رُجوعًا إلى شَرطِه؛ لأنه لمَّا اتُّبعَ شَرطُه في مَصرِفِه وجَبَ اتِّباعُه في نَفقتِه.

وإنْ لم يُعيِّنْه وكانَ المَوقوفُ على مُعيَّنٍ أو مُعيَّنينَ وكانَ المَوقوفُ ذا روحٍ كالرَّقيقِ والخَيلِ فإنه يُنفَقُ عليه مِنْ غلَّتِه؛ لأنَّ الوَقفَ يَقتضي تَحبيسَ الأصلِ وتَسبيلَ مَنفعتِه، ولا يَحصلُ ذلكَ إلَّا بالإنفاقِ عليه، فكانَ ذلكَ مِنْ ضَرورتِه.

فإنْ لم يَكنْ له غَلَّةٌ لضَعفٍ به ونَحوِه فنَفقتُه على المَوقوفِ عليه المُعيَّنِ؛ لأنه مِلكُه، ويُحتملُ وُجوبُها في بَيتِ المالِ.

فإنْ تَعذَّرَ الإنفاقُ مِنْ المَوقوفِ عليه لعَجزِه أو غَيبتِه ونَحوِهما بِيعَ الوَقفُ وصُرِفَ ثَمنُه في عَينٍ أُخرى تَكونُ وَقفًا لأجلِ حُلولِ الضَّرورةِ إنْ لم تُمكِنْ إجارتُه، فإنْ أمكنَتْ أُجِّرَ بقَدرِ نَفقتِه لاندِفاعِ الضَّرورةِ المُقتضيةِ البَيعَ بها.

فإنْ عَدِمَ الغلَّةَ لكونِه ليس مِنْ شأنِه أنْ يُؤجَّرَ كالعَبدِ المَوقوفِ عليه ليَخدمَه والفَرسِ يَغزُو عليه أو يَركبُه أُوجِرَ بقَدرِ نَفقتِه؛ دَفعًا للضَّرورةِ، وكذا

(١) «الإقناع» (٢/ ٣٦٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٤)، و «حواشي الشرواني على تحفة المحتاج» (٧/ ٥٤٥)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٣٤٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الشرائط التي ترجع إلى الموقوف

ثُمَّ التَّسْلِيمُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ قَيِّمًا وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بِإِذْنِهِ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمة الله عليه فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَصَلَّى وَاحِدٌ كَانَ تَسْلِيمًا، وَيَزُولُ مِلْكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَشْرُطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ شَيْئًا، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ شَرْطٌ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذَا إخْرَاجُ الْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعْلُهُ خَالِصًا لَهُ، وَشَرْطُ الِانْتِفَاعِ لِنَفْسِهِ يَمْنَعُ الْإِخْلَاصَ فَيَمْنَعُ جَوَازَ الْوَقْفِ، كَمَا إذَا جَعَلَ أَرْضَهُ أَوْ دَارِهِ مَسْجِدًا وَشَرَطَ مِنْ مَنَافِعِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ خِدْمَتَهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ وَقَفَ وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَكَانَ يَلِي أَمْرَ وَقْفِهِ بِنَفْسِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ بَيْعَ الْوَقْفِ وَصَرْفَ ثَمَنِهِ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ شَرْطٌ لَا يُنَافِيهِ الْوَقْفُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ بَابُ الْمَسْجِدِ إذَا خَلِقَ، وَشَجَرُ الْوَقْفِ إذَا يَبِسَ (وَمِنْهَا) أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهُ بِجِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 441 - 445

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر