الحالة الثانية: أن يكون الوقف مجهول الابتداء والانتهاء (منقطع الأول والآخر)

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الحالة الثانية: أن يكون الوقف مجهول الابتداء والانتهاء (منقطع الأول والآخر)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يكون الوقف مجهول الابتداء والانتهاء (منقطع الأول والآخر) - الأقوال والأدلة

قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ مِنْ الشافِعيةِ: ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ الابتِداءُ مَعلومًا بالصِّفةِ والانتِهاءُ مَعلومًا بالتَّعيينِ، مثلَ أنْ يَقولَ: «وَقَفتُ هذا على الفُقراءِ والمَساكينِ، ثمَّ على أولادي، أو على بَني تَميمٍ»؛ لأنَّ هذا لا يَفنى؛ لأنَّ الدُّنيا لا تَخلو مِنْ فُقراءَ ومَساكينَ.

قالَ: إلا أنْ يُقدِّرَه بمدَّةٍ، مِثل أنْ يَقولَ: «وَقَفتُه على الفُقراءِ والمَساكينِ سَنةً أو عشرَ سِنينَ، ثمَّ على أولادي ثُمَّ على بَني تَميمٍ» فيَصحُّ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: إنْ قالَ: «هو وَقفٌ على المَساكينِ ثمَّ على وَلدِه» صَحَّ للمَساكينِ دونَ وَلدِه؛ لأنَّ المَساكينَ لا انقِراضَ لهم (٢).

الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَكونَ الوَقفُ مَجهولَ الابتِداءِ والانتِهاءِ (مُنقطِعَ الأوَّلِ والآخِرِ):

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ الوَقفُ مَجهولَ الابتِداءِ والانتِهاءِ، هل يَصحُّ أم لا؟ مِثلَ أنْ يَقولَ: «وَقَفتُ داري على أولادي -ولا أولادَ له- أو على رِجالٍ، أو على عَبدِي، أو على حَملِ هذه المَرأةِ.

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ الوقفُ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ للرَّقبةِ والمَنفعةِ، فلمْ يَصحَّ على مَنْ لا يَملكُ كالعَبدِ، ولا على الذي لم يُخلقْ، إلا تَبعًا؛ لأنه تَمليكٌ إذنْ، والحَملُ لا يَصحُّ تَمليكُه

(١) «البيان» (٨/ ٦٨).
(٢) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٩٤).

بغيرِ الإرثِ والوَصيةِ، كما لا يَصحُّ البَيعُ والإجارةُ مِنْ غيرِ مِلكٍ، ولا على المَجهولِ كرَجلٍ أو رِجالٍ (١).

وأمَّا الحَنفيةُ فلا يَصحُّ الوَقفُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ حتى يَكونَ آخِرُه إلى جِهةٍ لا تَنقطِعُ كالفُقراءِ والمَساكينِ، ولا يَصحُّ أنْ يَكونَ مَقطوعَ الأولِ والآخِرِ اتِّفاقًا، وإنْ كانَ يُفهَمُ مِنْ عِبارةِ بَعضِهم كابنِ نُجيمٍ والحَصكفيِّ وابنِ عابدِينَ الصِّحةُ، قالَ في «الدُّر المُختَار»: صَحَّ الوَقفُ قبلَ وُجودِ المَوقوفِ عليه، فلو وقَفَ على أولاد زَيدٍ ولا ولَدَ له أو على مَكانٍ هيَّأهُ لبِناءِ مَسجدٍ أو مَدرسةٍ صَحَّ في الأصَحِّ، وتُصرَفُ الغَلةُ للفُقراءِ إلى أنْ يُولدَ لزَيدٍ أو يُبنَى المَسجدُ.

قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: (قَولُه: وتُصرَفُ الغَلةُ للفُقراءِ … إلخ) أقولُ: هذا الوَقفُ يُسمَّى مُنقطعَ الأولِ، قالَ في «الخَانِيَّة»: ولو قالَ: «أَرضي صَدقةٌ مَوقوفةٌ على مَنْ يَحدثُ لي مِنْ الوَلدِ» وليس له وَلدٌ يَصحُّ، فإذا أُدركَتِ الغَلةُ تُقسَمُ على الفُقراءِ، وإنْ حدَثَ له وَلدٌ بعدَ القِسمةِ تُصرَفُ الغَلةُ التي تُوجَدُ بعد ذلكَ إلى هذا الوَلدِ؛ لأنَّ قَولَه: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» وَقفٌ على

(١) «المهذب» (١/ ٤٤١)، و «البيان» (٨/ ٦٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٥٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٥، ٤٦٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٩)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٥١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٥)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٣)، و «المغني» (٥/ ٣٦٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٢، ٢٠٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٠١)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٧، ٣٢٨)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٩٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤١)

الفُقراءِ، وذكَرَ الوَلدِ الحادِثِ للاستِثناءِ، كأنه قالَ: «إلا إنْ حدَثَ لي وَلدٌ فغَلتُها له ما بَقيَ». اه

ومِنه ما في «الإسْعَاف»: وقَفَ على وَلدِه وليسَ له إلا وَلدُ ابنٍ، تُصرَفُ الغَلةُ لوَلدِ الابنِ إلى أنْ يَحدثَ للواقِفِ وَلدٌ لصُلبِه فتُصرَفُ إليه. اه (١).

وقالَ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه: لا يُشترطُ لصِحَّةِ الوَقفِ على شيءٍ وُجودُ ذلكَ الشيءِ وَقتَه، فلو وقَفَ على أولادِ زَيدٍ ولا وَلدَ له صَحَّ، وتُصرَفُ الغلَّةُ إلى الفُقراءِ إلى أنْ يُوجَدَ له وَلدٌ.

واختَلَفوا فيما إذا وقَفَ على مَدرسةٍ أو مَسجدٍ وهيَّأَ مَكانًا لبِنائِه قبلَ أنْ يَبنيهُ، والصَّحيحُ الجَوازُ؛ أخذًا مِنْ السَّابقةِ كما في «فَتْح القَديرِ» (٢).

قالَ الحَمويُّ في شَرحِه على «الأشْبَاه»: قَولُه: لا يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ على شيءٍ وُجودُ ذلكَ الشيءِ … إلخ، قالَ بَعضُ الفُضلاءِ: أصلُ المَسألةِ في «العِمادِيَّة» وفيهِ: «وجعَلَ آخِرَه للفُقراءِ» ولا بُدَّ مِنْ هذا القَيدِ؛ لأنه مَدارُ الصِّحةِ حتى لا يَكونَ وَقفًا على مَعدومٍ مَحضٍ، فإنَّ الوَقفَ على المَعدومِ لا يَجوزُ، كما في «شَرْح الحَدَّاديِّ»، ولذلكَ يَجوزُ الوَقفُ لو قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» كما في «فَتاوى قَاضِي خَان» وكَثيرٍ مِنْ الكُتبِ، وذكرَ أنه يَكونُ كما قالَ: «أَرضي صَدقةٌ مَوقوفةٌ على الفُقراءِ إلا إنْ حدَثَ لي وَلدٌ فغَلتُها له ما بَقيَ». انتهى

(١) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٣٠).
(٢) «الأشباه والنظائر» ص (١٩٤).

ففي المَسأَلتينِ لا يَكونُ الوَقفُ على المَعدومِ المَحضِ كما في مَسألةِ الحدَّاديِّ. انتهى (١).

فعَلى ما ذكَرَه الحَمويُّ أنه يُشترطُ لصِحةِ هذا الوَقفِ أنْ يَقولَ: «وَقَفتُ على أولادي -ولا وَلدَ له- ثمَّ يَكونُ آخِرُه للفُقراءِ»؛ لأنَّ الوَقفَ على مَعدومٍ لا يَصحُّ، وهو ما يَتَّضحُ مِنْ كلامِ الحَدَّاديِّ في «الجَوهَرة النَّيِّرَة» حَيثُ قالَ: ولو وقَفَ على مَعدومٍ كالوَقفِ على وَلدِه ولا ولَدَ له لم يَجزْ (٢).

أمَّا المالِكيةُ فعندَهُم ثَلاثةُ أقوالٍ:

الأوَّلُ: هو قَولُ الإمامِ مالكٍ، وعليه مَشَى خَليلٌ: أنه إنْ قالَ: «أوقَفْتُ على وَلَدي» ولا وَلَدَ له حِينَ التَّحبيسِ، أو: «أوقَفْتُ على مَنْ سيُولدُ لي، أو أوْقَفْتُ على وَلدِ فُلانٍ -ولا ولَدَ له» فإنه يَرجعُ مِلكًا للواقِفِ أو لوَرثتِه، فله بَيعُه مِنْ الآن وإنْ لم يَحصلْ له يَأسٌ مِنْ الوَلدِ، لكنْ إنْ غَفلَ حتى حصَلَ عندَه وَلدٌ تَمَّ الوَقفُ.

والثَّاني: لابنِ القاسِمِ: أنَّ الوَقفَ لازمٌ بمُجردِ عَقدِه، ولا يَكونُ مِلكًا إلا إذا حصَلَ له يَأسٌ مِنْ الوَلدِ، فيُوقفُ أمرُ ذلكَ الحَبسِ للإياسِ.

والثَّالثُ: لابنِ الماجشُونِ: أنه يُحكمُ بحَبسِه ويُخرَجُ إلى ثِقةٍ ليَصحَّ الحَوزُ وتُوقَفَ ثَمرتُه، فإنْ وُلدَ له فلهم، وإلَّا فلأقرَبِ الناسِ للمُحبِّسِ.

(١) «غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر» (٢/ ٢٢٥، ٢٢٦).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠١).

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: والحاصِلُ أنه إذا قالَ: «وَقفٌ على وَلَدي -ولا ولَدَ له-، أو على مَنْ سيُولدُ» فالمَسألتانِ فيهما خِلافٌ.

فمالِكٌ يَقولُ: الوَقفُ وإنْ كانَ صَحيحًا إلا أنه غَيرُ لازِمٍ، كغلَّتِه إلى أنْ يُوجَدَ فيَلزمُ فيُعطاها، وعليه فللواقِفِ بَيعُ ذلكَ الوَقفِ الآنَ قبلَ وِلادةِ المُحبَّسِ عليه.

وقالَ ابنُ القاسمِ: الوَقفُ لازِمٌ بمُجردِ عَقدِه، وإنه لا يَكونُ مِلكًا إلا إذا حصَلَ يَأسٌ مِنْ الوَلدِ، فيُوقَفُ أمرُ ذلكَ الحَبسِ للإياسِ.

قالَ شَب (أي: الشَّيخُ إبراهِيمُ الشَّبرخيتيُّ): ويَبقى النَّظرُ على قَولِ ابنِ القاسِمِ في غلَّتِه، هل تُوقَفُ فإنْ وُلدَ له كانَتِ الغَلةُ له كالحَبسِ، وإلا فللمُحبِّسِ؟ أو لا تُوقَفُ فيَأخذُها المُحبِّسُ حتى يُولدَ له فتُعطَى له مِنْ وَقتِ الوِلادةِ؟ اه

والظاهِرُ أنها تُوقَفُ كما صرَّحَ به اللَّقانِيُّ.

وظاهِرُ المُصنِّفِ المَشيُ على قَولِ مالكٍ، حَيثُ لم يُقيِّدْ باليَأسِ كما قيَّدَ به ابنُ القاسمِ، ومَحلُّ الخِلافِ إذا لم يَكنْ قد وُلدَ له سابِقًا، أمَّا إنْ كانَ قد وُلدَ له فإنه ينتظرُ بلا نِزاعٍ، قالَه الشَّيخُ أحمدُ الزَّرقانِيُّ (١).

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٧٦، ٤٧٨)، و «الذخيرة» (٦/ ٣١٦)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٨١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٥، ٦٥٦)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٥٩)، و «منح الجليل» (٨/ ١١٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
جواز الوقف وكيفيته

ثُمَّ نَقُولُ: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى انْتَهَى بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ بِالطَّلَبِ بَقِيَ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَغْصُوبُ مَضْمُونُ الرَّدِّ حَالَ قِيَامِهِ وَمَضْمُونُ الْقِيمَةِ حَالَ هَلَاكِهِ، وَعِنْدَنَا إذَا هَلَكَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ضَمِنَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ فَنَعَمْ، لَكِنْ قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَمَعَ الْإِذْنِ أَوْلَى.

وَالْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْقَبْضِ بَلْ بِالْعَقْدِ بِطَرِيقِ التَّعَاطِي، بِشَرْطِ الْخِيَارِ الثَّابِتِ دَلَالَةً لِمَا عُلِمَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ هَرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَّنَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ حُنَيْنًا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ مِنْ السِّلَاحِ فَقَالَ: عَارِيَّةً أَوْ غَصْبًا فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : عَارِيَّةً، فَأَعَارَهُ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الضَّمَانَ، وَالْحَادِثَةُ حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا يَكُونُ الثَّابِتُ إلَّا إحْدَاهُمَا فَتَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ، مَعَ مَا أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ فَيَحْتَمِلُ ضَمَانَ الرَّدِّ، وَبِهِ نَقُولُ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى ضَمَانِ الْغَيْرِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا، مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» .

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ حَالِ الْمُسْتَعَارِ مِنْ الْأَمَانَةِ إلَى الضَّمَانِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 279 - 283

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله