الحالة الرابعة: أن يكون مجهول الابتداء معلوم الانتهاء (منقطع الابتداء متصل الانتهاء)

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الحالة الرابعة: أن يكون مجهول الابتداء معلوم الانتهاء (منقطع الابتداء متصل الانتهاء)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الحالة الرابعة: أن يكون مجهول الابتداء معلوم الانتهاء (منقطع الابتداء متصل الانتهاء) - الأقوال والأدلة

فالمَساكينُ أهلٌ لذلكَ، فصُرِفَ إليهم، إلَّا على قَولِ مَنْ قالَ أنه يُصرَفُ إلى وَرثةِ الواقفِ مِلكًا لهم، فإنه يُصرَفُ عند عَدمِهم إلى بَيتِ المالِ؛ لأنه بطَلَ الوَقفُ فيه بانقِطاعِه وصارَ مِيراثًا لا وارِثَ له فكانَ بَيتُ المالِ به أَولى (١).

الحالَةُ الرابِعةُ: أنْ يَكونَ مَجهولَ الابتِداءِ مَعلومَ الانتِهاءِ (مُنقطِعَ الابتِداءِ مُتصِلَ الانتِهاءِ):

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ الوَقفُ مُنقطِعَ الابتِداءِ مُتصِلَ الانتِهاءِ، مثلَ أنْ يَقفَ على عَبدِه ثمَّ على المَساكينِ، أو يَقفَ على كَنيسةٍ ثمَّ على المَساكينِ، أو يَقِفَ على نَفسِه -عندَ مَنْ لا يُجيزُ الوَقفَ على النَّفسِ، وهُم الجُمهورُ كما تقدَّمَ- ثُمَّ على المَساكينِ، أو يَقفَ على وَلدِه ولا وَلدَ له ثمَّ على المَساكينِ، أو على قَومٍ غيرِ مُعيَّنينَ ثمَّ على المَساكينِ، أو على زَيدٍ ثمَّ على الفُقراءِ فرَدَّ زيدٌ الوَقفَ -عندَ مَنْ يَقولُ باشتِراطِ القَبولِ- هل يَبطلُ الوَقفُ بهذا أم يَصحُّ؟

فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَقفَ باطلٌ؛ لأنَّ الأولَ باطِلٌ لعَدمِ إمكانِ الصَّرفِ إليهِ في الحالِ؛ لأنه لم يَجدْ مُستحِقًّا وابتِداءً صَحيحًا يُبنَى عليه، ولأنَّ الثَّاني فرعٌ لأصلٍ باطلٍ، فكانَ باطلًا، ومِثلُه الوَقفُ على مَسجدٍ سيُبنَى (٢).

(١) «المغني» (٥/ ٣٦٣، ٣٦٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٢، ٢٠٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٠١)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٧، ٣٢٨)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٩٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤١)
(٢) «المهذب» (١/ ٤٤١)، و «البيان» (٨/ ٧٠، ٧١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٥، ١٤٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٩)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٥١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٥)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٣، ٢٢٤)، و «المغني» (٥/ ٣٦٥).

وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَقفَ صَحيحٌ.

قالَ المالِكيةُ: الوَقفُ إذا كانَ مُنقطعَ الأولِ كالوَقفِ على نَفسِه أو على مَعصيةٍ أو على مَيتٍ لا يَنتفعُ ثمَّ على الفُقراءِ فإنَّ الوَقفَ يَبطلُ فيما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه، ويَصحُّ إذا أمكَنَ الوُصولُ إليهِ ولا يَضرُّ الانقِطاعُ؛ لأنَّ الوَقفَ نَوعٌ مِنْ التَّمليكِ في المَنافعِ أو الأعيانِ، فجازَ أنْ يَعُمَّ أو يَخُصَّ كالعَواري والهِباتِ والوَصايا (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ الوَقفُ مُنقطِعَ الابتِداءِ مثلَ أنْ يَقفَه على مَنْ لا يَجوزُ الوَقفُ عليه كنَفسِه أو أمِّ وَلدِه أو عَبدِه أو كَنيسةٍ أو مَجهولٍ، فإنْ لم يَذكرْ له ما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه فالوَقفُ باطِلٌ، وكذلكَ إنْ جعَلَ مآلَه ممَّا لا يَجوزُ الوَقفُ عليهِ؛ لأنه أخَلَّ بأحَدِ شَرطَي الوَقفِ، فبطَلَ كما لو وقَفَ ما لا يَجوزُ وَقفُه.

وإنْ جعَلَ له ما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه مثلَ أنْ يَقفَه على عَبدِه ثمَّ على المَساكينِ ففي صِحتِه وَجهانِ؛ بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ، وللشَّافعيِّ فيهِ قَولانِ كالوَجهَينِ.

(١) «الذخيرة» (٦/ ٣٣٩)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٢)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٤٦٣)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٤)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٥٩).

فإذا قُلنا: يَصحُّ -وهو قَولُ القاضي- وكانَ مَنْ لا يَجوزُ الوَقف عليه ممَّن لا يُمكِنُ اعتِبارُ انقِراضِه كالمَيتِ والمَجهولِ والكَنائسِ صُرِفَ في الحالِ إلى مَنْ يَجوزُ الوَقفُ عليه؛ لأنَّنا لمَّا صَحَّحْنا الوَقفَ مع ذِكرِ ما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه فقدْ ألغَيْناهُ؛ لتَعذُّرِ التَّصحيحِ مع اعتِبارِه.

وإنْ كانَ مَنْ لا يَجوزُ الوَقفُ عليه يُمكِنُ اعتِبارُ انقِراضِه كأمِّ وَلدِه وعَبدٍ مُعيَّنٍ فَفيهِ وَجهانِ:

أحَدُهما: أنه يَنصرفُ في الحالِ إلى مَنْ يَجوزُ الوَقفُ عليهِ كالتي قبلَها، ذكَرَه أبو الخطَّابِ.

الثَّاني: أنه يَنصرفُ في الحالِ إلى مَصرفِ الوَقفِ المُنقطِعِ إلى أنْ يَنقرِضَ مَنْ لا يَجوزُ الوَقفُ عليه، فإذا انقَرضَ صُرفَ إلى مَنْ يَجوزُ، وهذا الوَجهُ الذي ذكَرَه القاضي وابنُ عَقيلٍ؛ لأنَّ الواقفَ إنَّما جعَلَه وَقفًا على مَنْ يَجوزُ بشَرطِ انقِراضِ هذا، فلا يَثبتُ بدُونِه، وفارَقَ ما لا يُمكِنُ اعتِبارُ انقِراضِه، فإنه تَعذَّرَ اعتِبارُه، ولأصحابِ الشافِعيِّ وَجهانِ كهذَينِ (١).

وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: ووَقفٌ مُنقطِعُ الابتِداءِ فقط كوَقفِه على نَفسِه أو على عَبدِه ثمَّ على وَلدِه ثمَّ الفُقراءِ يُصرَفُ في الحالِ إلى مَنْ بعدَه، فيُصرَفُ لوَلدِه في الحالِ؛ لِما تَقدَّمَ مِنْ أنَّ وُجودَ مَنْ لا يَصحُّ الوَقفُ عليه كعَدمِه (٢).

(١) «المغني» (٥/ ٣٦٥)، و «الكافي» (٢/ ٤٥٣).
(٢) «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤٥، ٣٤٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٧)، ويُنظَر: الشرح الكبير» (٦/ ٢٠١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٠١)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٧٠، ٣٢٨)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٩٩).

وقالَ الشافِعيةُ في القَولِ الثَّاني: يَصحُّ الوَقفُ؛ لأنه لمَّا بطَلَ الأولُ صارَ كأنْ لم يَكنْ، وصارَ الثَّاني أصلًا.

قالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: فإذا قُلْنا أنه يَصحُّ، فإنْ كانَ الأولُ لا يُمكِنُ اعتِبارُ انقِراضِه كرَجلٍ غيرِ مُعيَّنٍ صُرِفَ إلى مَنْ بعدَه وهُم الفُقراءُ؛ لأنه لا يُمكنُ اعتِبارُ انقِراضِه، فسقَطَ حُكمُه.

وإنْ كانَ يُمكنُ اعتِبار انقِراضِهِ كالعَبدِ ففيهِ أوجُهٌ:

أحَدُهما: يُنقَلُ في الحالِ إلى مَنْ بعدَه؛ لأنَّ الذي وُقفَ عليه في الابتِداءِ لم يَصحَّ الوَقفُ عليه، فصارَ كالمَعدومِ.

والثَّاني وهو المَنصوصُ: أنه للواقِفِ ثمَّ لوارثِهِ إلى أنْ يَنقرضَ المَوقوفُ عليه، ثمَّ يُجعلَ لمَن بعدَه؛ لأنه لم يُوجدْ شَرطُ الانتِقالِ إلى الفُقراءِ، فبَقيَ على مِلكِه.

والثَّالثُ: أنه يَكونُ لأقرِباءِ الواقفِ إلى أنْ يَنقرضَ المَوقوفُ عليه ثمَّ يُجعلَ للفُقراءِ؛ لأنه لا يُمكنُ تَركُه على الواقفِ؛ لأنه أزالَ المِلكَ فيهِ، ولا يُمكنُ أنْ يُجعلَ للفُقراءِ؛ لأنه لم يُوجَدْ شَرطُ الانتِقالِ إليهِم، فكانَ أقرِباءُ الواقفِ أحَقَّ.

وهَل يَختصُّ به فُقراؤُهم؟ أو يَشتركُ فيهِ الفُقراءُ والأغنياءُ؟ على ما ذَكَرناهُ مِنْ القَولينِ (١).

(١) «المهذب» (١/ ٤٤٢)، ويُنظَر: «البيان» (٨/ ٧٠، ٧١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٥، ١٤٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٩)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٥١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٥)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٣، ٢٢٤).

وقالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: تَنبيهٌ: عُلِمَ مِنْ هذا أنَّ مُنقطِعَ الأولِ ومُنقطِعَ الوَسطِ يُصرَفُ إلى الفُقراءِ (١).

وقالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: إذا سَمَّى جِهةً تَنقطعُ جازَ وصارَ بعدَها للفُقراءِ، وإنْ لم يُسَمِّهم صارَ وَقفًا مُؤبَّدًا وإنْ لم يَذكُرِ التأبيدَ؛ لأنَّ لفْظَ الوَقفِ والصَّدقةِ مُنبئٌ عنه، فيُصرَفُ إلى الجِهةِ التي سَمَّاها مدَّةَ دَوامِها، ويُصرفُ بعدَها للفُقراءِ وإنْ لم يُسَمِّهم.

وذلكَ مِثل أنْ يَقولَ: «جَعَلتُها صَدقةً مَوقوفَةً للهِ تعالى أبدًا على وَلدِ فُلانٍ ووَلدِ وَلدِه» ولم يَذكُرِ الفُقراءَ ولا المَساكينَ؛ وذلكَ لأنه إذا جعَلَها للهِ فقدْ أبَّدَها؛ لأنَّ ما يَكونُ للهِ فهو يَنصرفُ إلى المَساكينِ، فصارَ كما لو ذكَرَهُم.

لأنَّ المَقصودَ منه هو التَّقربُ إلى اللهِ تعالى به، وذلكَ يَحصلُ بجِهةٍ تَنقطعُ كما يَحصلُ بجِهةٍ لا تَنقطعُ، ثمَّ يَصيرُ بعدَها للفُقراءِ (٢).

(١) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١٤١).
(٢) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٣)، و «العناية شرح الهداية» (٨/ ٣٣١، ٣٣٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠١)، و «اللباب» (١/ ٦٢١)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٤، ٢١٢)، و «ابن عابدين» (٤/ ١٤١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
باب نكاح المحرم

باب نكاح المحرم

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أخبرنا مالكٌ عن نافعٍ عن نبيه بين وهب عن أبان بن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " لا يَنكح المحرم ولا يُنكح " وقال بعض الناس رُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نكح ميمونة رضي الله عنها وهو محرمٌ قلت رواية عثمان ثابتةٌ ويزيد بْنَ الْأَصَمِّ ابْنُ أُخْتِهَا وَسُلَيْمَانَ بْنَ يسارٍ عتيقها أو ابن عتيقها يقولان نكحها وهو حلالٌ وثالثٌ وهو سعيد بن المسيب وينفرد عليك حديث عثمان الثابت وقلت أليس أعطيتني أنه إذا اختلفت الرِّوَايَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نظرت فيما فعل أصحابه من بعده فأخذت به وتركت الذي يخالفه؟ قال بلى قلت فعمر بن الخطاب ويزيد بن ثابت يردان نكاح المحرم وقال ابن عمر لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا أعلم لهما مخالفاً فلم لا قلت به؟ (قال الشافعي) فإن كان المحرم حاجّاً فحتى يرمي ويحلق ويطوف بالبيت يوم النحر أو بعده وإن كان معتمراً فحتى يطوف بالبيت ويسعى ويحلق فإن نكح قبل ذلك فمفسوخٌ والرجعة والشهادة على النكاح ليسا بنكاحٍ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ لَا يَجُوزُ، وَدَلَّلْنَا عَلَيْهِ وذكرنا ما خَالَفَنَا فِيهِ، وَنَحْنُ الْآنَ نُشِيرُ إِلَيْهِ، مَتَى عُقِدَ النِّكَاحُ وَالزَّوْجُ، أَوِ الزَّوْجَةُ، أَوِ الْوَلِيُّ مُحْرِمٌ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ.

وَقَالَ مَالِكٌ: صَحِيحٌ وَيُفْسَخُ بِطَلْقِةٍ.

وَقَالَ أبو حنيفة: نِكَاحُهُ جَائِزٌ وَلَا يَلْزَمُ فَسْخَهُ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 294 - 298

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده