الحالة الثالثة: أن يكون معلوم الابتداء مجهول الانتهاء (متصل الأول منقطع الآخر)

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الحالة الثالثة: أن يكون معلوم الابتداء مجهول الانتهاء (متصل الأول منقطع الآخر)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 25 دقيقة قراءة

الحالة الثالثة: أن يكون معلوم الابتداء مجهول الانتهاء (متصل الأول منقطع الآخر) - الأقوال والأدلة

الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ يَكونَ مَعلومَ الابتِداءِ مَجهولَ الانتِهاءِ (مُتَّصِلَ الأولِ مُنقطِعَ الآخِرِ):

اختَلفَ الفُقَهاءُ فيما لو كانَ الوَقفُ مَعلومَ الابتداءِ مَجهولَ الانتِهاءِ، مثلَ أنْ يَقولَ: «وَقَفتُ هذا على أولادي» ويَسكتَ وله أولادٌ، أو: «على أولادي وأولادِ أولادي ما تَناسَلوا وتَعاقَبوا»، أو على رَجلٍ بعَينِه ثم على عَقبِه، أو: على أولادي ثمَّ على مَعصيةٍ أو على ما لا يَدومُ، ولم يَزدْ على هذا ولمْ يَصرِفْه بعد انقِراضِهم على سَبيلٍ لا يَنقطعُ، هل يَصحُّ هذا الوَقفُ أم لا؟

فذهَبَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ إلى أنَّ الوَقفَ باطِلٌ؛ لأنَّ مُقتَضى الوَقفِ التَّأبيدُ وأنْ يَتصلَ الثَّوابُ على الدَّوامِ، وهذا لا يُوجَدُ في هذا الوَقفِ؛ لأنه قد يَموتُ الرَّجلُ ويَنقطعُ عَقبُه، فلم يَصحَّ الوَقفُ كما لو كانَ مَجهولَ الابتِداءِ والانتهاءِ، ويَكونُ الوَقفُ باقِيًا على مِلكِ الواقفِ (١).

قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: لا يَتمُّ الوَقفُ حتى يُجعلَ آخِرُه لجِهةٍ لا تَنقطعُ أبدًا كالمَساكينِ ومَصالحِ الحَرمِ والمَساجدِ، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَسجدٍ مُعيَّنٍ ولم يَجعلْ آخِرَه لجِهةٍ لا تَنقطعُ، فلا يَصحُّ؛ لاحتِمالِ أنْ

(١) «المهذب» (١/ ٤٤١)، و «البيان» (٨/ ٦٨، ٦٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٥٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٤، ٤٦٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٨)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٥٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٥)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٢، ٥٢٣).

يَخربَ المَوقوفُ عليه؛ لأنَّ مَقصودَ الوَقفِ التَّأبيدُ كالعِتقِ، وهذا كقَولِه: «جَعلْتُ أَرضي هذه صَدقةً مَوقوفةً على أولادِ فُلانٍ ما تَناسَلوا فإذا انقَرَضوا كانَتْ غَلتُها للمَساكينِ»؛ لأنَّ أثَرَ المَساكينِ لا يَنقطعُ أبَدًا، وإذا لم يَقُلْ ذلكَ لم يَصحَّ؛ لأنَّ شرْطَ جَوازِه عندهُما أنْ يَكونَ مُؤبَّدًا، فإذا عيَّنَ جِهةً تَنقطعُ صارَ مُؤقَّتًا مَعنًى فلا يَجوزُ؛ لأنَّ حُكمَ الوَقفِ زَوالُ المِلكِ بغَيرِ التَّمليكِ، وإنه بالتَّأبيدِ كالعِتقِ، ولهذا كانَ التَّوقيتُ مُبطِلًا له كالتَّوقيتِ في البَيعِ (١).

وذهَبَ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الوَقفَ صَحيحٌ.

قالَ أبو يُوسفَ: إذا سَمَّى جِهةً تَنقطعُ جازَ وصارَ بعدَها للفُقراءِ، وإنْ لم يُسمِّهمْ صارَ وَقفًا مُؤبَّدًا وإنْ لم يَذكُرِ التأبيدَ؛ لأنَّ لفْظَ الوَقفِ والصدقةِ مُنبئٌ عنه، فيُصرفُ إلى الجِهةِ التي سَمَّاها مدَّةَ دَوامِها، ويُصرفُ بعدَها للفُقراءِ وإنْ لم يُسمِّهم.

وذلكَ مِثلَ أنْ يَقولَ: «جَعلتُها صَدقةً مَوقوفةً للهِ تعالى أبدًا على وَلدِ فُلانٍ ووَلدِ وَلدِه» ولم يَذكُرِ الفُقراءَ ولا المَساكينَ؛ وذلكَ لأنه إذا جعَلَها للهِ فقد أبَّدَها؛ لأنَّ ما يَكونُ للهِ فهو يَنصرفُ إلى المَساكينِ، فصارَ كما لو ذكَرَهُم.

(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٣)، و «العناية شرح الهداية» (٨/ ٣٣١، ٣٣٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠١)، و «اللباب» (١/ ٦٢١)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٤، ٢١٢)، و «ابن عابدين» (٤/ ١٤١).

لأنَّ المَقصودَ منه هو التَّقربُ إلى اللهِ تعالى به، وذلكَ يَحصلُ بجِهةٍ تَنقطعُ كما يَحصلُ بجِهةٍ لا تَنقطعُ، ثم يَصيرُ بعدَها للفُقراءِ (١).

وقالَ هِلالُ الرَّأْيِ رحمة الله عليه: وقد قالَ ناسٌ مِنْ الفُقهاءِ: لا يَجوزُ الوَقفُ وإنْ قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» حتى يَجعلَ آخِرَها للمَساكينِ.

ومِن حُجَّتِنا على مَنْ قالَ بهذا القَولِ السَّهمُ الذي جعَلَه عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه مِنْ وَقفِه لذَوي القُربى، ولم يَجعلْ آخِرَها للمَساكينِ.

ويَنبغي في قَولِ مَنْ خالَفَنا في ذلكَ أنْ يُبطِلَ السَّهمَ الذي جعَلَه عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه مِنْ وَقفِهِ لذَوي القُربى؛ لأنَّ آخِرَه ليس للمَساكينِ، وهذا جائِزٌ وهو جارٍ على ما أمَرَ به عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه، وقد بلَغَنا أنَّ الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ رضي الله عنه تصدَّقَ بدُورِهِ فقالَ: «هِي على المَردودةِ مِنْ بَناتي» (٢)، ولم يَبلغْنا أنه جعَلَ آخِرَها للمَساكينِ، فيَنبغي لمَن قالَ: «لا يَجوزُ الوَقفُ حتى يَكونَ آخِرُه للمَساكينِ» ألا يَجوزَ عندَه وَقفُ الزُّبيرِ رضي الله عنه، وليس هو بشَيءٍ، وهذا كلُّه جائِزٌ إذا قالَ: صَدقةٌ مَوقوفةٌ (٣).

(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٣)، و «العناية شرح الهداية» (٨/ ٣٣١، ٣٣٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠١)، و «اللباب» (١/ ٦٢١)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٤، ٢١٢)، و «ابن عابدين» (٤/ ١٤١).
(٢) صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في مصنفه» (٢٠٩٣٣)، و «البيهقي» (٦/ ١٦٦) قالَ ابنُ أبي شَيبةَ: حدَّثَنا حَفصٌ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه: «أنَّ الزُّبيرَ وقَفَ دارًا له على المَردودةِ مِنْ بَناتِه».
(٣) «أحكام الوقف» ص (٢٦).

وقالَ المالِكيةُ: الوَقفُ يَتنوَّعُ إلى خَمسةِ أنواعٍ: مُنقطِع الأولِ، مُنقطِع الآخِرِ، مُنقطِع الطَّرَفينِ، مُنقطِع الوسَطِ، مُنقطِع الطَّرَفينِ والوَسطِ.

فالأولُ: كالوَقفِ على نَفسِه أو على مَعصيةٍ أو على مَيتٍ لا يَنتفعُ ثم على الفُقراءِ.

والثاني: كالوَقفِ على أولادِه ثُمَّ على مَعصيةٍ.

والثالثُ: كالوَقفِ على نَفسِه ثم على أولادِه ثمَّ على مَيتٍ لا يَنتفعُ.

والرَّابعُ: كالوَقفِ على أولادِهم ثمَّ على مَعصيةٍ ثمَّ على الفُقراءِ.

والخامِسُ: كالوَقفِ على نَفسِه ثم على أولادِه ثمَّ على المُحارِبينَ في جِهةٍ مُعيَّنةٍ ثم على مَدرسةٍ مُعيَّنةٍ ثم على الكَنيسةِ.

قالَ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: والظاهِرُ مِنْ مَذهبِنا أنه يَبطلُ فيما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه، ويَصحُّ إذا أمكَنَ الوُصولُ إليه ولا يَضرُّ الانقِطاعُ؛ لأنَّ

الوَقفَ نَوعٌ مِنْ التَّمليكِ في المَنافعِ أو الأعيانِ، فجازَ أنْ يَعُمَّ أو يَخُصَّ كالعَواري والهِباتِ والوَصايا (١).

وقالَ الدُّسوقِيُّ رحمة الله عليه: مَذهبُنا أنَّ الوَقفَ إذا كانَ فيهِ انقِطاعٌ في أولِه أو آخِرِه أو وَسطِه يَبطلُ فيما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه ويَصحُّ فيما يَصحُّ الوَقفُ عليه إنْ حصَلَ منه حَوزٌ قبلَ حُصولِ المانِعِ للوَقفِ، ولا يَضرُّ الانقِطاعُ؛ لأنَّ الوَقفَ نَوعٌ مِنْ التَّمليكِ في المَنافعِ فجازَ أنْ يُعمِّمَ فيه أو يَخُصَّ كالعَواري والهِباتِ والوَصايا (٢).

وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: لو قالَ: «وَقَفتُ على أولادي، أو على زَيدٍ ثم نَسلِه» ونَحوِه ممَّا لا يَدومُ ولم يَزِدْ على ذلكَ مَنْ يُصرَفُ إليهِ بعدَهم فالأظهَرُ صِحةُ الوَقفِ؛ لأنَّ مَقصودَ الوَقفِ القُربةُ والدَّوامُ، وإذا بيَّنَ مَصرفَه ابتِداءً سَهلَ إدامَتهُ على سَبيلِ الخيرِ، ويُسمَّى مُنقطعَ الآخِرِ، ويُصرَفُ الوَقفُ على المَوقوفِ عليهم ما داموا.

فإذا انقَرَضوا -ومِثلُه الجَهلُ بأربابِ الوَقفِ- ففيهِ ثلاثةُ أقوالٍ:

أحَدُها: يُصرَفُ إلى المَساكينِ؛ لأنهم هم الذينَ يَؤولُ إليهِم الوَقفُ الصَّحيحُ في الانتِهاءِ.

والثَّاني: أنه يَرجعُ مِلكًا إلى الواقفِ إنْ كانَ باقيًا، أو إلى وارِثِه إنْ كانَ مَيتًا؛ لأنه جعَلَه وَقفًا على ما سمَّاه، فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ وَقفًا على غيرِه، فرجَعَ إلى الواقفِ.

والثالثُ -وهو الصَّحيحُ في المَذهبِ-: أنه يُنقلُ إلى أقرَبِ الناسِ بالواقفِ؛ لأنَّ مِلكَه قد زالَ عنه على وَجهِ القُربةِ، فلم يَعُدْ إليه، كما لو أعتَقَ عَبدًا، وإذا لم يَعُدْ مِلكُه إليهِ كانَ أقارِبُه بعدَ مَنْ سَمَّاه أَولَى؛ لأنه قصَدَ جِهةَ الثَّوابِ، وأَولَى جِهاتِ الثَّوابِ أقارِبُه؛ لقَولِه :

(١) «الذخيرة» (٦/ ٣٣٩)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٢)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٤)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٥٩).
(٢) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٤٦٣).

«صَدَقتُكَ على المَساكينِ صَدقةٌ، وعلى ذي رَحمٍ اثنَتانِ: صَدقةٌ وصِلةٌ» (١).

ويَختصُّ المَصرفُ وُجوبًا بفُقراءِ قَرابةِ الرَّحمِ لا الإرثِ في الأصَحِّ، فيُقدَّمُ ابنُ بنتٍ على ابنِ عَمٍّ.

وإنْ كانَ هُناكَ قَرابةٌ له ذُكورٌ ونِساءٌ سوَّى بينَهُم فيُقدَّمُ الأقربُ فالأقربُ، فأقربُهُم الأولادُ، ثم أولادُهم وإنْ سَفَلوا، فإنْ لم يَكنْ أحَدٌ مِنهم فالأبَوانِ، فإنِ اجتَمَعا استَوَيا، فإنِ اجتَمعَ له جَدٌّ وأخٌ لأبٍ ففيهِ قَولانِ:

أحدُهُما: أنهما سَواءٌ، كما قُلنا في الميراثِ.

والثاني: أنَّ الأخَ أَولَى؛ لأنَّ تَعصيبَه تَعصيبُ الأولادِ.

وهل يَختصُّ به فُقراؤُهم؟ أو يَشتركُ به الأغنياءُ والفُقراءُ؟ فيهِ قَولانِ:

أحَدُهما: يَشتركُ فيهِ الأغنياءُ والفُقراءُ؛ لأنَّ اسمَ القَرابةِ يَجمعُهم.

والثَّاني: يَختصُّ به الفُقراءُ؛ لأنَّ القَصدَ منه القُربةُ، والقُربةُ في الفُقراءِ أكثَرُ ثَوابًا مِنْ الغَنيِّ.

فإنْ قيلَ: الزَّكاةُ وسائِرُ المَصارفِ الواجِبةِ عليه شَرعًا لا يَتعيَّنُ صَرفُها ولا الصَّرفُ منها إلى الأقارِبِ، فهلَّا كانَ الوَقفُ كذلكَ؟

أُجيبَ بأنَّ الأقارِبَ ممَّا حَثَّ الشارعُ عليهم في تَحبيسِ الوَقفِ؛ لقَولِه لأبي طَلحةَ: «أرَى أنْ تَجعلَها في الأقرَبينَ» فجعَلَها في أقارِبِه وبَني عَمِّه.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٢٥٨٢)، وابن ماجه (١٨٤٤)، و «الإمام أحمد» (١٦٢٧٩).

وأيضًا الزَّكاةُ ونحوُها مِنْ المَصارفِ الواجِبةِ لها مَصرِفٌ مُتعيِّنٌ فلم تَتعيَّنِ الأقارِبُ، وهُنا ليس مَعَنا مَصرفٌ مُتعيِّنٌ، والصَّرفُ إلى الأقارِبِ أفضَلُ، فعَيَّنَّاه.

فعلى هذا فإنْ لم يَكنْ له أقارِبُ صرَفَ الإمامُ الريعَ إلى مَصالحِ المُسلمينَ، يَضعُ غَلتُه في مَصالِحِهم.

وقيلَ: يُصرَفُ إلى الفُقراءِ والمَساكينِ.

وهذا إذا كانَ الواقفُ مالِكًا مُستقِلًّا، فإنْ وقَفَ الإمامُ مِنْ بَيتِ المالِ على بَني فُلانٍ ثم انقَرَضوا، قالَ الزَّركشيُّ: لم يُصرَفْ إلى أقارِبِ الإمامِ، بل في المَصالحِ.

وقد وقَعَ في «الفَتاوَى»: ولو لم يعرفْ أربابُ الوَقفِ فمَصرفُه كما في مُنقطِعِ الآخِرِ (١).

وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ غيرَ مَعلومِ الانتهاءِ مثلَ أنْ يَقفَ على قَومٍ يَجوزُ انقِراضُهم بحُكمِ العادةِ ولمْ يَجعلْ آخِرَه للمَساكينِ ولا لجِهةٍ غيرِ مُنقطِعةٍ فإنَّ الوَقفَ يَصحُّ، وبه قالَ مالِكٌ وأبو يُوسفَ والشافعيُّ في أحَدِ قَوليهِ.

(١) «المهذب» (١/ ٤٤١)، و «البيان» (٨/ ٦٩، ٧٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٥، ١٤٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٤، ٤٦٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٨، ٤٢٩)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٥٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٣، ٤٨٤)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٢، ٢٢٣).

وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: لا يَصحُّ، وهو القَولُ الثَّاني للشافعيِّ؛ لأنَّ الوَقفَ مُقتَضاهُ التَّأبيدُ، فإذا كانَ مُنقطِعًا صارَ وَقفًا على مَجهولٍ، فلم يَصحَّ كما لو وقَفَ على مَجهولٍ في الابتِداءِ.

ولنا: أنه تَصرُّفٌ مَعلومُ المَصرِفِ، فصَحَّ كما لو صَحَّ بمَصرِفِه المُتصِلِ، ولأنَّ الإطلاقَ إذا كانَ له عُرفٌ حُمِلَ عليه، كنَقدٍ البَلدِ وعُرفِ المَصرفِ، وهاهُنا هم أَولَى الجِهاتِ به، فكأنه عيَّنَهم.

إذا ثبَتَ هذا فإنه يَنصرفُ عندَ انقِراضُ المَوقوفِ عليهم إلى أقارِبِ الواقفِ، وبه قالَ الشَّافعيُّ.

وعن أحمَدَ رِوايةٌ أخرى: أنه يَنصرفُ إلى المَساكينِ، واختارَهُ القاضي والشَّريفُ أبو جَعفرٍ؛ لأنه مَصرفُ الصَّدقاتِ وحُقوقِ اللهِ تعالى مِنْ الكفَّاراتِ ونَحوِها، فإذا وُجدَتْ صَدقةٌ غيرُ مُعيَّنةِ المَصرِفِ انصَرفَتْ إليهم، كما لو نذَرَ صَدقةً مُطلَقةً.

وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنه يُجعلُ في بَيتِ مالِ المُسلمينَ؛ لأنه مالٌ لا مُستحِقَّ له، فأشبَهَ مالَ مَنْ لا وارِثَ له.

وقالَ أبو يُوسفَ: يَرجعُ إلى الواقفِ وإلى وَرثتِه، إلَّا أنْ يَقولَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ يُنفَقُ منها على فُلانٍ وعلى فُلانٍ»، فإذا انقَرضَ المُسمَّى كانَتْ للفُقراءِ والمَساكينِ؛ لأنه جعَلَها صَدقةً على مُسمًّى فلا تَكونُ على غَيرِه، ويُفارِقُ ما إذا قالَ: «يُنفَقُ على فُلانٍ وفُلانٍ»؛ فإنه جعَلَ الصَّدقةَ مُطلَقةً.

ولنا: أنه أزالَ مِلكَه للهِ تعالى، فلم يَجُزْ أنْ يَرجعَ إليه كما لو أعتَقَ عَبدًا، والدَّليلُ على صَرفِه إلى أقارِبِ الواقفِ أنهم أَولَى الناسِ بصَدقتِه، بدَليلِ قَولِ النبيِّ : «صَدَقتُكَ على غيرِ رَحمِكَ صَدقةٌ، وصَدَقتُكَ على رَحمِكَ صَدقةٌ وصِلةٌ»، وقالَ : «إنَّكَ إنْ تَدعْ وَرثتَكَ أغنياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَدعَهُم عالَةً يَتكفَّفونَ الناسَ»، ولأنَّ فيه إغناءَهُم وصِلةَ أرحامِهم؛ لأنهم أَولَى الناسِ بصَدقاتِه النَّوافلِ والمَفروضاتِ، كذلكَ صَدَقتُه المَنقولةُ.

إذا ثبَتَ هذا فإنهُ في ظاهِرِ كَلامِ الخِرقيِّ وظاهرِ كَلامِ أحمدَ يَكونُ للفُقراءِ مِنهم والأغنياءِ؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَختصُّ الفُقراءَ، ولو وقَفَ على أولادِه تَناوَلَ الفُقراءَ والأغنياءَ، كذا هاهُنا.

وفيهِ وَجهٌ آخَرُ: أنه يَختصُّ الفُقراءَ منهم؛ لأنهم أهلُ الصَّدقاتِ دونَ الأغنياءِ، ولأنَّا خصَّصَناهُم بالوَقفِ؛ لكَونِهم أَولَى الناسِ بالصَّدقةِ، وأَولَى الناسِ بالصَّدقةِ الفُقراءُ دونَ الأغنِياءِ.

واختَلفَتِ الرِّوايةُ فيمَن يَستحِقُّ الوَقفَ مِنْ أقرِباءِ الواقفِ:

ففي إحدَى الرِّوايتَينِ: يَرجعُ إلى الوَرثةِ مِنهم؛ لأنهمُ الذينَ صرَفَ اللهُ تعالى إليهم مالَه بعدَ مَوتِه واستِغنائِه عنه، فكذلكَ يُصرفُ إليهِم مِنْ صَدَقتِه ما لم يَذكرْ له مَصرِفًا، ولأنَّ النبيَّ قالَ: «إنَّكَ إنْ تَدعْ وَرثتَكَ أغنياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَدعَهُم عالَةً يَتكفَّفونَ الناسَ»، فعَلى هذا يَكونُ بينَهُم على حَسبِ مِيراثِهم، ويَكونُ وَقفًا عليهم، نَصَّ عليه أحمدُ وذكَرَه القاضي؛ لأنَّ

الوَقفَ يَقتضِي التَّأبيدَ، وإنَّما صَرَفناهُ إلى هؤلاءِ لأنهُم أحَقُّ الناسِ بصَدقتِه، فصُرِفَ إليهِم مع بَقائِه صَدقةً، ويَحتمِلُ كلامُ الخِرقيِّ أنْ يُصرَفَ إليهِم على سَبيلِ الإرثِ ويَبطلَ الوَقفُ فيه، فعلى هذا يَكونُ كقَولِ أبي يُوسفَ.

(والرِّوايةُ الثانِيةُ): يَكونُ وَقفًا على أقرَبِ عَصَبةِ الواقفِ دونَ بَقيةِ الوَرثةِ مِنْ أصحابِ الفُروضِ، ودونَ البَعيدِ مِنْ العَصَباتِ، فيُقدَّمُ الأقرَبُ فالأقربُ على حَسبِ استِحقاقِهم لوَلاءِ المَوالي؛ لانهُم خُصُّوا بالعَقلِ عنه وبمِيراثِ مَواليه، فخُصُّوا بهذا أيضًا.

وهذا لا يَقوى عِندي؛ فإنَّ استِحقاقَهُم لهذا دونَ غَيرِهم مِنْ الناسِ لا يَكونُ إلا بدَليلٍ مِنْ نَصِّ أو إجماعٍ أو قِياسٍ، ولا نَعلمُ فيهِ نصًّا ولا إجماعًا، ولا يَصحُّ قِياسُه على مِيراثِ وَلاءِ المَوالي؛ لأنَّ عِلَّتَه لا تَتحقَّقُ هاهُنا، وأقرَبُ الأقوالِ فيهِ صَرفُه إلى المَساكينِ؛ لأنهم مَصارِفُ مالِ اللهِ تعالى وحُقوقِه، فإنْ كانَ في أقاربِ الواقفِ مَساكينُ كانوا أَولى به لا على سَبيلِ الوُجوبِ، كما أنهُم أَولى بزَكاتِه وصِلاتِه مع جَوازِ الصَّرفِ إلى غَيرهِم، ولأنَّنا إذا صَرَفناهُ إلى أقارِبِه على سَبيلِ التَّعيينِ فهي أيضًا جِهةٌ مُنقطِعةٌ، فلا يَتحقَّقُ اتِّصالُه إلا بصَرفِه إلى المَساكينِ، وقالَ الشافعيُّ: يَكونُ وَقفًا على أقرَبِ الناسِ إلى الواقفِ، الذَّكرُ والأُنثى فيهِ سَواءٌ.

فَصلٌ: فإنْ لم يَكنْ للواقِفِ أقارِبُ أو كانَ له أقارِبُ فانقَرَضوا صَرَفَه إلى الفُقراءِ والمَساكينِ وَقفًا عليهم؛ لأنَّ القَصدَ به الثَّوابُ الجاري عليه على وَجهِ الدَّوامِ، وإنَّما قَدَّمْنا الأقارِبَ على المَساكينِ لكَونِهم أَولى، فإذا لم يَكونوا

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
باب الكلام الذي ينعقد به النكاح والخطبة قبل العقد من الجامع من كتاب التعريض بالخطبة، ومن ك

بَابُ الْكَلَامِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ وَالْخِطْبَةُ قبل العقد من الجامع من كتاب التعريض بالخطبة، ومن كتاب ما يحرم الجمع بينه

قال الشافعي رحمه الله: " أسمى الله تبارك وتعالى النِّكَاحَ فِي كِتَابِهِ بِاسْمَيْنِ النِّكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ وَدَلَّتِ السنة على أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِمَا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ وَلَمْ نجد في كتابٍ ولا سنةٍ إِحْلَالَ نكاحٍ إِلَّا بنكاحٍ أَوْ تزويجٍ وَالْهِبَةُ لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مجمعٌ أن ينعقد له بها النكاح بِأَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لَهُ بِلَا مهرٍ، وَفِي هذا دلالةٌ على أنه لا يجوز النكاح إلا باسم التزويج أو النكاح " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ النِّكَاحُ لَا ينعقد إلا بصريح اللفظ دون كتابته، وَصَرِيحُهُ لَفْظَانِ: زَوَّجْتُكَ، وَأَنْكَحْتُكَ فَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إلا بهما سواء ذُكِرَ فِيهِ مَهْرًا أَوْ لَمْ يُذْكَرْ.

وَقَالَ أبو حنيفة: ينعقد النكاح بالكتابة كَانْعِقَادِهِ بِالصَّرِيحِ، فَجَوَّزَ انْعِقَادَهُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، والتمليك ولم يجزه بالإحلال والإباحة، واختلف الرواة عَنْهُ فِي جَوَازِهِ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، وَسَوَاءً ذَكَرَ الْمَهْرَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 284 - 293

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر