الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الحالة الثانية: بيع الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه إذا كان عقارا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 47 دقيقة قراءةفإنِ استُغنيَ عنه حَبَسَه لوَقتِ حاجَتِه فيُصرَفُ فيها؛ لأنه لا بُدَّ مِنْ العِمارةِ، فيَحبسُه كَيلَا يَتعذَّرَ عليه وقتَ الحاجةِ فيَبطُلَ المَقصودُ.
وإنْ تَعذَّرَ إعادةُ عَينِه بِيعَ ويُصرَفُ الثَّمنُ إلى عِمارتِه صَرفًا إلى مَصرِفِ الأصلِ.
ولا يَجوزُ أنْ يَقسِمَه -أي المُنهدِمَ- وكذا بَدَلُه بينَ مُستحِقِّي الوَقفِ؛ لأنَّ العينَ حقُّ اللهِ تعالى، وهذا منها، فلا يُصرَفُ إليهم غيرُ حقِّهِم؛ لأنَّ حقَّهُم في المَنفعةِ والغَلَّةِ لا في العينِ، بل هي حقُّ اللهِ تعالى على الخُلوصِ (١).
الحالَةُ الثانِيةُ: بَيعُ الوَقفِ إذا خَرِبَ وتَعطَّلَتْ مَنافعُه إذا كانَ عَقارًا:
أولًا: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الوَقفَ إذا تَعطَّلتْ مَنافعُه المَقصودةُ منه بخَرابٍ لكنْ أمكَنَ إعمارُه مِنْ رَيعِه فإنه لا يُباعُ؛ لعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ: «لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ … » (٢).
إلَّا أنهُم اختَلَفوا في الوَقفِ إذا خَرِبَ وتَعطَّلتْ مَنافعُه، كدارٍ انهَدمَتْ أو أرضٍ خَربَتْ وعادَتْ مَواتًا ولم تُمكِنْ عِمارتُها، أو مَسجدٍ انتَقلَ أهلُ القَريةِ عنه وصارَ في مَوضعٍ لا يُصلَّى فيه أو ضاقَ بأهلِه ولم يُمكِنُ تَوسيعُه في
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢١)، و «العناية» (٨/ ٣٤٦)، و «الاختيار» (٣/ ٥٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠٩)، و «اللباب» (١/ ٦٢٤، ٦٢٥)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٧)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٢/ ٢٢٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدَّمَ.
مَوضعِه أو تَشعَّبَ جَميعُه فلمْ تُمكِنْ عِمارتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلا ببَيعِ بَعضِه، هل يَجوزُ بَيعُ بَعضِه لتُعمَرَ به بَقيتُه، وإنْ لم يُمكِنِ الانتفاعُ بشيءٍ منه بِيعَ جَميعُه؟ أم لا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ مُطلَقًا وإنْ تَعطَّلتْ مَنافعُه؟ أم يَرجعُ إلى الواقفِ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ للعُلماءِ.
القولُ الأولُ: وهو قَولُ المالِكيةِ في المَشهورِ والشافِعيةِ في المَذهبِ وأبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه لا يُباعُ ويَبقَى وَقفًا.
قالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ بَيعُ عَقارٍ حُبِّسَ مِنْ دورٍ وحَوانيتَ ورَبعٍ، فلا يُباعُ ليُستبدَلَ به غَيرُه وإنْ خَرِبَ، قالَ الإمامُ مالكٌ: ولا يُباعُ العَقارُ المُحبَّسُ ولو خَرِبَ، وبَقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً دَليلٌ على مَنعِ ذلكَ.
وقالَ سَحنونٌ: وهذه جُلُّ الأحباسِ قد خَرِبَتْ، فلا شيءَ أدَلُّ على سُنَّتِها منها، ألَا تَرى أنه لو كانَ البَيعُ يَجوزُ فيها لَمَا أغفَلَه مَنْ مَضى؟ ولكنْ بَقاؤُه خَرابًا دَليلٌ على أنَّ بَيعَه غيرُ مُستقيمٍ، وبحَسبِكَ حُجَّةً في أمرٍ قد كانَ مُتقادِمًا بأنْ تَأخذَ منه ما جَرى منه، فالأحباسُ قَديمةٌ ولم تَزَلْ، وجُلُّ ما يُوجَدُ منها بالذي به لم يَزَلْ يَجري عليه فهو دَليلُها، فبَقاءُ هذه خَرابًا دَليلٌ على أنَّ البَيعَ فيها غيرُ مُستقيمٍ؛ لأنه لو استَقامَ لَمَا أخطَأَ مَنْ مَضى مِنْ صَدرِ هذه الأمَّةِ وما جَهِلَه مَنْ لم يَعملْ به حتى تُرِكتْ خَرابًا، وإنْ كانَ قد رُوِيَ عن رَبيعةَ خِلافٌ لهذا في الرِّباعِ والحَيوانِ إذا رَأَى الإمامُ ذلكَ (١).
(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٠٠).
وإنَّما لم يُبعِ الرَّبعُ المُحبَّسِ إذا خَرِبَ لأنه يَجِدُ مَنْ يُصلِحُه بإجارتِه سِنينَ فيَعودَ كما كانَ.
ودَليلٌ آخَرُ وهو أنَّ ما لا يَنقلُ الحَبسَ عن مُقتضاهُ إذا لم تَخرَبْ فإنه لا يَنقلُه عن مُقتضاهُ وإنْ خَرِبَ كالغَصبِ.
وكذا لا يُباعُ نَقضُ الحَبسِ مِنْ الأحجارِ والآجُرِّ والأخشابِ وإنْ خَرِبَ، فإذا لم يُمكِنْ عَودُها فيما حُبسَتْ فيه جازَ نَقلُها في مِثلِه.
إلا أنْ يُباعَ العَقارُ الحَبسُ ولو غيرَ خَرِبٍ لتَوسيعِ مَسجدٍ إذا ضاقَ المَسجدُ بأهلِه واحتاجَ إلى تَوسعةٍ وبجانِبِه عَقارٌ حَبسٌ أو مِلكٌ، فإنه يَجوزُ بَيعُ الحَبسِ لأجلِ تَوسعةِ المَسجدِ، ومثلُ تَوسعةِ المَسجدِ تَوسعةُ طَريقِ المُسلمينَ ومَقبرتِهم؛ لأنه نَفعٌ عامٌّ للمُسلمينَ، ونَفعُ ذلكَ أعَمُّ مِنْ بَيعِ الدَّارِ المُحبسةِ، وسَواءٌ كانَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ أو غَيرِ مُعيَّنٍ، وإنْ أبَى صاحِبُ الحَبسِ أو الناظِرُ أو صاحِبُ المِلكِ عن بَيعِ ذلكَ فالمَشهورُ أنهمْ يُجبَرونَ على بَيعِ ذلكَ.
وإذا باعَ أربابُ الدُّورِ المُحبسةِ لأجْلِ تَوسعةِ المَسجدِ أو المَقبرةِ أو الطَّريقِ فأخَذُوا الثَّمنَ فإنهمْ يُؤمَرونَ بأنْ يَجعلوهُ في حَبسِ غَيرِه (١).
(١) «جامع الأمهات» (١/ ٤٥٢)، و «المنتقى» (٦/ ١٣١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٨٠، ٤٨١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٢، ٥٨٣)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٤، ٩٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٧)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٤)، و «منح الجليل» (٨/ ١٥٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٨١).
وقالَ الشافِعية في الأصَحِّ: لا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ مُطلَقًا، فإنْ تَعطَّلتْ مَنفعةُ المَوقوفِ بسَببٍ غَيرِ مَضمونٍ كأنْ جَفَّتِ الشَّجرةُ أو قلَعَها ريحٌ أو سَيلٌ أو نحو ذلكَ ولم يُمكِنْ إعادَتُها إلى مَغرسِها قبلَ جَفافِها، أو زَمِنَتِ الدابَّةُ لم يَنقطعِ الوَقفُ على المَذهبِ، بل يُنتفعُ بها جِذعًا بإجارةٍ وغَيرِها؛ إدامةً للوَقفِ في عَينِها، ولا تُباعُ ولا تُوهبُ؛ لخبَرِ: «لا تُباعُ».
وكذا الدابَّةُ الزمِنَةُ بحَيثُ صارَتْ لا يُنتفعُ بها، هذا إنْ أُكِلتْ؛ إذْ يَصحُّ بَيعُ لَحمِها بخِلافِ غَيرِها.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ: تُباعُ؛ لتَعذُّرِ الانتفاعِ كما شرَطَه الواقفُ، ويُشترى بالثَّمنِ مِثْلُها ليَكونَ وَقفًا مَكانَها أو بَعضُه؛ لأنه أقرَبُ إلى مَقصودِ الواقفِ.
وإِنْ لم يُنتفعْ بها إلا باستِهلاكِها بإحراقٍ أو نَحوِه ففيهِ خِلافٌ:
قيلَ: يَنقطعُ الوَقفُ وتَصيرُ مِلكًا للمَوقوفِ عليه حِينئذٍ على المُعتمَدِ، لكنَّها لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، بل يُنتفعُ بعَينِها كأُمِّ الوَلدِ والأُضحِيةِ.
وقيلَ: لا تَصيرُ مِلكًا بحالٍ.
وإنْ وقَفَ أرضًا على ثَغرٍ فبَطَلَ الثَّغرُ وتَعذَّرَ القِتالُ فيهِ حُفظَ انتِفاعُ الوَقفِ -وهو: غلَّتُه-، ولا يُصرَفُ إلى غَيرِه؛ لجَوازِ أنْ يَعودَ الثَّغرُ كما كانَ.
ولو وقَفَ مَسجدًا فانهدَمَ وتَعذَّرَتْ إعادَتُه أو تَعطَّلَ بخَرابِ البَلدِ مثلًا لم يَعُدْ مِلكًا ولم يُبَعْ بحالٍ؛ لأنَّ ما زالَ المِلكُ فيهِ لحَقِّ اللهِ تعالى لا يَعودُ إلى المِلكِ بالاختِلالِ، كالعَبدِ إذا عُتقَ ثمَّ زَمِنَ، ولم يُنقَضْ إنْ لم يُخَفْ
عليه؛ لإمكانِ الصلاةِ في أرضِهِ ولإمكانِ عَودِه كما كانَ، فإنْ خِيفَ على نَقضِه فيُنقَضُ ويُحفَظُ، أو يُعمرُ به مَسجدٌ آخَرُ إنْ رَآهُ الحاكِمُ، قالَ المُتولِّي: وتُصرَفُ غَلةُ وَقفِه لأقرَبِ المَساجِد إليهِ -أي إذا لم يُتوقَّعْ عَودُه-، وإلَّا حُفظَ كما قالَه الإمامُ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: وهذا أَولى مِنْ قَولِ الماوَرديِّ: تُصرَفُ إلى الفُقراءِ والمَساكينِ، ومِن قَولِ الرِّويانِيِّ: أنه كمُنقطِعِ الآخِرِ.
فإنْ خِيفَ عليه نُقضَ وبَنَى الحاكِمُ بنَقضِه مَسجِدًا آخَرَ إنْ رَأى ذلكَ، وإلا حِفظُه وبِناؤُه بقُربِه أَولَى، ولا يَبني به بئرًا كما لا يَبني بنَقضِ بئرٍ خَرِبتْ مَسجدًا بل بِئرًا أُخرى؛ مُراعاةً لغَرضِ الواقفِ ما أمكَنَ.
ولو وقَفَ على قَنطَرةٍ وانحَرَقَ الوادي وتَعطَّلتِ القَنطرةُ واحتِيجَ إلى قَنطَرةٍ أُخرَى جازَ نَقلُها إلى مَحَلِّ الحاجةِ (١).
وقالَ الرَّمليُّ رحمة الله عليه: وأجرَيَا الخِلافَ في دارٍ مُنهدِمةٍ أو مُشرِفةٍ على الانهدامِ ولم تَصلُحْ للسُّكنى، وفرَّقَ بَعضُهم بينَ المَوقوفةِ على المَسجدِ والتي على غَيرِه، وأفتَى الوالِدُ رحمة الله عليه بأنَّ الرَّاجحَ مَنعُ بَيعِها، سَواءٌ أُوقِفتْ على المَسجدِ أم على غَيرِه.
(١) «المهذب» (١/ ٤٤٥)، و «البيان» (٨/ ١٠٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٧٢، ١٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧٨، ٤٧٩)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٣٤، ٥٣٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٥٣)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٦٤، ٢٦٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥١٧، ٥١٨)، و «الديباج» (٢/ ٥٣٢، ٥٣٢).
قالَ السُّبكيُّ وغيرُه: إنَّ منْعَ بَيْعِها هو الحَقُّ، ولأنَّ جَوازَه يُؤدِّي إلى مُوافَقةِ القَائلينَ بالاستِبدالِ (١).
وجاءَ في «فَتاويهِ»: (سُئلَ): هل يَجوزُ بَيعُ الدارِ المَوقوفةِ إذا انهَدمَتْ أو أشرَفَتْ على الانهدامِ سَواءٌ كانَتْ مَوقوفةً على المَسجدِ أو غيرِه، كما هو مُقتضَى «الرَّوضَة» ونُسِبَ لفَتاوى ابنِ العِراقيِّ؟ أو يَجوزُ بَيعُ المَوقوفةِ على المَسجدِ دونَ غَيرِه كما صَرَّحَ به ابنُ المُقرِي وغيرُه؟ أو لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ كما أَفتَى به شَيخُ الإسلامِ زَكريَّا مُؤيِّدًا له بما نقَلَه عن جَمعٍ مِنْ الأصحابِ في «شَرح المَنهَجِ» وغيرِه؟
(فأجابَ) بأنَّ الرَّاجحَ منعُ بَيعُها، سَواءٌ أُوقِفَتْ على المَسجدِ أم على غَيرِه، فقدْ قالَ الماوَرديُّ: الوَقفُ إذا خَرِبَ لا يَجوزُ بَيعُه ولا بَيعُ شيءٍ منه لعِمارتَه، وقالَ أحمَدُ: يَجوزُ بَيعُ بَعضِه لعِمارةِ باقيهِ كالدابَّةِ إذا عَطِبَتْ.
ولنا: إمكانُ رُجوعِه وصَلاحِه، ولهذا لو وقَفَ أرضًا خَرابًا جازَ، ولو وقَفَ حَيوانًا عَطِبًا لم يَجُزْ. اه
وقالَ المُتولِّي: لا يَجوزُ بَيعُ الدَّارِ إذا خَرِبتْ أو خافُوا عَليها الخَرابَ، خِلافًا لأحمَدَ. اه
وإذا كانَتِ الخَرابُ لا تُباعُ فالمُشرِفةُ أَولَى، وقالَ القاضِي أبو الطَّيبِ: إذا وقَفَ دارًا على قَومٍ ثُمَّ انهدَمَتْ لم يَكنْ للمَوقوفِ عليهِم بَيعُ الرَّقبةِ،
(١) «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٥٣).
وقالَ أحمدُ: «لهم ذلكَ»، وهذا غَلطٌ، وكذا ذكَرَه ابنُ الصَّبَّاغِ والرُّويانِيُّ في «البَحر» والشَّيخُ أبو حامِدٍ وأتْباعُه كالمَحامِليِّ وسُليمٍ في «المُجرَّد» والشَّيخُ نَصرُ المَقدِسيُّ في تَهذيبِه والجُرجانِيُّ في شافيهِ وصاحِبُ «البَيان» وغَيرُهم مِنْ العِراقيِّينَ، وعِبارةُ الجُرجانِيِّ في تَحريرِه: إذا انهدَمَتِ الدارُ المَوقوفةُ لم يَجُزْ بَيعُها قَولًا واحِدًا، وجزَمَ به مِنْ المَراوِزةِ القاضي حُسينٌ فقال: لو خَرِبَ الوَقفُ لا يَجوزُ بَيعُه، بل يَكونُ وَقفًا بحالِهِ أبدًا، خِلافًا لأحمدَ، وكذا قالَ الفُورانِيُّ في «الإبانَة».
وقالَ الخَوارزمِيُّ في «كافيهِ»: والدارُ المَوقوفةُ إذا انهَدمَتْ وخَرِبتْ وتَعطَّلتْ مَنافِعُها لا يَجوزُ بَيْعُها، ولا يَجوزُ نَقلُ شيءٍ منها إلى مَوضِعٍ آخَرَ.
وقالَ الصَّيمَريُّ في «شَرح الكِفايةِ»: بَيعُ المَوقوفِ حَرامٌ مُطلَقًا، سَواءٌ قُلنا: «المَوقوفُ عليه ملَكَ رَقبةِ الوَقفِ» أَمْ لا.
فهذه كُتبُ المَذهبِ مِنْ الطَّريقَينِ شاهِدةٌ بخِلافِ ما ذكَرَه الرَّافعيُّ، فظهَرَ أنَّ الإمامَ مُنفرِدٌ بنَقلِ الخِلافِ في المُشرِفةِ، والرَّافعيُّ مُنفرِدٌ بذِكرِ الخِلاف في المُنهدِمةِ، وباقتِضاءِ كلامِه التَّصحيحَ فيها، وفي المُشرِفةِ بالجَوازِ، على أنَّ الإمامَ لمَّا حَكى الخِلافَ في المُشرِفةِ عَزَا للأكثَرينَ المَنعَ، فقالَ: ومِمَّا يَتَّصلُ بهذا الأصلِ أنَّ مَنْ وقَفَ دارًا فأشرَفَتْ على الخَرابِ وعَرَفْنا أنها لو انهدَمَتْ عَسُرَ رَدُّها وإقامَتُها ذهَبَ الأكثَرونَ إلى مَنعِ البَيعِ، وجوَّزَه مُجَوِّزونَ. اه، وعليه اعتَمدَ الرافِعيُّ في حِكايةِ الخِلافِ في المُشرِفةِ، لكِنَّه زادَ في الإلباسِ، فاقتَضَى كَلامُه تَصحيحَ الجَوازِ فيها وفي المُنهَدِمةِ،
وأمَّا حِكايتُه الخِلافَ في المُنهدِمةِ فكأنهُ إذا جازَ بَيعُ المُشرِفةِ على رَأيٍ فبَيعُ المُنهدِمةِ أَولَى، وقالَ السُّبكيُّ وغَيرُه: إنَّ منْعَ بَيعِها هو الحَقُّ، ولأنَّ جَوازَه يُؤدِّي إلى مُوافَقةِ القائِلينَ بالاستِبدالِ، ويُمكِنُ حَملُ كَلامِ القَائلِ بالجَوازِ على البِناءِ خاصَّةً كما أشارَ إليه ابنُ المُقرِي في «الرَّوض» بقَولِه: «وجِدارِ دارِه المُنهدِمِ»، وهذا الحَملُ أسهَلُ مِنْ تَضعيفِه (١).
القَولُ الثَّاني: وهو مَذهبُ الحَنابلةِ ورِوايةٌ عندَ المالِكيةِ أنه يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ إذا خَرِبَ وتَعطَّلتْ مَنافعُه، كدارٍ انهدَمَتْ أو أرضٍ خَرِبتْ وعادَتْ مَواتًا ولم تمكن عِمارَتُها، أو مَسجدٍ انتَقلَ أهلُ القَريةِ عنه وصارَ في مَوضعٍ لا يُصَلَّى فيه، أو ضاقَ بأهلِه ولم يُمكِنْ تَوسيعُه في مَوضِعِه أو تَشعَّبَ جَميعُه فلم تُمكِنْ عِمارَتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلا ببَيعِ بَعضِه جازَ بَيعُ بَعضِه لتُعمرَ به بَقيتُه، وإنْ لم يُمكِنِ الانتفاعُ بشَيءٍ منه بِيعَ جَميعُه ويُستبدَلُ به غيرُه.
جاءَ في «المُغْني» لابنِ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا خَرِبَ الوَقفُ ولم يَرُدَّ شيئًا بِيعَ واشتُرِيَ بثَمنِه ما يَرُدُّ على أهلِ الوَقفِ، وجُعِلَ وَقفًا كالأولِ، وكذلكَ الفَرسُ الحَبيسُ إذا لم يَصلحْ للغَزوِ بِيعَ واشتُريَ بثَمنِه ما يَصلحُ للجِهادِ).
وجُملةُ ذلكَ أنَّ الوَقفَ إذا خَرِبَ وتَعطَّلتْ مَنافعُه كدارٍ انهدَمَتْ أو أرضٍ خَرِبتْ وعادَتْ مَواتًا ولم تُمكِنْ عِمارَتُها، أو مَسجدٍ انتَقلَ أهلُ القَريةِ عنه وصارَ في مَوضعٍ لا يُصلَّى فيه، أو ضاقَ بأهلِه ولم يُمكِنْ تَوسيعُه في
(١) «فتاوى الرملي» (١/ ٣٥٦، ٣٥٧).
مَوضعِه أو تَشعَّبَ جَميعُه فلمْ تُمكِنْ عِمارتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلا ببَيعِ بَعضِه جازَ بَيعُ بَعضِهِ لتُعمرَ به بَقيتُه، وإنْ لم يُمكنِ الانتفاعُ بشيءٍ منه بِيعَ جَميعُه.
قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ: إذا كانَ في المَسجدِ خَشَبتانِ لهُما قيمةٌ جازَ بَيعُهما وصَرْفُ ثَمنِهما عليه، وقالَ في رِوايةِ صالِحٍ: يُحوَّلُ المَسجدُ خَوفًا مِنْ اللُّصوصِ وإذا كانَ مَوضِعُه قَذِرًا، قالَ القاضي: يَعني إذا كانَ ذلكَ يَمنعُ مِنْ الصَّلاةِ فيهِ، ونَصَّ على جوازِ بَيعِ عَرصَتِه في رِوايةِ عَبدِ اللهِ، وتَكونُ الشهادةُ في ذلكَ على الإمامِ، قالَ أبو بَكرٍ: وقد رَوى عَليُّ بنُ سَعيدٍ أنَّ المَساجِدَ لا تُباعُ، وإنما تُنقَلُ آلَتُها، قالَ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ؛ لإجماعِهم على جَوازِ بَيعِ الفَرَسِ الحَبيسِ -يَعني المَوقوفةِ- على الغَزوِ إذا كَبُرَتْ فلمْ تَصلحْ للغَزوِ وأمكَنَ الانتفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ، مِثل أنْ تَدورَ في الرَّحى أو يُحمَلَ عليها تُرابٌ أو تَكونَ الرغبةُ في نِتاجِها، أو حِصانًا يُتَّخذُ للطِّراقِ، فإنهُ يَجوزُ بَيعُها ويَشتري بثَمنِها ما يَصلحُ للغَزوِ، نَصَّ عليه أحمَدُ.
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: إذا خَرِبَ المَسجدُ أو الوَقفُ عادَ إلى مِلكِ واقِفِه؛ لأنَّ الوَقفَ إنَّما هو تَسبيلُ المَنفعةِ، فإذا زالَتْ مَنفعتُه زالَ حقُّ المَوقوفِ عليه منه، فزالَ مِلكُه عنهُ.
وقالَ مالِكٌ والشافعيُّ: لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ: «لا يُباعُ أصلُها ولا تُبتاعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ»، ولأنَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه مع بَقاءِ مَنافعِه لا يَجوزُ بَيعُه مع تَعطُّلِها كالمُعتَقِ، والمَسجدُ أشبَهُ الأشياءِ بالمُعتَقِ.
ولنا: ما رُويَ «أنَّ عُمرَ رضي الله عنه كتَبَ إلى سَعدٍ لمَّا بَلَغَه أنه قد نُقِبَ بَيتُ المالِ الذي بالكوفَةِ أنِ انقُلِ المَسجدَ الذي بالتَّمارينِ واجعَلْ بَيتَ المالِ في قِبلةِ المَسجدِ، فإنه لنْ يَزالَ في المَسجدِ مُصَلٍّ»، وكانَ هذا بمَشهدٍ مِنْ الصَّحابةِ ولم يَظهَرْ خِلافُه فكانَ إجماعًا، ولأنَّ فيما ذكَرْناهُ استِبقاءَ الوَقفِ بمَعناهُ عندَ تَعذُّرِ إبقائِه بصُورتِه، فوجَبَ ذلكَ، كما لو استَولَدَ الجارِيةَ المَوقوفةَ أو قبَّلَها وقبَّلَها غَيرُه.
قالَ ابنُ عَقيلٍ: الوَقفُ مُؤبَّدٌ، فإذا لم يُمكِنْ تَأبيدُه على وَجهٍ يُخصِّصُه استِبقاءُ الغَرضِ وهو الانتفاعُ على الدَّوامِ في عَينٍ أُخرى وإيصالُ الأبدالِ جَرَى مَجرَى الأعيانِ، وجُمودُنا على العَينِ مع تَعطُّلِها تَضييعٌ للغَرضِ، ويَقربُ هذا مِنْ الهَديِ إذا عَطِبَ في السفَرِ فإنه يُذبَحُ في الحالِ وإنْ كانَ يَختصُّ بمَوضِعٍ، فلمَّا تَعذَّرَ تَحصيلُ الغَرضِ بالكُلِّيةِ استَوفِيَ منه ما أمكَنَ وتُرِكَ؛ مُراعاةُ المَحلِّ الخاصِّ عندَ تَعذُّرِه؛ لأنَّ مُراعاتَه مع تَعذُّرِه تُفضِي إلى فَواتِ الانتفاعِ بالكُلِّيةِ، وهكذا الوَقفُ المُعطَّلُ المَنافِعِ.
ولنا على مُحمدِ بنِ الحَسنِ أنه إزالَةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ، فلا يَعودُ إلى مالِكِه باختِلالِه وذَهابِ مَنافعِه كالعِتقِ.
فَصلٌ: وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّ الوَقفَ إذا بِيعَ فأيُّ شيءٍ اشتُريَ بثَمنِه ممَّا يُرَدُّ على أهلِ الوَقفِ جازَ، سَواءٌ كانَ مِنْ جِنسِه أو مِنْ غيرِ جِنسِه؛ لأنَّ المَقصودَ المَنفعةُ لا الجِنسُ، لَكنْ تَكونُ المَنفعةُ مَصروفةً إلى المَصلحةِ التي كانَتِ الأُولى تُصرَفُ فيها؛ لأنه لا يَجوزُ تَغييرُ المَصرِفِ مع إمكانِ المُحافَظةِ عليه كما لا يَجوزُ تَغييرُ الوَقفِ بالبَيعِ مع إمكانِ الانتفاعِ به …
فَصلٌ: وإنْ لم تَتعطَّلْ مَصلحةُ الوَقفِ بالكُلِّيةِ لكنْ قَلَّتْ وكانَ غَيرُه أنفَعَ منهُ وأكثَرَ رَدًّا على أهلِ الوَقفِ لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأنَّ الأصلَ تَحريمُ البَيعِ وإنَّما أُبيحَ للضَّرورةِ؛ صِيانةً لمَقصودِ الوَقفِ عن الضَّياعِ مع إمكانِ تَحصيلِه ومع الانتفاعِ وإنْ قَلَّ ما يَضيعُ المَقصودُ، اللَّهمَّ إلا أنْ يَبلغَ في قِلةِ النَّفعِ إلى حَدٍّ لا يُعَدُّ نَفعًا، فيَكونُ وُجودُ ذلكَ كالعَدمِ (١).
وجَوازُ بَيعِ الوَقفِ إذا خَرِبَ هو رِوايةٌ عن مالِكٍ وقالَ به بَعضُ المالِكية، قالَ ابنُ رُشدٍ: وفيها لرَبيعةَ أنَّ الإمامَ يَبيعُ الرَّبعَ إذا رَأى ذلكَ لخَرابِه، وهو إحدَى رِوايَتَي أبي الفَرجِ عن مالكٍ. اه
ثُمَّ قالَ: في جَوازِ المُناقَلةِ لرَبعٍ غَيرِ خَرِبٍ قَولَا الشَّيخِ في رِسالتِه وابنِ شَعبانَ.
وعِبارةُ «الرِّسالَة»: «ولا يُباعُ الحَبسُ وإنْ خَرِبَ»، ثمَّ قالَ: واختُلفَ في المُعاوَضةِ بالرَّبعِ الخَرِبِ برَبعٍ غيرِ خَربٍ.
ثمَّ قالَ ابنُ رُشدٍ: إنْ كانَتْ هذه القِطعةُ مِنْ الأرضِ المُحبَّسةِ انقطَعَتْ مَنفعتُها جُملةً وعجَزَ عن عِمارتِها وكِرائِها فلا بَأسَ بالمُعاوَضةِ فيها بمَكانٍ
(١) «المغني» (٥/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «المبدع» (٥/ ٣٥٦)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٨)، و «الإنصاف» (٧/ ١٠٠، ١٠٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٥٣، ٣٥٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٨٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٧٠)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٤١، ٣٤٢).
يَكونُ حَبسًا مكانَها، ويَكونُ ذلكَ بحُكمٍ مِنْ القاضي بعدَ ثُبوتِ ذلكَ السَّببِ والغِبطةِ في ذلكَ للعِوضِ عنه، ويُسَجَّلُ ذلكَ ويُشهَدُ به. اه (١).
وقالَ النَّفراويُّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ -بمَعنَى يَحرمُ- أنْ يُباعَ العَقارُ الحَبسُ وإنْ خَرِبَ بحَيثُ صارَ لا يُنتفعُ به ولم يُرْجَ عَودُه، قالَ مالِكٌ رضي الله عنه: لا يُباعُ العَقارُ الحَبسُ ولو خَرِبَ، وبَقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً دَليلٌ على مَنعِ ذلكَ.
وعندَ بَعضِهم: يَجوزُ بَيعُه إنْ كانَ في بَقائِه ضَررٌ ولا يُرجَى عَودُه، وحُكيَ على ذلكَ الاتِّفاقُ، ولا شَكَّ في مُخالَفتِه لِما قالَه الإمامُ، ولعَلَّ وجْهَ كَلامِه رضي الله عنه لِما يَلزمُ عليه مِنْ التَّطرُّقِ إلى بَيعِ الأوقافِ بدَعوى الخَرابِ، والإمامُ بَنَى مَذهبَه على سَدِّ الذَّرائعِ، وكما لا يَجوزُ بَيعُ العَقارِ الحَبسِ ولا يَجوزُ بَيعُ أنقاضِه (٢).
القَولُ الثالثُ: وهو قَولُ مُحمدِ بنِ الحَسنِ: أنَّ الوَقفَ إذا خَرِبَ عادَ إلى مِلكِ صاحِبِه إنْ كانَ حَيًّا، وإلى مِلكِ وَرثتِه إنْ كانَ مَيتًا.
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو جعَلَ دارَه مَسجدًا فخَرِبَ جِوارُ المَسجدِ أو استغنى عنه لا يَعودُ إلى مِلكِه ويَكونُ مَسجِدًا أبدًا عندَ أبي يُوسفَ، وعندَ مُحمدٍ يَعودُ إلى مِلكِه.
(١) «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٢، ٥٨٣).
(٢) «الفوكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني» (٢/ ١٦٤، ١٦٥).
ووجهُ قولِ مُحمدٍ أنه أزالَ مِلكَه بوَجهٍ مَخصوصٍ، وهو التقرُّبُ إلى اللهِ تعالى بمَكانٍ يُصلِّي فيهِ الناسُ، فإذا استغنى عنهُ فقدْ فاتَ غَرَضُه منهُ، فيَعودُ إلى مِلكِه، كما لو كَفَّنَ مَيتًا ثمَّ أكَلَه سَبعٌ وبَقيَ الكَفنُ يَعودُ إلى مِلكِه، كذا هذا.
ولأبي يُوسفَ أنه لمَّا جعَلَه مَسجدًا فقدْ حرَّرَه وجعَلَه خالِصًا للهِ تعالَى على الإطلاقِ وصَحَّ ذلكَ، فلا يُحتملُ العَودُ إلى مِلكِه كالإعتاقِ، بخِلافِ تَكفينِ المَيِّتِ؛ لأنه ما حَرَّرَ الكفَنَ وإنَّما دفَعَ حاجةَ المَيِّتِ به، وهو سَتْرُ عَورتِه، وقد استَغنى عنه، فيَعودُ مِلكًا له.
وقَولُه: «أزالَ مِلكَه بوَجهٍ وقَعَ الاستِغناءُ عنه»، قُلنا: مَمنوعٌ؛ فإنَّ المُجتازينَ يُصلُّونَ فيهِ، وكذا احتِمالُ عَودِ العِمارةِ قائِمٌ، وجِهةُ القُربةِ قد صَحَّتْ بيَقينٍ، فلا تَبطلُ باحتِمالِ عَدمِ حُصولِ المَقصودِ.
ولو وقَفَ دارًا أو أرضًا على مَسجدٍ مُعيَّنٍ، قالَ بَعضُهم: هو على الاختِلافِ؛ على قَولِ أبي يُوسفَ يَجوزُ، وعلى قَولِ مُحمدٍ لا يَجوزُ؛ بِناءً على أنَّ المَسجدَ عندَ أبي يُوسفَ لا يَصيرُ مِيراثًا بالخَرابِ، وعندَ مُحمدٍ يَصيرُ ميراثًا.
وقالَ أبو بَكرٍ الأعمَشُ: يَنبغي أنْ يَجوزَ بالاتِّفاقِ، وقالَ أبو بَكرٍ الإسكافُ: يَنبَغي ألَّا يَجوزَ بالاتِّفاقِ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢١)، ويُنظَر: «المحيط البرهاني» (٦/ ٩٨).
وقالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: واعلَمْ أنه يَتفرَّعُ على الخِلافِ بينَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ فيما إذا استُغنيَ عن المَسجدِ لخَرابِ المَحلَّةِ والقَريةِ وتَفرَّقَ أهلُها ما إذا انهدَمَ الوَقفُ وليسَ له مِنْ الغَلةِ ما يُمكِنُ به عِمارتُه أنه يُبطِلُ الوَقفَ ويَرجعُ النَّقضُ إلى بانيهِ أو وَرثتِه عندَ مُحمدٍ، خِلافًا لأبي يُوسفَ.
وكذا حانوتٌ في سوقٍ احتَرقَ وصارَ بحَيثَ لا يُنتفعُ به ولا يُستأجَرُ بشَيءٍ البَتَّةَ يَخرجُ عن الوَقفيَّةِ.
وكذا في حَوضِ مَحلَّةٍ خَرِبَ وليسَ له ما يُعمرُ به، فهو لوارِثِه، فإنْ لم يُعرَفْ فهو لُقطةٌ.
وكذا الرِّباطُ إذا خَرِبَ يَبطلُ الوَقفُ ويَصيرُ مِيراثًا.
ولو بَنى رَجلٌ على هذه الأرضِ فالبِناءُ للباني وأصلُ الوَقفِ لوَرثةِ الواقفِ عند مُحمدٍ، فقَولُ مَنْ قالَ: «في جِنسِ هذه المسائِلِ نَظرٌ، فليُتأمَّلْ عندَ الفتوَى» غَيرُ واقِعٍ مَوقِعَه.
وفي «الفَتاوى الظَّهيريَّة»: سُئلَ الحُلْوانِيُّ عن أوقافِ المَسجدِ إذا تَعطَّلتْ وتَعذَّرَ استِغلالُها، هل للمُتولِّي بَيعُها ويَشتَري بثَمنِها أُخرَى؟ قالَ: نعم.
ورَوى هِشامٌ عن مُحمدٍ أنه قالَ: إذا صارَ الوَقفُ بحَيثُ لا يَنتفعُ به المَساكينُ فللقاضِي أنْ يَبيعَه ويَشتريَ بثَمنِه غيرَه، وعلى هذا فيَنبغي ألَّا يُفتيَ على قَولِه برُجوعِه إلى مِلكِ الواقفِ ووَرثتِه بمُجَرَّدِ تَعطُّلِه وخَرابِه، بل إذا صارَ بحَيثُ لا يُنتفعُ به يُشتَرى بثَمنِه وَقفٌ آخَرُ يُستغلُّ ولو كانَتْ غَلتُه دونَ غَلةِ الأولِ، وكذا للمُتولِّي أنْ يَبيعَ مِنْ تُرابِ مُسبَّلةٍ إذا كانَ فيهِ مَصلحةٌ.
وفي «فتاوَى قاضِيخانْ»: وَقفٌ عَلى مُسَمَّيْنَ خَرِبَ ولا يُنتفعُ به ولا يُستأجَرُ أصلُه يَبطلُ الوَقفُ ويَجوزُ بَيعُه، وإنْ كانَ أصلُه يُستأجَرُ بشيءٍ قليلٍ يَبقى أصلُه وَقفًا. انتهى
ويَجبُ حِفظُ هذا، فإنه قد تَخرَبُ الدارُ وتَصيرُ كَومًا وهي بحَيثُ لو نُقِلَ نَقضُها استَأجَرَ أرضَها مَنْ يَبني أو يَغرِسُ ولو بقَليلٍ، فيُغفَلُ عن ذلكَ وتُباعُ كلُّها للواقِفِ، مع أنه لا يَرجعُ منها إليهِ إلَّا النَّقضُ (١).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه: لو انهدَمَ الوَقفُ كلُّه فقدْ سُئِلَ عنه قارِئُ «الهِدايَة» بقَولِه: سُئلَ عن وَقفٍ تَهدَّمَ ولم يَكنْ له شيءٌ يُعمرُ منه، ولا أمكَنَ إجارَتُه ولا تَعميرُه، هل تُباعُ أنقاضُه مِنْ حَجرٍ وطوبٍ وخَشبٍ؟
أجابَ: إنْ كانَ الأمرُ كذلكَ صَحَّ بَيعُه بأَمرِ الحاكِمِ، ويُشترى بثَمنِه وَقفٌ مَكانَه، فإذا لم يَكنْ رَدَّه إلى وَرثةِ الواقفِ إنْ وُجِدوا، وإلَّا صُرِفَ إلى الفُقراء. اه (٢).
والفَتوَى عندَ الحَنفيةِ على قَولِ أبي يُوسفَ كما بَيَّنَ ذلكَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه.
جاءَ في «الدُّر المُختَار»: (ولو خَرِبَ ما حَولَه واستُغنيَ عنه يَبقَى مَسجِدًا عندَ الإمامِ والثَّاني) أبدًا إلى قِيامِ السَّاعةِ (وبه يُفتَى) حاوِي القُدسِيِّ (وعادَ إلى المِلكِ) أي: مِلكِ الباني أو وَرثتِه (عندَ مُحمدٍ)، وعن الثاني:
(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٣٧، ٢٣٨).
(٢) «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٧).
يُنقَلُ إلى مَسجدٍ آخَرَ بإذنِ القاضي، (ومِثلُه) في الخِلافِ المَذكورِ (حَشيشُ المَسجدِ وحُصرُه مع الاستِغناءِ عنهُما و) كذا (الرِّباطُ والبئرُ إذا لم يُنتفعْ بهمَا، فيُصرَفُ وَقفُ المَسجدِ والرِّباطِ والبئرِ) والحَوضِ (إلى أقرَبِ مَسجدٍ أو رِباطٍ أو بئرٍ) أو حَوضٍ (إليه) تَفريعٌ على قولِهما «دُرَر».
قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: مَطلبٌ فيما لو خَرِبَ المَسجدُ أو غيرُه:
قَولُه: (ولو خَرِبَ ما حَولَه) أي: ولو مع بقائِه عامِرًا، وكذا لو خَرِبَ وليسَ له ما يُعمَرُ به وقد استَغنَى الناسُ عنهُ لبناءِ مَسجدٍ آخَرَ.
قولُه: (عندَ الإمام والثَّاني) فلا يَعودُ ميراثًا ولا يَجوزُ نَقلُه ونَقلُ مالِه إلى مَسجدٍ آخَرَ، سَواءٌ كانوا يُصلُّونَ فيهِ أو لا، وهو فتوَى «حاوِي القُدسيِّ» وأكثَرُ المَشايخِ عليه «مُجتَبى» وهو الأوجَهُ «فَتح». اه «بَحْر».
قالَ في «الإسْعَاف»: وذكرَ بَعضُهم أنَّ قولَ أبي حَنيفةَ كقَولِ أبي يُوسفَ، وبَعضُهم ذكَرَه كقَولِ مُحمدٍ.
قَولُهُ (وعادَ إلى المِلكِ عند مُحمدٍ): ذكرَ في «الفَتح» ما مَعناهُ أنه يَتفرَّعُ على الخِلافِ المَذكورِ ما إذا انهدَمَ الوَقفُ وليسَ له مِنْ الغَلةِ ما يُعمَرُ به، فيَرجعُ إلى الباني أو وَرثتِه عندَ مُحمدٍ، خِلافًا لأبي يُوسفَ، لكنْ عندَ مُحمدٍ إنَّما يَعودُ إلى مِلكِهِ ما خرَجَ عن الانتفاعِ المَقصودِ للواقِفِ بالكُليَّةِ، كحانوتٍ احتَرقَ ولا يُستأجَرُ بشيءٍ، ورِباطٍ وحَوضِ مَحلَّةٍ خَرِبَ وليسَ له ما يُعمرُ به، وأمَّا ما كانَ مُعَدًّا للغَلةِ فلا يَعودُ إلى المِلكِ إلا نَقضُه، وتَبقَى ساحَتُه وَقفًا تُؤجَّرُ ولو بشَيءٍ قَليلٍ، بخِلافِ الرِّباطِ ونَحوِه فإنه مَوقوفٌ
للسُّكنى وامتَنعَتْ بانهدامِه، أمَّا دارُ الغَلةِ فإنها قد تَخرَبُ وتَصيرُ كَومًا وهي بحَيثُ لو نُقلَ نَقضُها يَستأجِرُ أرضَها مَنْ يَبني أو يَغرسُ ولو بقَليلٍ، فيُغفلُ عن ذلكَ وتُباعُ لواقِفِها مع أنه لا يَرجعُ إليه منها إلا النَّقضُ، واستَندَ في ذلكَ «للخانِيَّة» وغَيرِها، وظاهِرُ كَلامِه اعتِمادُه.
قولُه: (وعن الثَّاني … إلخ) جزَمَ به في «الإسعَاف» حَيثُ قالَ: ولو خَرِبَ المَسجدُ وما حَولَه وتَفرَّقَ الناسُ عنهُ لا يَعودُ إلى مِلكِ الواقفِ عند أبي يُوسفَ، فيُباعُ نَقضُهُ بإذنِ القاضي ويُصرَفُ ثَمنُه إلى بَعضِ المَساجدِ. اه
قَولُه: (ومِثلُه حَشيشُ المَسجدِ … إلخ) أي: الحَشيشُ الذي يُفرَشُ بدَلَ الحُصرِ كما يُفعلُ في بَعضِ البِلادِ كبِلادِ الصَّعيدِ كما أخبَرَني به بَعضُهم، قالَ الزَّيلعيُّ: وعلى هذا حَصيرُ المَسجدِ وحَشيشُه إذا استَغنى عنهُما يَرجعُ إلى مالِكِه عند مُحمدٍ، وعندَ أبي يُوسفَ يُنقلُ إلى مَسجدٍ آخَرَ، وعلى هذا الخِلافِ الرِّباطُ والبئرُ إذا لم يُنتفعْ بهمَا. اه
وصَرَّحَ في «الخانِيَّة» بأنَّ الفتوَى على قَولِ مُحمدٍ، قالَ في «البَحر»: وبه عُلِمَ أنَّ الفتوَى على قَولِ مُحمدٍ في آلاتِ المَسجدِ، وعلى قَولِ أبي يُوسفَ في تَأبيدِ المَسجدِ. اه
والمُرادُ بآلاتِ المَسجدِ نَحوُ القِنديلِ والحَصيرِ، بخِلافِ أنقاضِهِ؛ لِما قَدَّمْنا عنه قَريبًا مِنْ أنَّ الفتوَى على أنَّ المَسجدَ لا يَعودُ مِيراثًا، ولا يَجوزُ نَقلُه ونَقْلُ مالِه إلى مَسجدٍ آخَرَ … (١).
(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٥٨، ٣٥٩).
وقالَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ: إنَّ المَوقوفَ إذا تَعطَّلتْ مَنافعُه يَنقطعُ الوَقفُ ويَعودُ مِلكًا للواقِفِ.
قالوا: المَوقوفُ إذا تَعطَّلتْ مَنفعةُ المَوقوفِ بسَببٍ غَيرِ مَضمونٍ كأنْ جَفَّتِ الشَّجرةُ أو قلَعَها ريحٌ أو سَيلٌ أو نحو ذلكَ ولم يُمكِنْ إعادَتُها إلى مَغرسِها قبلَ جَفافِها، أو زَمِنَتِ الدابَّةُ لم يَنقطعِ الوَقفُ على المَذهبِ، بل يُنتفعُ بها جِذعًا بإجارةٍ وغَيرِها؛ إدامةً للوَقفِ في عَينِها، ولا تُباعُ ولا تُوهبُ؛ لخبَرِ: «لا تُباعُ».
وكذا الدابَّةُ الزمِنَةُ بحَيثُ صارَتْ لا يُنتفعُ بها، هذا إنْ أُكِلتْ؛ إذْ يَصحُّ بَيعُ لَحمِها بخِلافِ غَيرِها.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ: تُباعُ؛ لأنَّ مَنفعتَها بطَلَتْ، فكانَ بَيعُها أَولَى مِنْ تَركِها.
ويُشترى بالثَّمنِ مِثْلُها ليَكونَ وَقفًا مَكانَها أو بَعضُه؛ لأنه أقرَبُ إلى مَقصودِ الواقفِ.
وإِنْ لم يُنتفعْ بها إلا باستِهلاكِها بإحراقٍ أو نَحوِه ففيهِ خِلافٌ:
قِيلَ: يَنقطعُ الوَقفُ وتَصيرُ مِلكًا للمَوقوفِ عليه حِينئذٍ على المُعتمَدِ، لكنَّها لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، بل يُنتفعُ بعَينِها كأُمِّ الوَلدِ والأُضحِيةِ.
وقيلَ: لا تَصيرُ مِلكًا بحالٍ (١).
(١) «البيان» (٨/ ٩٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٧٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧٩)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٣١، ٥٣٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٥١، ٤٥٣)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٦٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥١٤)، و «الديباج» (٢/ ٥٣٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
جواز الوقف وكيفيته
ثُمَّ نَقُولُ: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى انْتَهَى بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ بِالطَّلَبِ بَقِيَ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَغْصُوبُ مَضْمُونُ الرَّدِّ حَالَ قِيَامِهِ وَمَضْمُونُ الْقِيمَةِ حَالَ هَلَاكِهِ، وَعِنْدَنَا إذَا هَلَكَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ضَمِنَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ فَنَعَمْ، لَكِنْ قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَمَعَ الْإِذْنِ أَوْلَى.
وَالْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْقَبْضِ بَلْ بِالْعَقْدِ بِطَرِيقِ التَّعَاطِي، بِشَرْطِ الْخِيَارِ الثَّابِتِ دَلَالَةً لِمَا عُلِمَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ هَرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَّنَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ حُنَيْنًا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ مِنْ السِّلَاحِ فَقَالَ: عَارِيَّةً أَوْ غَصْبًا فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : عَارِيَّةً، فَأَعَارَهُ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الضَّمَانَ، وَالْحَادِثَةُ حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا يَكُونُ الثَّابِتُ إلَّا إحْدَاهُمَا فَتَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ، مَعَ مَا أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ فَيَحْتَمِلُ ضَمَانَ الرَّدِّ، وَبِهِ نَقُولُ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى ضَمَانِ الْغَيْرِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا، مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» .
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ حَالِ الْمُسْتَعَارِ مِنْ الْأَمَانَةِ إلَى الضَّمَانِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.