الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الشرط الثالث: التأبيد، فلا يصح توقيت الوقف بمدة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةفَصلٌ: وإنْ شرَطَ في الوَقفِ أنْ يُخرِجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ ويُدخِلَ مَنْ شاءَ مِنْ غَيرِهم لم يَصحَّ؛ لأنه شَرطٌ يُنافي مُقتضَى الوَقفِ، فأفسَدَه كما لو شرَطَ أنْ لا يَنتفِعَ، وإنْ شرَطَ للنَّاظرِ أنْ يُعطيَ مَنْ يَشاءُ مِنْ أهلِ الوَقفِ ويَحرِمَ مَنْ يَشاءُ جازَ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بإخراجٍ للمَوقوفِ عليه مِنْ الوَقفِ، وإنَّما علَّقَ استِحقاقَ الوَقفِ بصِفةٍ، فكأنهُ جعَلَ له حقًّا في الوَقفِ إذا اتَّصَفَ بإرادةِ الوَالي لعَطيَّتِه ولمْ يَجعلْ له حقًّا إذا انتَفتْ تِلكَ الصِّفةُ فيه، فأشبَهَ ما لو وقَفَ على المُشتغِلينَ بالعِلمِ مِنْ ولَدِه، فإنهُ يَستحِقُّ مِنهم مَنْ اشتَغلَ به دونَ مَنْ لم يَشتَغلْ، فلو ترَكَ المُشتغِلُ الاشتِغالَ زالَ الاستِحقاقُ، وإذا عادَ إليه عادَ استِحقاقُه، واللهُ أعلَمُ (١).
الشَّرطُ الثَّالثُ: التَّأبيدُ، فلا يَصحُّ تَوقيتُ الوَقفِ بمدَّةٍ:
اختَلفَ الفُقَهاءُ في الوَقفِ هل يُشتَرطُ فيهِ التَّأبيدُ؟ أم يَجوزُ أنْ يُؤقَّتَ بمدَّةٍ ثمَّ يَرجعُ بعدَها إلى مِلكِ الواقفِ؟ وما الحُكمُ إذا وقَّتَه هل يَصحُّ مع فَسادِ التَّوقيتِ؟ أم يَبطلُ الوَقفُ لفَسادِ الصِّيغةِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ، بأنْ يَجعلَ آخِرَه لجِهةٍ لا تَنقطِعُ أبَدًا؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ الوَقفِ التَّأبيدُ كالعِتقِ، وهذا كقَولِه: «جَعلْتُ أَرضي هذه صَدقةً مَوقوفةً على أولادِ فُلانٍ ما تَناسَلُوا فإذا انقَرضُوا كانَتْ غلَّتُها للمَساكينِ»؛ لأنَّ أثَرَ المَساكينِ لا يَنقطعُ أبَدًا، وإذا لم يَقُلْ ذلكَ لم يَصحَّ؛
(١) «المغني» (٥/ ٣٥٣).
لأنَّ وُقوفَ السَّلفِ كلَّها وُقوفُ بَتاتٍ في أصلِها، وشُروطَهم فيها أنْ لا تُباعَ ولا تُوهَبَ ولا تُورثَ، وإنَّما يُريدونَ بذلكَ أنْ لا رَجعةَ لهم فيها، فكلُّ ما كانَ مِنْ الوَقفِ على وُقوفِهم لا مَثنَوِيَّةَ -أي: استِثناءَ- فيه فهو جائِزٌ، وما كانَ فيهِ الرَّجعةُ فلا يَجوزُ؛ لأنه خِلافُ وُقوفِهم.
قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: لا يَتمُّ الوَقفُ حتى يَجعلَ آخِرَه لجِهةٍ لا تَنقطِعُ أبدًا كالمَساكينِ ومَصالحِ الحَرمِ والمَساجدِ، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَسجدٍ مُعَيَّنٍ ولم يَجعلْ آخِرَه لجِهةٍ لا تَنقطِعُ لا يَصحُّ؛ لاحتِمالِ أنْ يَخربَ المَوقوفُ عليه؛ لأنَّ مَقصودَ الوَقفِ التَّأبيدُ كالعِتقِ، وهذا كقَولِه: «جَعلْتُ أَرضي هذهِ صَدقةً مَوقوفةً على أولادِ فُلانٍ ما تَناسَلُوا فإذا انقَرضُوا كانَتْ غلَّتُها للمَساكينِ»؛ لأنَّ أثَرَ المَساكينِ لا يَنقطعُ أبَدًا، وإذا لم يَقُلْ ذلكَ لم يَصحَّ؛ لأنَّ شرْطَ جَوازِه عندَهُما أنْ يَكونَ مُؤبَّدًا، فإذا عيَّنَ جِهةً تَنقطِعُ صارَ مُؤقَّتًا مَعنًى، فلا يَجوزُ؛ لأنَّ حُكمَ الوَقفِ زَوالُ المِلكِ بغَيرِ التَّمليكِ وأنه بالتَّأبيدِ كالعِتقِ، ولهذا كانَ التَّوقيتُ مُبطِلًا له كالتَّوقيتِ في البَيعِ.
وقالَ أبو يُوسفَ: إذا سَمَّى جِهةً تَنقطِعُ جازَ وصارَ بعدَها للفُقراءِ، وإنْ لم يُسمِّهِمْ صارَ وَقفًا مُؤبَّدًا وإنْ لم يَذكُرِ التَّأبيدَ؛ لأنَّ لفْظَ الوَقفِ والصَّدقةِ مَبنِئٌ عنه، فيُصرَفُ إلى الجِهةِ التي سَمَّاها مُدَّةَ دَوامِها، ويُصرفُ بعدَها للفُقراءِ وإنْ لم يُسمِّهمْ، وذلكَ مِثلَ أنْ يَقولَ: «جَعلْتُها صَدقةً مَوقوفةً للهِ تعالى أبَدًا على ولَدِ فُلانٍ وولَدِ ولَدِه» ولمْ يَذكُرِ الفُقراءَ ولا المَساكينَ؛ وذلكَ لأنهُ إذا جعَلَها للهِ فقدْ أبَّدَها؛ لأنَّ ما يَكونُ للهِ فهو يَنصرِفُ إلى
المَساكينِ، فصارَ كما لو ذكَرَهم، ولأنَّ المَقصودَ منه هو التَّقربُ إلى اللهِ تعالى بهِ، وذلكَ يَحصلُ بجِهةٍ تَنقطِعُ كما يَحصلُ بجِهةٍ لا تَنقطعُ ثمَّ يَصيرُ بعدَها للفُقراءِ.
وقيلَ: إنَّ التَّأبيدَ شَرطٌ بالإجماعِ، إلا أنه عندَ أبي يُوسفَ لا يُشترطُ ذِكرُ التَّأبيدِ؛ لأنَّ لفْظَ الوَقفِ والصَّدقةِ يُنبِئُ عنه؛ لأنهُ إزالةُ المِلكِ بدونِ التَّمليكِ كالعِتقِ، وصارَ بعدَها للفُقراءِ وإنْ لم يُسمِّهمْ، وهذا هو الصَّحيحُ، وعندَ مُحمدٍ ذِكرُ التَّأبيدِ شَرطٌ؛ لأنَّ هذا صَدقةٌ بالمَنفعةِ أو الغلَّةِ، وذلكَ قد يَكونُ مُؤقَّتًا وقد يَكونُ مُؤبَّدًا، فمُطلَقُه لا يَنصرفُ إلى التَّأبيدِ، فلا بُدَّ مِنْ التَّنصيصِ عليه (١).
وقالَ هِلالُ الرَّأيِ رحمة الله عليه: أرَأيتَ رَجلًا قالَ: أَرضِي صَدقةٌ مَوقوفةٌ شَهرًا؟ قالَ: الوَقفُ صَحيحٌ جائِزٌ، وهي مَوقوفةٌ أبَدًا.
قُلتُ: وكذلكَ لو قالَ «يَومًا»؟ قالَ: نعمْ.
قُلتُ: فإذا مَضى ذلكَ اليومُ؟ قالَ: فهيَ وَقفٌ أبَدًا في ذلكَ اليومِ وبعدَه أبَدًا.
قُلتُ: أرَأيتَ إذا قالَ: أَرضِي هذهِ صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ تعالى أبَدًا شَهرًا، فإذا مَضى ذلكَ الشَّهرُ فهيَ مُطلَقةٌ؟ قالَ: الوَقفُ باطِلٌ لا يَجوزُ.
(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٣)، و «العناية شرح الهداية» (٨/ ٣٣١، ٣٣٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠١)، و «اللباب» (١/ ٦٢١)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٤، ٢١٢)، و «ابن عابدين» (٤/ ١٤١).
قُلتُ: ولمَ قُلتَ ذلكَ؟ قالَ: لأنه لمَّا قالَ: «مَوقوفةٌ شَهرًا» فلمْ يَشترطْ بعد الشَّهرِ فيها شَيئًا، فلمَّا لم يَشترطْ ذلكَ كانَتْ مَوقوفةً أبَدًا، وهذا بمَنزلةِ قَولِه: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ على فُلانٍ» ولمْ يَزِدْ على ذلكَ، وإذا ماتَ فُلانٌ كانَتْ للمَساكينِ وهي مَوقوفة أبَدًا، وأمَّا إذا قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ شَهرًا، فإذا مَضى ذلكَ الشَّهرُ كانَتْ مُطلَقةً» فالوَقفُ باطِلٌ لا يَجوزُ؛ لأنه شرَطَ الرَّجعةَ فيهِ ولم يَشترطْ في البابِ الأوَّلِ رَجعةً بعدَ مُضيِّ الوَقتِ، فإذا لم يَشترطِ الرَّجعةَ فيهِ فكأنهُ قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» وسكَتَ (١).
وقالَ في «الإسْعَاف»: والثالثُ: ذِكرُ التأبيدِ أو ما يَقومُ مَقامَه كالصَّدقةِ ونَحوِها شَرطٌ عندَ مُحمدٍ رحمة الله عليه، وليسَ بشَرطٍ عندَ أبي يُوسفَ رحمة الله عليه، فلو قالَ: «وَقَفتُ أَرضِي هذهِ، أو قالَ: جَعلْتُها مَوقوفةً» ولمْ يَزِدْ عليه جازَ عندَه وصارَتْ وَقفًا على الفُقراءِ، وبه أَفتَى مَشايخُ بَلْخٍ وعليه الفتوَى؛ لأنَّ قَولَه: «وَقَفتُ» يَقتضي إزالتَه إلى اللهِ تعالى ثُمَّ إلى نائِبِه وهو الفَقيرُ، وذا يَقتضي التَّأبيدَ، فلا حاجةَ إلى ذِكرِه كالإعتاقِ، وعندَ مُحمدٍ لا يَجوزُ؛ لأنَّ مُوجَبَه زَوالُ المِلكِ بدُونِ التَّمليكِ، وذلكَ بالتَّأبيدِ كالعتقِ، وإذا لم يَتأبَّدْ لم يَتوفَّرْ عليهِ مُوجبِه، ولهذا يُبطِلُه التَّأقيتُ كما يُبطلُ البَيعَ.
ولو قالَ: «وَقَفتُ أَرضِي هذه على عِمارةِ المَسجدِ الفُلانِيِّ» يَجوزُ عندهُ؛ لأنه لو لم يَزِدْ على قَولِه: «وَقَفتُ» يَجوزُ عندَه، فبالأَوْلى إذا عيَّنَ جِهةً، ولا يَجوزُ عند مُحمدٍ؛ لاحتِمالِ خَرابِ ما حَوْلَه، فلا يَكونُ مُؤبَّدًا،
(١) «أحكام الوقف» (١٥١، ١٥٢).
وعن أبي بَكرٍ الأعمَشِ: يَنبغِي أنْ يَجوزَ على الاتِّفاقِ؛ لأنَّ الوَقفَ على عِمارةِ المَسجدِ بمَنزلةِ جَعلِ الأرضِ مَسجدًا أو بمَنزلةِ زيادةٍ في المَسجدِ، قالَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ: هذا القَولُ أصَحُّ إليَّ، وقالَ أبو بَكرٍ الإسكافُ: يَنبغي ألَّا يَصِحَّ هذا عندَ الكُلِّ؛ لأنَّ الوَقفَ على المَسجدِ وَقفٌ على عِمارتِه، والمَسجدُ يَكونُ مَسجدًا بدُونِ البِناءِ، فلا تَكونُ عِمارةُ البِناءِ ممَّا يَتأبَّدُ، فلا يَصِحُّ الوَقفُ، والأولُ أوجَهُ.
ولو قالَ: «وَقَفتُ أَرضِي هذهِ على ولَدِي وولَدِ وَلَدي ونَسلِهم أبدًا» يَصحُّ عند أبي يُوسفَ، فإذا انقَرَضُوا تَكونُ الغلَّةُ للفُقراءِ، ولا يَصحُّ عند مُحمدٍ؛ لاحتِمالِ الانقِطاعِ.
ولو قالَ: «وَقَفتُ أرضي هذه على وَلَدِ زَيدٍ» أو ذكَرَ جَماعةً بأعيانِهم لم يَصحَّ عندَ أبي يُوسفَ أيضًا؛ لأنَّ تَعيينَ المَوقوفِ عليه يَمنعُ إرادةَ غَيرِه، بخِلافِ ما إذا لم يُعيِّنْ؛ لجَعلِه إيَّاه وَقفًا على الفُقراءِ، ألَا تَرَى الفرقَ بينَ قَولِه: «أرضي هذه مَوقوفةٌ» وبينَ قولِه: «مَوقوفةٌ على وَلَدي»، فصحَّحَ الأولَ دونَ الثَّاني؛ لأنَّ مُطلَقَ قَولِه: «مَوقوفةٌ» يَنصرفُ إلى الفُقراءِ عُرفًا، فإذا ذكَرَ الولدَ صارَ مُقيَّدًا، فلا يَبقى العُرفُ، فظهَرَ بهذا أنَّ الخِلافُ بينَهُما في اشتِراطِ ذِكرِ التَّأبيدِ وعَدمِه إنَّما هو في التَّنصيصِ عليه أو على ما يَقومُ مَقامَه كالفُقراءِ ونحوِهم، وأمَّا التأبيدُ مَعنًى فشَرطٌ اتِّفاقًا على الصَّحيحِ، وقد نَصَّ عليهِ مُحقِّقُو المَشايخِ رحمهم الله (١).
(١) «الإسعاف» (١٦، ١٧).
وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ، بأنْ يَقِفَ على مَنْ لا يَنقرضُ كالفُقراءِ والمَساكينِ، أو على مَنْ يَنقرضُ ثُمَّ على مَنْ لا يَنقرضُ كقَولِه: «وَقَفتُ على وَلَدي ثُمَّ على الفُقراءِ، أو على زَيدٍ ثُمَّ عَقبِه ثمَّ الفُقراءِ».
فلو قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ هذا على الفُقراءِ أو على كذا سَنةً» مثلًا فباطِلٌ هذا الوَقفُ؛ لفَسادِ الصِّيغةِ؛ لأنَّ وضْعَه على التأبيدِ، وسَواءٌ في ذلكَ طَويلُ المدَّةِ وقَصيرُها، فإنْ أعقَبَه بمَصرِفٍ ك: «وَقَفتُه على زَيدٍ سَنةً ثُمَّ على الفُقراءِ» صَحَّ بلا خِلافٍ، ورُوعِيَ فيه شَرطُ الواقفِ.
وهذا فيما لا يُضاهِي التَّحريرَ، أمَّا ما يُضاهيهِ كالمَسجدِ والمَقبرةِ والرِّباطِ كقولِه: «جَعلتُه مَسجدًا سَنةً» فإنه يَصحُّ مُؤبَّدًا (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ، فلو قالَ: «وَقَفتُه إلى سَنةٍ» لم يَصِحَّ الوَقفُ، أو قالَ: «وَقَفتُه إلى يَومِ يَقدمُ الحاجُّ» ونحوَه -أي: نحوَ ما ذُكِرَ ممَّا فيه تَأقيتُ الوَقفِ- لم يَصحَّ الوَقفُ؛ لأنَّ مُقتضاهُ التَّأبيدَ، والتَّأقيتُ يُنافيهِ.
وإنْ قالَ: «وَقَفتُ دارِي مثلًا على أولادِي سَنةً أو مُدَّةَ حَياتي ثُمَّ على الفُقراءِ» صَحَّ الوَقفُ؛ لاتِّصالِه ابتِداءً وانتِهاءً، وكذا لو وقَفَه على ولَدِه سَنةً ثُمَّ على زيدٍ سَنةً ثُمَّ على عَمرٍو سَنةً ثمَّ على المَساكينِ.
(١) «الإقناع» (٢/ ٣٦٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٨)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٢)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٢).
وإنْ قالَ: «وَقَفتُ على الفُقراءِ ثمَّ على أولادي» صَحَّ للفُقراءِ فقط؛ لأنَّ «ثُمَّ» للتَّرتيبِ، فلا يُصرَفُ لأولادِه إلَّا بعدَ انقِراضِ الفُقراءِ، والعادةُ لم تَجْرِ بانقِراضِهم (١).
وذهَبَ المالِكيةُ وابنُ سُريجٍ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنه لا يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ، بل يَصحُّ أنْ يُوقِفَ الشيءَ مدَّةَ سَنةٍ مثلًا ثمَّ يَجعلُه بعدَها مِلكًا له أو لغَيرِه.
ويَجوزُ التَّصرفُ فيه بكُلِّ ما يَجوزُ التَّصرفُ به في غيرِ المَوقوفِ، ومَن قالَ: «دارِي حَبسٌ على عَقِبي وهي لآخِرِهم مِلكًا» فهي لآخِرِهم، أو قالَ: «على أنَّ مَنْ احتاجَ منهُم باعَ، أو أنَّ العَينَ المُحبسةَ تَصيرُ لآخِرِهم مِلكًا» صَحَّ واتُّبعَ الشَّرطُ.
ولا يُشترطُ أنْ يَكونَ مالِكًا لرَقبةِ الوَقفِ، بل يَجوزُ وَقفُ الرقبةِ ووَقفُ المَنفعةِ بأنْ يَستأجِرَ أرضًا أو بيتًا سِنينَ ليَتَّخذَه مَسجدًا، ويَنتهي الوَقفُ بانتِهاءِ المُدَّةِ؛ لأنه لا يُشترطُ فيه التَّأبيدُ (٢).
(١) يُنظَر: «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤٤)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٨)، و «الإنصاف» (٧/ ٣٥)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٢٧).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٤، ٤٧٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩١)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٢)، و «منح الجليل» (٨/ ١٤٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤١، ٦٥٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٣٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الشرائط التي ترجع إلى الموقوف
ثُمَّ التَّسْلِيمُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ قَيِّمًا وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بِإِذْنِهِ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمة الله عليه فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَصَلَّى وَاحِدٌ كَانَ تَسْلِيمًا، وَيَزُولُ مِلْكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَشْرُطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ شَيْئًا، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ شَرْطٌ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذَا إخْرَاجُ الْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعْلُهُ خَالِصًا لَهُ، وَشَرْطُ الِانْتِفَاعِ لِنَفْسِهِ يَمْنَعُ الْإِخْلَاصَ فَيَمْنَعُ جَوَازَ الْوَقْفِ، كَمَا إذَا جَعَلَ أَرْضَهُ أَوْ دَارِهِ مَسْجِدًا وَشَرَطَ مِنْ مَنَافِعِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ خِدْمَتَهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ وَقَفَ وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَكَانَ يَلِي أَمْرَ وَقْفِهِ بِنَفْسِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ بَيْعَ الْوَقْفِ وَصَرْفَ ثَمَنِهِ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ شَرْطٌ لَا يُنَافِيهِ الْوَقْفُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ بَابُ الْمَسْجِدِ إذَا خَلِقَ، وَشَجَرُ الْوَقْفِ إذَا يَبِسَ (وَمِنْهَا) أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهُ بِجِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ…
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.