الحالة الثانية: أن يكون الوقف على غير معينين كالفقراء والمساكين

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الحالة الثانية: أن يكون الوقف على غير معينين كالفقراء والمساكين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يكون الوقف على غير معينين كالفقراء والمساكين - الأقوال والأدلة

لو احتاجَ خانٌ مُسبَّلٌ إلى مَرمَّةٍ أو احتاجَتْ دارٌ مَوقوفة لسُكنى الحاجِّ أو الغُزاةِ أو أبناءِ السَّبيلِ ونَحوِهم إلى مَرمَّةٍ أُوجِرَ منه بقَدرِ ما يُحتاجُ إليهِ في مَرمَّتِه؛ لمَحلِّ الضَّرورةِ (١).

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ الوَقفُ على غَيرِ مُعيَّنينَ كالفُقراءِ والمَساكينِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ إذا كانَ على غيرِ مُعيَّنينَ كالفُقراءِ والمَساكينِ، هل تَكونُ النَّفقةُ على إعمارِ الوَقفِ وإصلاحِ ما وَهَى مِنْ بِنائِه وسائِرِ مُؤناتِه التي لا بُدَّ منها مِنْ غَلَّةِ الوَقفِ؟ أم مِنْ بَيتِ مالِ المُسلمينَ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الجِهةَ التي يُنفَقُ منها على إعمارِ الوَقفِ وإصلاحِ ما وَهَى مِنْ بِنائِه وسائِرِ مُؤناتِه التي لا بُدَّ منها تَكونُ مِنْ غلَّةِ الوَقفِ.

قالَ الحَنفيةُ: سَواءٌ شرَطَ الواقفُ ذلكَ أم لم يَشرطْ؛ لأنَّ الوَقفَ صَدقةٌ جارِيةٌ في سَبيلِ اللهِ تعالى، ولا تَجري إلَّا بهذا الطَّريقِ، هذا إذا كانَ الوَقفُ على جِهةٍ عامَّةٍ كالفُقراءِ؛ لأنَّ الغلَّةَ أقربُ أموالِهم إلى الوَقفِ، فتُصرَفُ في إعمارِهِ؛ لأنَّ الفُقراءَ لا يُظفَرُ بهم ولا يُتصوَّرُ أنْ يُلزَموا؛ لعَدمِ اجتِماعِهم ولعُسرَتِهم، وأقرَبُ أموالِهم هذه الغلَّةُ الكائِنةُ للوقفِ، فتَجبُ العِمارةُ فيها (٢).

(١) «الشرح الكبير» (٦/ ٢١٤)، و «الإنصاف» (٧/ ٧٠، ٧٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤، ٣٢١، ٣٢٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٦٤، ٣٦٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٤١، ٣٤٢).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢١)، و «الهداية شرح البداية» (٣/ ١٧)، و «العناية» (٨/ ٤٤٤، ٤٤٦)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠٨، ١٠٩)، و «اللباب» (١/ ٦٢٣، ٦٢٤).

وقالَ المالِكيةُ: يُنفَقُ على عِمارةِ الوَقفِ مِنْ غلَّةِ الوَقفِ، وإنِ اشتَرطَ الواقفُ إصلاحَ الوَقفِ على مُستحِقِّه لم يَصحَّ، قالوا: إذا اشتَرطَ الواقفُ إصلاحَ الوَقفِ على مُستحِقِّه كمَن حَبسَ دارًا على رَجلٍ ووَلدِه ووَلدِ وَلدِه واشتَرطَ على الذي حَبسَ عليه إصلاحَ ما يَرِثُّ منها مِنْ مالِه لم يَصِحَّ الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا كِراءٌ مَجهولٌ؛ إذْ لا يَدري بكَم يَكونُ الإصلاحُ، والوَقفُ صَحيحٌ؛ لأنَّ البُطلانَ مُنصَبٌّ على الشَّرطِ لا على الوَقفِ، ولأنه قد فاتَ في سَبيلِ اللهِ، وتَكونُ مَرمَّتُها وإصلاحُها مِنْ غَلَّةِ الوَقفِ.

إلا أنهُم قالوا: إذا كانَ المَوقوفُ فَرسًا لغَزوٍ أو رِباطٍ وكانَ ثَمَّ بَيتُ مالٍ يُوصَلُ إليه فإنه يُنفَقُ عليه مِنْ بَيتِ المالِ، ولا يَلزمُ المُحبِّسَ ولا المُحبَّسَ عليهم مِنْ المُجاهِدينَ وأهلِ الرُّبُطِ، فإنْ لم يَكنْ هُناكَ بَيتُ مالٍ فإنه يُباعُ ويُعوَّضُ بثَمنِه سِلاحٌ ونَحوُه ممَّا لا يَحتاجُ إلى نَفقَةٍ، وإنَّما عُوِّضَ به سِلاحٌ لأنه أقرَبُ إلى الخَيلِ في المَنفعةِ مِنْ غيرِه، وهو أيضًا أقرَبُ إلى غَرَضِ الواقفِ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: نَفقةُ الوَقفِ ومُؤَنُ تَجهيزِه وعِمارتِه مِنْ حيثُ شرَطَها الواقفُ مِنْ مالِه أو مِنْ مالِ الوَقفِ، وإلا فمِن مَنافِعِ المَوقوفِ ككَسبِ العَبدِ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٦، ٦٥٧).

وغلَّةِ العَقارِ، فإذا تَعطَّلتْ مَنافعُه فالنَّفقةُ ومُؤَنُ التَّجهيزِ في بَيتِ المالِ، أمَّا العِمارةُ فلا تَجبُ في بَيتِ المالِ (١).

وقالَ الحَنابلة: يُتَّبعُ في عِمارةِ الوَقفِ شَرطُ الواقفِ، فإنْ عيَّنَ الواقفُ الإنفاقَ عليه مِنْ غلَّتِه أو مِنْ غَيرِها عُمِلَ به؛ رُجوعًا إلى شَرطِه؛ لأنه لمَّا اتُّبعَ شَرطُه في مَصرِفِه وجَبَ اتِّباعُه في نَفقتِه.

وإنْ لم يُعيِّنْه وكانَ الوَقفُ على غيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ ونَحوِهم كالفُقهاءِ وكانَ المَوقوفُ ذا روحٍ كالرَّقيقِ والخَيلِ، فنَفقتُه في بَيتِ المالِ؛ لانتِفاءِ المالِكِ المُعيَّنِ فيهِ، فهو كالحُرِّ، فإنْ تَعذَّرَ الإنفاقُ عليه مِنْ بَيتِ المالِ بِيعَ كما تقدَّمَ في المَوقوفِ على مُعيَّنٍ.

وإنْ كانَ الوَقفُ ما لا رُوحَ فيهِ كالعَقارِ ونَحوِه مِنْ سِلاحٍ ومَتاعٍ وكُتبٍ لم تَجبْ عِمارَتُه على أحَدٍ، إلَّا بشَرطِ واقِفِ عِمارتِه كالطَّلقِ.

فإنْ شرَطَ الواقفُ عِمارتَه عُمِلَ به مُطلَقًا، أي: سَواءٌ شرَطَ البَداءةَ بالعِمارَةِ أو تَأخيرَها، فيُعمَلُ بما شرَطَ، لكنْ إنْ شرَطَ تَقديمَ الجِهةِ عُمِلَ به ما لم يُؤَدِّ إلى التَّعطيلِ، فإذا أَدَّى إليه قُدِّمَتِ العِمارةُ؛ حِفظًا لأصلِ الوَقفِ.

وإنْ لم يُحَدِّدِ الواقفُ بأنْ أطلَقَ بأنْ لم يَذكُرِ البَداءةَ بها ولا تَأخُّرَها فإنَّ العِمارةَ تُقدَّمُ على أربابِ الوَظائِفِ، ما لم يُفضِ إلى تَعطيلِ مَصالِحِه،

(١) «الإقناع» (٢/ ٣٦٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٤)، و «حواشي الشرواني على تحفة المحتاج» (٧/ ٥٤٥)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٣٤٨).

فيُجمَعُ بينَ العِمارةِ وأربابِ الوَظائفِ حَسبَ الإمكانِ؛ لئلَّا يَتعطَّلَ الوَقفُ أو مَصالحُه.

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: الجَمعُ بينَهُما حَسبَ الإمكانِ أَولى، بل قد يَجبُ (١).

فقد سُئِلَ رحمة الله عليه عن مَساجدَ وجامِعٍ يَحتاجُ إلى عِمارةٍ وعليها رَواتِبُ مُقرَّرةٌ على القابِضِ والرَّيعُ لا يَقومُ بذلكَ، فهل يَحِلُّ أنْ يُصرَفَ لأحَدٍ قبلَ العِمارةِ الضَّروريَّةِ وإلى مَنْ يَحِلُّ؟ وما يُصنعُ بما يَفضلُ عن الرَّيعِ؟ أيُدَّخرُ أم يَشتري به عقارًا؟

فأجابَ: الحَمدُ للهِ، إذا أمكَنَ الجَمعُ بينَ المَصلَحتينِ، بأنْ يُصرَفَ ما لا بُدَّ مِنْ صَرفِه لضَرورةِ أهلِه وقِيامِ العملِ الواجِبِ بهم وأنْ يُعمَّرَ بالباقي كانَ هذا هو المَشروعَ، وإنْ تَأخَّرَ بَعضُ العِمارةِ قَدرًا لا يَضرُّ تَأخُّرُه فإنَّ العِمارةَ واجِبةٌ والأعمالَ التي لا تَقومُ إلَّا بالرِّزقِ واجِبةٌ وسَدَّ الفاقاتِ واجِبةٌ، فإذا أُقيمَتِ الواجِباتُ كانَ أَولَى مِنْ تَركِ بَعضِها.

وأمَّا مَنْ لا تَقومُ العِمارةُ إلا بهم مِنْ العُمَّالِ والحُسَّابِ فهم مِنْ العِمارةِ، وأمَّا ما فضَلَ مِنْ الرَّيعِ عن المَصارِفِ المَشروطةِ ومَصارفِ المَساجدِ فيُصرَفُ في جِنسِ ذلكَ مثلَ عِمارةِ مَسجدٍ آخَرَ ومَصالِحِها وإلى جِنسِ

(١) «الشرح الكبير» (٦/ ٢١٤)، و «الإنصاف» (٧/ ٧٠، ٧٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٢١، ٣٢٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٦٤، ٣٦٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٤١، ٣٤٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
جواز الوقف وكيفيته

ثُمَّ نَقُولُ: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى انْتَهَى بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ بِالطَّلَبِ بَقِيَ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَغْصُوبُ مَضْمُونُ الرَّدِّ حَالَ قِيَامِهِ وَمَضْمُونُ الْقِيمَةِ حَالَ هَلَاكِهِ، وَعِنْدَنَا إذَا هَلَكَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ضَمِنَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ فَنَعَمْ، لَكِنْ قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَمَعَ الْإِذْنِ أَوْلَى.

وَالْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْقَبْضِ بَلْ بِالْعَقْدِ بِطَرِيقِ التَّعَاطِي، بِشَرْطِ الْخِيَارِ الثَّابِتِ دَلَالَةً لِمَا عُلِمَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ هَرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَّنَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ حُنَيْنًا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ مِنْ السِّلَاحِ فَقَالَ: عَارِيَّةً أَوْ غَصْبًا فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : عَارِيَّةً، فَأَعَارَهُ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الضَّمَانَ، وَالْحَادِثَةُ حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا يَكُونُ الثَّابِتُ إلَّا إحْدَاهُمَا فَتَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ، مَعَ مَا أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ فَيَحْتَمِلُ ضَمَانَ الرَّدِّ، وَبِهِ نَقُولُ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى ضَمَانِ الْغَيْرِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا، مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» .

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ حَالِ الْمُسْتَعَارِ مِنْ الْأَمَانَةِ إلَى الضَّمَانِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 446 - 449

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله