الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الشرط الرابع: ذكر مصرف الوقف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةوذهَبَ الحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يَصحُّ الوَقفُ ويُصرفُ بعدَ السَّنةِ أو المُدَّةِ مَصرِفَ مُنقطِعِ الانتِهاءِ كالفُقراءِ والمَساكينِ (١).
وكذا قالَ ابنُ مُفلحٍ رحمة الله عليه في «المُبدِع»: وإذا قالَ: «وَقَفتُ داري سَنةً» لم يَصحَّ؛ لأنَّ مُقتَضى الوَقفِ التَّأبيدُ، وهذا يُنافيهِ، فلو قالَ: «وَقَفتُ هذا على ولَدِي سَنةً ثمَّ على المَساكينِ» صَحَّ، ويُحتَملُ أنْ يَصحَّ؛ لأنه مُنقطِعُ الانتِهاءِ، وقد بيَّنَّا صحَّتَه، وحينَئذٍ يُصرَفُ بعدَها -أي بعدَ السَّنةِ- مَصرِفَ المُنقطِعِ، أي: مُنقطِعِ الانتِهاءِ (٢).
وفي قَولٍ ثالثٍ للشافِعيةِ أنه يُلغَى التَّأقيتُ ويَصحُّ الوَقفُ مُؤبَّدًا، وهو قَريبٌ مِنْ قَولِ الحَنابلةِ السَّابقِ.
وفي قَولٍ رابعٍ للشافِعيةِ: أنَّ الوَقفَ الذي لا يُشترطُ فيهِ القَبولُ -وهو الوَقفُ على كالفُقراءِ والمَساجدِ والرِّباطِ- لا يَفسدُ بالتَّأقيتِ، والذي يُشترطُ فيهِ القَبولُ -كالوَقفِ على شَخصٍ أو جَماعةٍ مُعيَّنينَ- يَفسدُ به (٣).
الشَّرطُ الرابعُ: ذِكرُ مَصرِفِ الوَقفِ:
الأصلُ في الوَقفِ أنْ يَذكُرَ الواقفُ مَصرِفَ الوَقفِ، فإنْ قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ» وسكَتَ ولم يَذكُرْ مَصرِفَه فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيهِ، هل يَصحُّ الوَقفُ ويَلزمُ؟ أم لا بُدَّ مِنْ أنْ يَذكرَ الجِهةَ التي يُصرَفُ فيها الوَقفُ؟
(١) «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٦)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٩).
(٢) «المبدع» (٥/ ٣٢٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٩).
(٣) «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٢).
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ -وعليهِ الفتوَى- والمالِكيةُ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ-اختارَه الشَّيخُ أبو حامدٍ صاحِبُ «المُهذَّب» والرويانِيُّ ومالَ إليهِ السُّبكيُّ- إلى أنه لا يُشترطُ ذِكرُ الجِهةِ، فلو قالَ: «وقَفْتُ» وسكَتَ صَحَّ الوَقفُ، ويُصرفُ بعدَ ذلكَ للفُقراءِ والمَساكينِ إذا لم يَكنْ هُناكَ عُرفٌ، كما لو نذَرَ هَدْيًا أو صَدقةً ولم يُبيِّنِ المَصرِفَ، ولأنه إزالةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ كالأُضحيةِ، ولأنَّ المالكَ هو اللهُ ﷾، ولحَديثِ أبي طَلحةَ وأبي الدَّحداحِ رضي الله عنهما، وكما لو قالَ: «أوصَيتُ بثُلثِي» فإنه يَصِحُّ ويُصرَفُ إلى المَساكينِ.
قالَ المالِكيةُ: لا يُشترطُ في الوَقفِ تَعيينُ المَصرِفِ في مَحلِّ صَرفِه، فجازَ أنْ يَقولَ: «أوقَفتُه للهِ تعالى» مِنْ غيرِ تَعيينِ مَنْ يُصرَفُ له، ويَلزمُ بهذا ويُصرَفُ ريعُه إنْ تَعذَّرَ سُؤالِ المُحبِّسِ في غالبِ عُرفِهم كأهلِ العِلمِ أو القِراءةِ، فإنْ لم يَكنْ غالِبٌ في عُرفِهم فيُصرَفُ على الفُقراءِ (١).
وقالَ الشِّيرازيُّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وإنْ وقَفَ وَقفًا مُطلَقًا ولم يَذكرُ سَبيلَه ففيهِ قَولانِ:
أحَدُهما: أنَّ الوَقفَ باطِلٌ؛ لأنهُ تَمليكٌ، فلا يَصحُّ مُطلَقًا، كما لو قالَ: «بِعتُ داري ووَهبتُ مالي».
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩١)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٢)، و «منح الجليل» (٨/ ١٤٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤١، ٦٥٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٣٩).
والثَّاني: يَصحُّ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنه إزالةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ، فصَحَّ مُطلَقًا كالأُضحيةِ، فعلى هذا يَكونُ حُكمُه حُكمَ الوَقفِ المُتصِلِ الابتِداءِ المُنقطِعِ الانتهاءِ، وقد بيَّنَّاه (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قالَ: «وَقَفتُ هذا» وسكَتَ، أو قالَ «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» ولم يَذكُرْ سَبيلَه فلا نَصَّ فيه، وقالَ ابنُ حامِدٍ: يَصحُّ الوَقفُ، قالَ القاضي: هو قِياسُ قَولِ أحمدَ، فإنه قالَ في النَّذرِ المُطلَقِ: يَنعقِدُ مُوجِبًا لكَفَّارةِ يَمينٍ، وهذا قَولُ مالكٍ والشافعيِّ في أحَدِ قَوليهِ؛ لأنه إزالةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ، فوجَبَ أنْ يَصحَّ مُطلَقُه كالأُضحيةِ والوَصيةِ، ولو قالَ: «وَصَّيتُ بثُلثِ مالي» صَحَّ، وإذا صَحَّ صُرِفَ إلى مصارِفِ الوَقفِ المُنقطِعِ بعدَ انقِراضِ المَوقوفِ عليه (٢).
وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: حُكمُه حُكمُ الوَقفِ المُنقطِعِ الانتِهاءِ في مَصرِفِه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ كما قالَه المُصنِّفُ هُنا، وقطَعَ به القاضي في «المُجَرَّد» وابنُ عَقيلٍ، واختارَهُ صاحِبُ «التَّلخِيص» وغيرُه، وجزَمَ به في «الرِّعايَة الصُّغرى» و «الحاوي الصَّغير» و «الوَجيز» وغيرِهم، وقَدَّمَه في «الفُروع» و «الرِّعاية الكُبْرى» وقالَ: نَصَّ عليه.
وقالَ القاضي وأصحابُه: يُصرَفُ في وُجوهِ البِرِّ.
(١) «المهذب» (١/ ٤٤٢).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٦٤)، ويُنظَر: «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٢).
قالَ الحارِثيُّ: الوَجهُ الثَّاني: يُصرَفُ في وُجوهِ البِرِّ والخيرِ، قطَعَ به القاضي في «التَّعليق الكَبير» و «الجامِع الصَّغيرِ» وأبو عليٍّ بنُ شِهابٍ وأبو الخطَّابِ في «الخِلاف الصَّغير» والشَّريفانِ أبو جَعفرٍ والزَّيديُّ وأبو الحُسينِ القاضي والعُكبَريُّ في آخَرِينَ.
وفي عِبارةِ بَعضِهم: وكانَ لجَماعةِ المُسلمينَ.
وفي بَعضِها: صُرِفَ في مَصالحِ المُسلمينَ، والمعنَى مُتحِدٌ.
قالَ في «عُيون المَسائِلِ» في هذهِ المَسألةِ: وفي قَولِه: «تَصدَّقتُ» تَكونُ لجَماعةِ المُسلمينَ (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلَفوا فيما إذا وقَفَ مَوضعًا وَقفًا مُطلَقًا ولَم يُعَيِّنْ له وَجهًا، فقالَ مالكٌ وأحمَدُ: يَصحُّ ويُصرَفُ إلى البِرِّ والخيرِ، وقالَ الشافِعيُّ: هو باطِلٌ في الأظهَرِ مِنْ قَوليهِ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ -وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ كما سَيأتي- إلى أنه يُشترطُ بَيانُ المَصرِفِ، فلو قالَ: «وَقَفتُ كذا» واقتَصرَ عليه ولم يَذكرْ مَصرِفَه بطَلَ الوَقفُ ولو قالَ «للهِ تعالَى»؛ لأنَّ الوَقفَ يَقتضِي التَّمليكَ، فإذا لم يُعيِّنِ المالِكَ بطَلَ، كما لو قالَ: «بِعتُ داري بعَشرةٍ، أو وَهبتُها» ولم يَقلْ لمَن، ولأنه لو قالَ: «وَقَفتُ على جَماعةٍ» لم يَصحَّ؛ لجَهالةِ المَصرفِ، فإذا لم يَذكُرِ المَصرفَ فأَولى ألا يَصحَّ.
(١) «الإنصاف» (٧/ ٣٥)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٥).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٥٠).
والثَّاني: يَصحُّ، وإليه مَيلُ الشَّيخِ أبي حامِدٍ واختارَه صاحِبُ «المُهَذَّب» والرويانِيُّ ومالَ إليهِ السُّبكيُّ، كما لو نذَرَ هَديًا أو صَدقةً ولم يُبيِّنِ المَصرفَ، ولأنه إِزالةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ كالأُضحيةِ، ولأنَّ المالِكَ هو اللهُ، ولحَديثِ أبي طَلحةَ وأبي الدَّحداحِ رضي الله عنهما، وكما لو قالَ: «أوصَيْتُ بثُلثي» فإنه يَصحُّ ويُصرَفُ إلى المَساكينِ.
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذا إنْ كانَ مُتفَقًا عليه فالفَرقُ مُشكِلٌ.
قُلْتُ: الفرقُ أنَّ غالِبَ الوصَايا للمَساكينِ، فحُمِلُ المُطلَقُ عليه، بخِلافِ الوَقفِ، ولأنَّ الوَصيةَ مَبنيَّةٌ على المُساهَلةِ، فتَصحُّ بالمَجهولِ والنَّجسِ وغَيرِ ذلكَ، بخِلافِ الوَقفِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وعلى القَولِ بالصِّحةِ فَفي مَصرفِه الخِلافُ في مُنقطِعِ الآخِرِ، أصَحُّها: أقرَبُ الناسِ إلى الواقفِ.
وعنِ ابنِ سُريجٍ: يَصرِفُه الناظِرُ فيما يَراهُ مِنْ البِرِّ كعِمارةِ المَساجدِ والقَناطِرِ وسَدِّ الثُّغورِ وتَجهيزِ المَوتى وغيرِها.
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ولو بيَّنَ المَصرفَ إجمالًا كقَولِه: «وَقَفتُ هذا على مَسجدِ كذا» كَفى وصُرِفَ إلى مَصالِحِه عندَ الجُمهورِ، وإنْ قالَ القَفَّالُ: لا يَصحُّ ما لم يُبيِّنِ الجِهةَ، فيَقولُ: «على عِمارتِه» ونحوَه (٢).
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٨، ١٤٩).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٥٢) النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٦)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٤).
وأمَّا الحَنفيةُ فقالَ في «الإسْعَاف»: ولو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ، أو قالَ: وَقفٌ» ولم يَزِدْ على هذا لا يَجوزُ عند عامَّةِ مُجِيزِي الوَقفِ، قالَ هِلالٌ رحمة الله عليه: لأنَّ الوَقفَ يَكونُ للغَنيِّ والفَقيرِ ولم يُسَمِّ لأيِّهِما هو، فلذلكَ أبطَلْتُه، وصارَ كما لو قالَ: «أَرضِي مَحبوسةٌ» ولم يَزِدْ على ذلكَ فإنها لا تَكونُ وَقفًا، ولأنَّ الأرضَ تُوقَفُ للدَّينِ والوَصايا ولحَبسِ الأصلِ، فهذا وَقفٌ لم يُسَمَّ سَبيلُه ووُجوهُه، فلمْ يُتصدَّقْ بغلَّتِه، فقد خَرَجَ مِنْ أنْ يَكونَ على ما أمَرَ به النبيُّ ﷺ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه، لأنه إنَّما ذكَرَ حبْسَ الأصلِ ولم يَذكُرِ الصَّدقةَ على ما أمَرَ به عُمرَ ابنَ الخطَّابِ، فلذلكَ أبطَلتُه حتى يَجتمعَ الكَلامانِ: الصَّدقةُ والحَبسُ، فإذا اجتَمعَا كانَ الوَقفُ جائزًا.
وقالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: يَجوزُ ويَكونُ وَقفًا على المَساكينِ؛ لأنَّ مُطلَقَه يَنصرِفُ إلى المَساكينِ عُرفًا.
ولو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ، أو مَوقوفةٌ صَدقةٌ» ولمْ يَزِدْ على هذا جازَ في قَولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ وهِلالِ الرَّأيِ رحمهم الله، ويَكونُ وَقفًا على الفُقراءِ.
وقالَ يُوسفَ بنُ خالدٍ السَّمتِيُّ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ ما لم يَزِدْ قَولَه: «وآخِرُها للفُقراءِ أبَدًا».
والصَّحيحُ قَولُ أصحابِنا؛ لأنَّ محَلَّ الصَّدقةِ في الأصلِ الفُقراءُ فلا يحتاجُ إلى ذِكرِهم، ولا انقِطاعَ لهمْ، فلا يحتاجُ إلى ذِكرِ الأبَدِ أيضًا.
ولو قالَ: «أَرضِي هذه مُحرَّمةٌ صَدقةٌ» جازَ، ويَكونُ هذا بمَنزلةِ قَولِه: «مَوقوفةٌ صَدقةٌ»؛ لأنَّ المُحرَّمةَ بمَنزلةِ قَوله: «مَوقوفةٌ» في لُغةِ أهلِ المَدينةِ.
ولو قالَ: «حَبَسْتُ أَرضِي هذهِ، أو قالَ: أَرِضي هذه حَبسٌ» لا تَكونُ وَقفًا في قَولِهم، ولو قالَ: «حَرَّمتُ أَرضِي هذه، أو قالَ: أَرضِي هذه حَبيسٌ، أو قالَ: هيَ مُحرَّمةٌ» (قالَ الفَقيهُ) أبو جَعفرٍ: هذا على أبي يُوسفَ كقَولِه: «مَوقوفةٌ»، ولو قالَ: «حَبيسٌ مَوقوفٌ، أو حَبيسٌ وَقفٌ» فهو باطِلٌ، قالَ هلالٌ: في قَولِنا وقَولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ معنَى قَولِه: «وَقفٌ» ومعنَى قَولِه «حَبيسٌ» سَواءٌ، فكأنهُ قالَ: «أَرضِي وَقفٌ»، وهذا باطِلٌ لا يَجوزُ في قَولِنا، وقالَ: وكذلكَ لو قالَ: «هي مُحرَّمةٌ حَبيسٌ، أو حَبيسٌ مُحرَّمةٌ» لا يَجوزُ؛ لأنه ذكَرَ حبْسَ الأَصلِ ولم يُسَمِّ لمَن الغَلةُ، فلذلكَ أبطَلْتُه.
ولو قالَ: «مَوقوفةٌ حَبيسٌ مُحرَّمةٌ لا تُباعُ ولا تُوهبُ ولا تُورثُ» ولم يَزِدْ على ذلكَ لا يَجوزُ، إلا أنْ يَجعلَ فيها معنى الصَّدقةِ أو المَساكينِ مع حَبسِ الأصلِ فيَجوزُ ذلكَ عندنا.
ولو قالَ: «حَبيسٌ صَدقةٌ، أو صَدقةٌ حَبيسٌ» قالَ هِلالٌ: هذا جائِزٌ، (وقالَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ): هذا يَنبغِي أنْ يَكونَ بمَنزلةِ قَولِه: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ»، ولو قالَ: «هي مَوقوفةٌ للهِ تعالى أبدًا» جازَ وإنْ لم يَذكُرِ الصدقةَ، ويَكونُ وَقفًا على الفُقراءِ؛ لأنَّ في قولِه: «مَوقوفةٌ للهِ تعالى أبدًا» دَليلًا على أنه أرادَ بها المَساكينَ؛ لأنَّ فيهِ قُربةً إلى اللهِ تعالى بقَولِه: «للهِ تعالى»، وخرَجَتْ مِنْ أنْ تَكونَ مَوقوفةً للدَّينِ بقَولِه: «للهِ تعالى أبدًا»، وكذا لو قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ على المَساكينِ» ولم يَقلْ: «أبدًا، أو قالَ: مَوقوفةٌ لوَجهِ اللهِ تعالى، أو مَوقوفةٌ لطَلبِ ثَوابِ اللهِ تعالَى».
ولو أَوصَى بأنْ يُوقَفَ ثُلثُ أرضِه بعدَ وَفاتِه للهِ تعالى أبَدًا تَكونُ وَصيةً بالوَقفِ على الفُقراءِ، ولو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ على فُلانٍ» صَحَّ، ويَصيرُ تَقديرُه: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ على الفُقراءِ»؛ لأنَّ مَحلَّ الصدقةِ الفُقراءُ، إلا أنَّ غلَّتَها تَكونُ لفُلانٍ ما دامَ حَيًّا، ومِثلُه لو قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ على زَيدٍ أبدًا، أو قالَ: على وَلَدي أبدًا»؛ لأنه يَصحُّ مِنْ غَيرِ ذِكرِ الأبَدِ فمَعَ ذِكرِه أَولى، ولا يَصحُّ على قَولِ يُوسفَ بنِ خالدٍ السَّمتِيّ وإنْ ذكرَ الأبَدَ؛ لأنَّ ذِكرَ لَفظِ الأبَدِ مُضافٌ إلى الصَّدقةِ على زَيدٍ أو وَلدِه، وهو لا يَتأبَّدُ، فيَلغو هذا اللَّفْظُ … (١).
وقالَ هِلالُ الرَّأيِ رحمة الله عليه: قالَ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: إذا قالَ الرَّجلُ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ» وسَمَّى مَوضِعَها وحُدودَها ولم يَزِدْ على هذا شَيئًا أنه يَنبغي أنْ يتصدَّقَ بأَصلِها على الفُقراءِ والمَساكينِ، أو يَبيعَها ويَتصدَّقَ بثَمنِها على المَساكينِ، ولا تَكونُ وَقفًا، وهذا قَولُنا …
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ قالَ: «أَرضِي هذهِ صَدقةٌ على المَساكينِ»؟
قالَ: هذا والبابُ الأولُ سَواءٌ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وقَولُنا.
قلتُ: وسَواءٌ إنْ قالَ: «صَدقةٌ على المَساكينِ» أو قالَ: «صَدقةٌ» وسكَتَ؟
قالَ: نعمْ، هُمَا سَواءٌ، وكلُّ صَدقةٍ لا تُضافُ إلى أحَدٍ فهيَ للمَساكينِ.
قلتُ: أرَأيتَ رَجلًا قالَ: «أَرضِي هذهِ -وسَمَّى حُدودَها ومَوضِعَها- مَوقوفةٌ» ولمْ يَزِدْ على ذلكَ قَليلًا ولا كَثيرًا؟
(١) «الإسعاف» ص (١١، ١٣)، ويُنظَر: «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠١، ١٠٢).
قالَ: لا تَكونُ أرضُه هذه صَدقةً ولا وَقفًا في قَولِ أبي حَنيفةَ وقَولِنا، وفي قَولِ أبي يُوسفَ إذا قالَ: «أَرضِي هذه مَوقوفة» ولم يَزِدْ على ذلكَ فهيَ على الفُقراءِ، وقال: قَولُه: «مَوقوفةٌ» لُغةٌ جامِعةٌ للوَقفِ والفُقراءِ، ويَكونُ وَقفًا لِلمَساكينِ وهذا قَولُ عُثمانَ البَتِّيِّ.
قلتُ: ولِمَ قلتَ: إذا قالَ: «أَرضِي هذه وَقفٌ» ولمْ يَزِدْ على ذلكَ أنَّ الوَقفَ باطِلٌ وخالَفْتَ أبا يُوسفَ؟
قالَ: لأنَّ الوَقفَ يَكونُ للغَنيِّ والفَقيرِ، ولمْ يُسَمِّ لأيِّهِما هي، فلذلكَ أبطَلْتُه … (١).
وقالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: لو قالَ: مَوقوفَةٌ فقط، لا تَصحُّ إلَّا عندَ أبي يُوسفَ، فإنه يَجعلُه بمُجَرَّدِ هذا اللَّفظِ وَقفًا على الفُقراءِ، وهو قَولُ عُثمانَ البَتِّيِّ، وإذا كانَ مُفيدًا لخُصوصِ المَصرِفِ -أعني الفُقراءَ- لَزمَ كونُه مُؤبَّدًا؛ لأنَّ جِهةَ الفُقراءِ لا تَنقطِعُ.
قالَ الصَّدرُ الشَّهيدُ: ومَشايخُ بَلخٍ يُفتُونَ بقَولِ أبي يُوسفَ، ونَحنُ نُفتِي بقَولِه أيضًا؛ لمَكانِ العُرفِ، وبهذا يَندفِعُ رَدُّ هِلالٍ قولَ أبي يُوسفَ بأنَّ الوَقفَ يَكونُ على الغَنيِّ والفَقيرِ ولم يُبيِّنْ فبطَلَ؛ لأنَّ العُرفَ إذا كانَ يَصرِفُه للفُقراءِ كانَ كالتَّنصيصِ عليهم، فلو قالَ: «مَوقوفةٌ على الفُقراءِ» صَحَّ عندَ هِلالٍ أيضًا؛ لزَوالِ الاحتِمالِ بالتَّنصيصِ على الفُقراءِ، بخِلافِ قَولِه: «مَحبوسةٌ، أو حَبسٌ»،
(١) «أحكام الوقف» (١٢، ١٧).
ولو كانَ في «حَبسٌ» مِثلُ هذا العُرفِ يَجبُ أنْ يَكونَ كقولِه: «مَوقوفةٌ»، وكذا إذا قالَ: «للسَّبيلِ» إذا تَعارَفوهُ وَقفًا مُؤبَّدًا على الفُقراءِ كانَ كذلكَ، وإلا سُئِلَ، فإنْ قالَ: «أرَدتُ الوَقفَ» صارَ وَقفًا؛ لأنه مُحتمَلٌ لَفظُه (١).
وقالَ في «الإسْعَاف» أيضًا: لو قالَ: «وَقَفتُ أَرضِي هذه، أو قالَ: جَعلْتُها مَوقوفةً» ولمْ يَزِدْ عليه جازَ عندَ أبي يُوسفَ وصارَتْ وَقفًا على الفُقراءِ، وبه أفتَى مَشايخُ بَلخٍ وعليه الفتَوى؛ لأنَّ قَولَه: «وَقَفتُ» يَقتضِي إزالتَهُ إلى اللهِ تعالى ثمَّ إلى نائِبِه وهو الفَقيرُ، وذا يَقتضي التَّأبيدَ، فلا حاجةَ إلى ذِكرِه كالإعتاقِ …
ولو قالَ: «وَقَفتُ أَرضي هذه على وَلدِ زَيدٍ» أو ذكَرَ جَماعةً بأعْيانِهم لم يَصحَّ عندَ أبي يُوسفَ أيضًا؛ لأنَّ تَعيينَ المَوقوفِ عليه يَمنعُ إرادةَ غيرِه، بخِلافِ ما إذا لم يُعيِّنْ؛ لجَعلِه إيَّاه وَقفًا على الفُقراءِ، ألَا تَرى الفرقَ بينَ قَولِه: «أَرضِي هذه مَوقوفةٌ» وبينَ قولِه: «مَوقوفةٌ على وَلدِي»؟ فصحَّحَ الأوَّلَ دونَ الثَّاني؛ لأنَّ مُطلَقَ قولِه: «مَوقوفةٌ» يَنصرِفُ إلى الفُقراءِ عُرفًا، فإذا ذكَرَ الولَدَ صارَ مُقيَّدًا فلا يَبقَى العُرفُ، فظهَرَ بهذا أنَّ الخِلافَ بينَهُما في اشتِراطِ ذِكرِ التَّأبيدِ وعَدمِه إنَّما هو في التَّنصيصِ عليه أو على ما يَقومُ مَقامَه كالفُقراءِ ونحوِهم، وأمَّا التَّأبيدُ مَعنًى فشَرطٌ اتِّفاقًا على الصَّحيحِ، وقد نَصَّ عليه مُحَقِّقو المَشايخِ رحمهم الله (٢).
(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٠٢)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٥، ٢٠٦).
(٢) «الإسعاف» (١٦، ١٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.