الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الصورة الأولى: اشتراط الواقف استبدال الوقف لنفسه أو لغيره
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةوالكَلامُ عن استِبدالِ الوَقفِ يَكونُ في ثَلاثِ صُورٍ:
الصُّورةُ الأُولى: اشتِراطُ الواقفِ استِبدالَ الوَقفِ لنَفسِه أو لغَيرِه.
الصُّورةُ الثانِيةُ: ألَّا يَشرِطَه الواقفُ بأنْ سكَتَ أو شرَطَ عدَمَهُ، لَكنْ صارَ المَوقوفُ لا يُنتفعُ به بالكُليَّةِ، بأنْ لا يَحصلَ منهُ شَيءٌ أصلًا أو لا يَفيَ بمُؤنتِه.
الصُّورةُ الثالثةُ: ألا يَشرِطَه الواقفُ ولكنْ فيهِ نَفعٌ في الجُملةِ وبَدَلُه خيرٌ منه رَيعًا ونَفعًا.
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في جَميعِ هذه الصُّورِ …
الصُّورةُ الأُولى: اشتِراطُ الواقفِ استِبدالَ الوَقفِ لنَفسِه أو لغَيرِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الواقفِ إذا اشتَرطَ في ابتِداءِ الوَقفِ أنَّ له استِبدالَ الوَقفِ، هل يَجوزُ له أنْ يَستبدِلَ به غيرَه أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ والخَصَّافُ وهِلالٌ مِنْ الحَنفيةِ -وعليهِ الفتوَى عندَهُم، وقيلَ أنه قَولُ مُحمدٍ أيضًا- والمالِكيةُ (١) -وهُو قَولٌ للحَنابلةِ إلى أنه إذا اشتَرطَ بَيعَهُ إذا خَرِبَ وجَعَلَ ثَمَنَهُ في مِثْلِهِ (٢) - إلى أنه يَجوزُ للواقِفِ شَرطُ الاستِبدالِ لنَفسِه أو لنَفسِه ولغَيرِه أو لغَيرِه.
قالَ الحَنفيةُ: فلو قالَ الواقفُ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ ﷿ أبَدًا على أنَّ لي أنْ أبيعَها وأشتَريَ بثَمنِها أرضًا أُخرَى فتَكونُ وَقفًا على
(١) «الفوكه الدواني» (٢/ ١٦٤، ١٦٥).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ٢٦).
شُروطِ الأُولى» جازَ الوَقفُ والشَّرطُ؛ لأنَّ هذا شَرطٌ لا يُبطلُ حُكمَ الوَقفِ، فإنَّ الوَقفَ مِمَّا يَحتملُ الانتِقالَ مِنْ أرضٍ إلى أُخرى، فإنَّ أرضَ الوَقفِ إذا غصَبَها إنسانٌ وأجرَى عليها الماءَ حتى صارَتْ بَحرًا لا تَصلحُ للزِّراعةِ وضَمِنَ قيمَتَها وشُرِيَ بقِيمتِها أرضٌ أُخرى تَكونُ وَقفًا على شَرائطِ الأُولى، وكذلكَ أرضُ الوَقفِ إذا قلَّ نُزُلُها لآفَةٍ وصارَتْ بحَيثُ لا تَصلحُ للزِّراعةِ أو لا تَفضلُ غَلتُها عن مُؤنِها يَكونُ صَلاحُ الوَقفِ في استِبدالِه بأرضٍ أُخرَى، فيَصحُّ أنْ يَشتَرطَ وِلايةَ الاستِبدالِ وإنْ لم تَكنِ الضَّرورةُ داعِيةً إليه في الحالِ، ولو قالَ الواقِفُ في أصلِ الوَقفِ: «على أنْ أبيعَها وأشتَريَ بثَمنِها أرضًا أُخرى» ولم يَزِدْ على هذا يَكونُ الوَقفُ باطِلًا في القِياسِ؛ لأنه لم يَذكرْ إقامةَ أرضٍ أُخرَى مَقامَ الأُولى، وجائِزًا في الاستِحسانِ؛ لأنَّ الأرضَ تَعيَّنتْ للوَقفِ، فيَقومُ ثَمنُها مَقامَها في الحُكمِ، وبمُجرَّدِ شِراءِ أرضٍ بثَمنِها تَصيرُ وَقفًا على شَرائطِ الأُولى مِنْ غيرِ تَجديدِ وَقفٍ.
وليسَ لهُ بعدَ استِبدالِه مَرَّةً أنْ يَستبدلَ ثانِيًا؛ لانتِهاءِ الشَّرطِ بمَرَّةٍ، إلا أنْ يَذكُرَ عِبارةً تُفيدُ أنَّ له ذلكَ دائِمًا (١).
قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وإذا قالَ: «على أنْ أستَبدِلَ أرضًا أُخرَى» ليسَ له أنْ يَجعلَ البَدلَ دارًا، وكذا على العَكسِ، ولو قالَ: «بأَرضٍ مِنْ البَصرةِ» ليسَ له أنْ يَستبدلَ مِنْ غيرِها؛ لأنَّ الأماكنَ قد تَختلفُ في جَودةِ الأرضِ،
(١) «الإسعاف» ص (٣١، ٣٢)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٧، ٢٢٨)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٩، ٢٤٠)، و «الأشباه والنظائر» لابن نجيم ص (١٩٤)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٤٨)، و «مجمع الضمانات» (٦٨٧).
ويَنبغي إنْ كانَتْ أحسَنَ أنْ يَجوزَ؛ لأنه خِلافٌ إلى خيرٍ، ولو شرَطَ الاستِبدالَ ولم يَذكرْ شيئًا استَبدلَ ما شاءَ مِنْ العَقارِ خاصَّةً، ولو باعَ الوَقفَ بغَبنٍ فاحِشٍ لا يَجوزُ البَيعُ، ولو قبَضَ الثَّمنَ ثُمَّ ماتَ ولَم يُبيِّنْ حالَه فهو دَينٌ في تَركَتِه، وكذا لو استَهلكَه، أمَّا لو ضاعَ الثَّمنُ في يَدِهِ فلا ضَمانَ عليه، ولو اشتَرى بالثَّمنِ عَرضًا مِمَّا لا يَكونُ وَقفًا فهو له والدَّينُ عليه، ولو وهَبَه مِنْ المُشتري صَحَّتِ الهِبةُ ويَضمنُه في قَولِ أبي حَنيفةَ، ومنَعَه أبو يُوسفَ، أمَّا لو قبَضَ الثَّمنَ ثمَّ وهَبَه فالهِبةُ باطِلةٌ اتِّفاقًا، ولو باعَه بعَرضٍ ففي قياسِ أبي حَنيفةَ يَصحُّ، وقالَ أبو يُوسفَ وهلالٌ: لا يَملكُ البَيعَ إلا بالنَّصِّ أو بأرضٍ تَكونُ وَقفًا مَكانَها، وإذا باعَ الوَقفَ ثُمَّ عادَ إليه بما هو فَسخٌ مِنْ كُلِّ وَجهٍ كانَ له أنْ يَبيعَها ثانِيًا، وإنْ عادَتْ بعَقدٍ جَديدٍ لا يَملكُ بَيعَها؛ لأنها صارَتْ وَقفًا، فكأنه اشتَرى غيرَها، إلَّا أنْ يَكونَ عمَّمَ لنَفسِه الاستِبدالَ، ولو رُدَّتْ بعَيبٍ بقَضاءٍ أو بغَيرِ قَضاءٍ بعدَ القَبضِ أو قبلَ القَبضِ بقَضاءٍ عادَتْ وَقفًا، وكذا إذا قالَ المُشتري: قبلَ القَبضِ أو بعدَه فله أنْ يَصنعَ بالأُخرى ما شاءَ، ولو استَحقَّتِ الأُولى في القياسِ تَبقى الثَّانيةُ وَقفًا، وفي الاستِحسانِ لا؛ لأنَّ الثانِيةَ كانَتْ وَقفًا بَدلًا عن الأُولى، وبالاستِحقاقِ انتَقضَتْ تلكَ المُبادَلةُ مِنْ كُلِّ وَجهٍ فلا تَبقى الثانيةُ وَقفًا، ولو شرَطَ لنَفسِه أنْ يَستبدلَ فوَكَّلَ به جازَ، ولو أَوصَى به عندَ مَوتِه لم يَكنْ للوَصيِّ ذلكَ؛ لأنَّ في الوَكالةِ وهو حَيٌّ لو تَمكَّنَ خَلَلُه أمكَنَه الاستِبدالُ، بخِلافِ الوَصيِّ، ولو شرَطَ الاستبدالَ لنَفسِه مع آخَرَ على أنْ يَستبدلَا معًا فتَفرَّدَ بذلكَ الرَّجلُ لا يَجوزُ،
ولو تَفرَّدَ به الواقِفُ جازَ؛ لأنه هو الذي شرَطَه لذلكَ وما شرَطَ لغيرهِ فهو مَشروطٌ له، كما لو نَصَّبَ قاضِيَا بَلدينِ كُلٌّ قيِّمًا كانَ لكُلٍّ أنْ يَتصرَّفَ وحْدَه، ولو أنْ أحَدَ هذَينِ القاضِيَينِ أرادَ أنْ يَعزِلَ الذي أقامَه القاضي الآخَرُ قالَ: إذا رَأى المَصلحةَ في ذلكَ كانَ له عَزلُه وإلا فلا (١).
وفي نَحوِ هذا عن الأنصارِيِّ، لكنْ لا يَبيعُها إلا بإذنِ الحاكِمِ.
قالَ بُرهانُ الدِّينِ ابنُ مازةَ رحمة الله عليه: وذكَرَ الأنصارِيُّ في «وَقفِه»: أنه لا يَبيعُ إلا بإذنِ الحاكِمِ، قالَ الأنصارِيُّ أيضًا: ويَنبغي للحاكِمِ إذا رُفعَ إليهِ ولا مَنفعةَ في الوَقفِ أنْ يَأذنَ له في البَيعِ إذا رَآهُ أحوَطَ لأهلِ الوَقفِ، فإنْ باعَها واشتَرى بثَمنِها أرضًا كانَتْ وَقفًا، وليسَ له أنْ يَبيعَ الأرضَ إلَّا أنْ يَشتَرطَ ذلكَ في أصلِ الوَقفِ، ذكَرَه هِلالٌ في «وَقفِه».
ولو شرَطَ في أصلِ الوَقفِ أنْ يَبيعَ الوَقفَ ويَجعلَ ثَمنَه للمَساكينِ لم يَجُزْ هذا الشَّرطُ، ذكَرَه الأنصارِيُّ في «وَقفِه»، وذكَرَ الخَصَّافُ في «وَقفِه»: لو شرَطَ أنْ يَبيعَها ويَصرِفَ ثمَنَها إلى ما يَرى مِنْ أبوابِ الخيرِ فالوَقفُ باطِلٌ، وإنْ شرَطَ في أصلِ الوَقفِ أنْ يَبيعَه ولم يَبِعْه لا يَجوزُ لمَن وُلِدَ بعدَه أنْ يَبيعَه.
وفي «وَقفِ الأنصاريِّ»: إذا وقَفَ ضَيعَتَه على أنَّ له أنْ يَبيعَها ويَصرفَ ثمَنَها إلى حاجةٍ قالَ أبو نَصرٍ: الوَقفُ جائِزٌ والشرطُ باطِلٌ، وعن أبي القاسِمِ نَحوُه، وقالَ أبو بَكرٍ الإسكافُ: الوَقفُ باطِلٌ، قالَ الصَّدرُ الشَّهيدُ:
(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٩).
وهو المُختارُ؛ لأنه يَنعدمُ فيهِ التَّأبيدُ، وكذلكَ لو حَبسَ فَرَسًا أو سِلاحًا وجعَلَه وَقفًا عِشرينَ سَنةً ثمَّ هي مَردودةٌ إلى صاحِبِها؛ لِما قُلنَا.
وفي «فتاوَى أبي اللَّيثِ» وفي «سِر العُيونِ»: حَبسَ فَرسًا في سَبيلِ اللهِ عَشرَ سِنينَ ثم هي مَردودةٌ على صاحِبِها فهو باطِلٌ، وعن أبي يُوسفَ ابنِ خالِدٍ السَّمتيِّ أُستاذِ هِلالٍ أنَّ الوَقفَ جائِزٌ والشرطَ باطلٌ، وكذا في الوَقفِ على شَرطِ أنْ يَبيعَه كما قالَ أبو القاسِمِ وأبو نَصرٍ (١).
وقالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: لو شرَطَ الواقِفُ الاستِبدالَ لنَفسِه أو لغَيرِه أو لنَفسِه وغَيرِه فالاستِبدالُ فيهِ جائِزٌ على الصَّحيحِ، وقيلَ: اتِّفاقًا (٢).
وذهَبَ الإمامُ مُحمدٌ وأبو يُوسفَ وخالِدٍ السَّمْتِيُّ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَقفَ صَحيحٌ والشَّرطَ باطِلٌ، قالَ في «الإسْعَاف»: وهو القِياسُ (٣).
قالَ شَمسُ الدِّينِ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: وعندَ مُحمدٍ -وهو قَولُ أهلِ البَصرةِ رحمهم الله الوَقفُ جائزٌ والشَّرطُ باطِلٌ؛ لأنَّ هذا الشَّرطَ لا يُؤَثِّرُ في المَنعِ مِنْ زَوالِه، والوَقفُ يَتِمُّ بذلكَ ولا يَنعدمُ به مَعنَى التَّأبيدِ في أصلِ الوَقفِ، فيَتِمُّ الوَقفُ بشُروطِه ويَبقَى الاستِبدالُ شَرطًا فاسِدًا، فيَكونُ باطِلًا
(١) «المحيط البرهاني» (٥/ ٧١٦، ٧١٧)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٨).
(٢) «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٤).
(٣) «الإسعاف» ص (٣١، ٣٢)، ويُنظَر: «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٧، ٢٢٨)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٩، ٢٤٠)، و «الأشباه والنظائر لابن نجيم» ص (١٩٤)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٤٨).
في نَفسِه، كالمَسجدِ إذا شرَطَ الاستِبدالَ به أو شرَطَ أنْ يُصلِّيَ فيهِ قَومٌ دونَ قَومٍ، فالشَّرطُ باطِلٌ واتِّخاذُ المَسجدِ صَحيحٌ، فهذا مِثلُه (١).
وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه في «كَشَّاف القِناعِ»: ولو شرَطَ البَيعَ عندَ خَرابِ الوَقفِ وصَرْفَ الثَّمنِ في مِثلِه أو شرَطَه للمُتولِّي بعدَه فسَدَ الشَّرطُ فقطْ وصَحَّ الوَقفُ مع إلغاءِ الشَّرطِ كما في الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ، وهذا وَجهٌ حَكاهُ الحارِثيُّ عن القاضِي وابنِ عَقيلٍ، وحَكَى قبلَه عنهُما وعنِ ابنِ البَنَّاءِ وغَيرِهم: يَبطلُ الوَقفُ، ثُمَّ قالَ بعدَ ذِكرِ الوَجهِ بصِحَّةِ الوَقفِ وإلغاءِ الشَّرطِ: ولا يَصحُّ؛ فإنَّ إلغاءَ الشَّرطِ إبطالٌ للعَملِ بمُوجَبِه، والبَيعُ عندَ الخَرابِ ثابِتٌ، والثابِتُ اشتِراطُه تَأكيدٌ له (٢).
قالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: لو شرَطَ البَيعَ عند خَرابِه وصَرْفَ الثَّمَنِ في مِثلِه أو شرَطَه للمُتولِّي بعدَه فقالَ القاضِي وابنُ عَقيلٍ وابنُ البَنَّا وغيرُهم: يَبطلُ الوَقفُ.
قُلتُ: وفيهِ نَظرٌ، وذكَرَ القاضي وابنُ عَقيلٍ وَجهًا بصِحَّةِ الوَقفِ وإلغاءِ الشَّرطِ، ذكَرَ ذلكَ الحارِثيُّ، قُلتُ: وهو الصَّوابُ.
قالَ في «الفُرُوع»: وشَرطُ بَيعِه إذا خَرِبَ فاسِدٌ في المَنصوصِ، نقَلَه حَربٌ، وعَلَّلَ بأنه ضَرورةٌ ومَنفعةٌ لهم.
(١) «المبسوط» (١٢/ ١٤١، ١٤٢)، و «العناية شرح الهداية» (٨/ ٣٥١).
(٢) «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٦)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٦)
قالَ في «الفُرُوع»: ويَتوجَّهُ على تَعليلِه لو شرَطَ عدَمَه عندَ تَعطيلِهِ.
وقيلَ: الشَّرطُ صَحيحٌ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والحَنفيةُ في قَولٍ ثالِثٍ إلى أنَّ الشَّرطَ والوَقفَ فاسِدانِ (٢).
قالَ البُهوتيُّ في «شَرح مُنتَهى الإراداتِ» والرُّحيبانِيُّ في «مَطالِب أُولِي النُّهى»: لو شرَطَ تَحويلَ الوَقفِ مِنْ جِهةٍ لأُخرى كقَولِه: «وَقَفتُ داري على جِهةِ كذا، على أنْ أُحوِّلَها عَنها أو عن الوَقفيَّةِ بأنْ أَرجِعَ عنها متى شِئتُ» فإنْ شرَطَ شيئًا مِنْ ذلكَ بطَلَ الشَّرطُ والوَقفُ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، نَصَّ عليه وقدَّمَه في «الفُرُوع» و «شَرح الحارِثيِّ» و «الفائِق» و «الرِّعايتَيْنِ» و «الحاوِي الصَّغير»، قالَ في «المُغْنِي»: لا نَعلمُ فيهِ خِلافًا لمُنافاتِه، وكذلكَ لو شرَطَ الواقِفُ تَغييرَ شَرطِه ومَتى شاءَ أبطلَهُ لم يَصِحَّ الوَقفُ؛ لأنه شَرطٌ يُنافي مُقتضَى الوَقفِ (٣).
وأمَّا المالِكيةُ فاختَلَفوا في اشتِراطِ التَّبديلِ في الوَقفِ، فَجاءَ في «فَتح العَلِيِّ المالِكِ» للشَّيخِ عليشٍ: (ما قَولُكم) في أرضٍ مَوقوفةٍ على سَبيلٍ في
(١) «الإنصاف» (٧/ ٢٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٦).
(٢) «الإسعاف» ص (٣١، ٣٢)، ويُنظَر: «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٧، ٢٢٨)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٩، ٢٤٠)، و «الأشباه والنظائر» لابن نجيم ص (١٩٤)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٤٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٩٤).
(٣) «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٩٤).
طريقِ المُسلمينَ شرَطَ واقِفُها ألا تُباعَ ولا تُستبدَلَ بغَيرِها، ثُمَّ استَبدَلَ ناظِرُ السَّبيلِ تلكَ الأرضَ بأرضٍ أُخرى مِنْ أراضِي الدِّيوانِ، بأنْ دفَعَ أرضَ الوَقفِ لرَجلٍ مِنْ الفلَّاحينَ، وأخَذَ منه أرضًا مِنْ أراضِي الدِّيوانِ، وصارَ الناظِرُ يَدفعُ مَصاريفَ الوَقفِ، والفَلَّاحُ يَدفعُ ما عليهِ مِنْ الخَراجِ، فهل هذه المُبادَلةُ باطِلةٌ ويَجبُ على الناظِرِ رَدُّ أرضِ الوَقفِ بعَينِها تحتَ يَدِه؟ أَفيدُوا الجَوابَ.
فأَجابَ الشَّيخُ الدَّرديرُ رحمة الله عليه بقَولِه: الحَمدُ للهِ، حَيثُ شرَطَ الواقفُ عدَمَ الاستِبدالِ وأطلَقَ كانَتِ المُبادَلةُ الحاصِلةُ مِنْ الناظِرِ باطِلةً، ويَجبُ على الناظِرِ رَدُّ أرضِ الدِّيوانِ لصاحِبِها، وأخذُ أرضِ الوَقفِ بعَينِها، ومَن امتَنعَ فعَلى الحاكِمِ زَجرُه، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
فيُفهَمُ مِنْ كَلامِ الشَّيخِ الدَّرديرِ أنَّ الواقفَ إذا شرَطَ الاستِبدالَ عُمِلَ به، وهو ما صرَّحَ به الدُّسوقِيُّ.
فقالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (ولا يُشترطُ) -أي في صِحةِ الوَقفِ- التأبيدُ، أي: ويُؤخَذُ منه أنَّ اشتِراطَ التَّغييرِ والتَّبديلِ والإدخالِ والإخراجِ مَعمولٌ به.
وفي «المُتَيطِيِّ» ما يُفيدُ منْعَ ذلكَ ابتِداءً، ويَمضي إنْ وقَعَ، فَفي الحَطَّابِ عن «النَّوادِر» و «المُتَيطِيَّة» وغَيرِهما أنه إنْ شرَطَ في وَقفِه أنه إنْ وُجِدَ فيهِ
(١) «فتح العلي المالك» (٢/ ٢٤٣).
رَغبةً بِيعَ واشتُريَ غيرُه أنه لا يَجوزُ له ذلكَ، فإنْ وقَعَ ونزَلَ مَضَى وعُمِلَ بشَرطِه. اه «البنانِيُّ» (١).
وقالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: ص (واتُّبعَ شَرطُه إنْ جازَ لتَخصيصِ مَذهبٍ) ش: مَفهومُ قولِه: «إنْ جازَ» أنه إنْ شرَطَ ما لا يَجوزُ لا يُتَّبعُ، وهذا - واللهُ أعلَمُ-إذا شرَطَ شيئًا مُتفَقًا على مَنعِه، وإلا فقدْ نَصَّ في «النَّوادِر» و «المُتَيطيَّة» وغَيرِهما أنه إذا شرَطَ في وَقفِه إنْ وجَدَ فيهِ ثمَنَ رَغبةِ بَيعٍ واشتَرى غيرَه أنه لا يَجوزُ له ذلكَ، فإنْ وقَعَ ونزَلَ مَضى وعُمِلَ بشَرطِه.
قالَ في «النَّوادِر» في تَرجَمةِ الرُّجوعِ في الحَبسِ: وهل يُباعُ؟ قالَ ابنُ الماجشُونِ: لا أرَى أنْ يَستثنيَ في الدارِ أنْ يَقولَ إذا وجَدَ في الدارِ ثَمنًا رَغيبًا فلتُبَعْ ويَشتَرِ بثَمنِها دارًا، وكذلكَ الأصولُ، فإنِ استَثناهُ في حَبسِه جازَ ومَضَى. انتهى
وقالَ في «المُتَيطيَّة» في تَرجَمةِ ما جاءَ في مراجِعِ الأحباسِ: قالَ مُطرِّفٌ وابنُ الماجشُونِ وابنُ عبدِ الحَكمِ وأصبَغُ في «الواضِحَة»: ولا يَجوزُ أنْ يَستثنيَ مِنْ الحَبسِ في الرِّباعِ إنْ وجَدَ ثَمنًا رَغيبًا فقدْ أَذِنت في بَيعِ ذلكَ وأنْ يبتاعَ بثَمنِ ذلكَ رَبعًا مِثلَه؛ لأنَّ هذا لا يَقعُ فيهِ مِنْ الحاجةِ إلى بَيعِ ذلكَ،
(١) «حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٤٠)، و «شرح ميارة» (٢/ ٢٣٤).
والعُذرُ في تَغييرِه ما وقَعَ في البَيعِ عندَ الحاجةِ، وإنِ استَثناهُ مُستَثنٍ جازَ ومَضَى. انتهى، ونقَلَه ابنُ سَلْمونٍ أيضًا (١).
وقد صَرَّح النَّفراويُّ رحمة الله عليه بجَوازِ بَيعِه إذا شرَطَ الواقفُ ذلكَ، فَجاءَ في «الفَواكِه الدَّوانِي»: ولا يَجوزُ -بمَعنى يَحرمُ- أنْ يُباعَ العَقارُ الحَبسُ وإنْ خَرِبَ بحَيثُ صارَ لا يُنتفعُ به ولَم يُرجَ عَودُه، قالَ مالكٌ رضي الله عنه: لا يُباعُ العَقارُ الحَبسُ ولو خَرِبَ، وبقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً دَليلٌ على مَنعِ ذلكَ.
وعندَ بَعضِهم: يَجوزُ بَيعُه إنْ كانَ في بَقائِه ضرَرٌ ولا يُرجى عَودُه، وحُكيَ على ذلكَ الاتِّفاقُ، ولا شَكَّ في مُخالَفتِه لِما قالَه الإمامُ، ولعَلَّ وجْهَ كَلامِه رضي الله عنه: لِما يَلزمُ عليه مِنْ التَّطرقِ إلى بَيعِ الأوقافِ بدَعوَى الخَرابِ، والإمامُ بَنَى مَذهبَه على سَدِّ الذَّرائعِ، وكما لا يَجوزُ بَيعُ العَقارِ الحَبسِ لا يَجوزُ بَيعُ أنقاضِه.
تَنبيهٌ: كَلامُ المُصنِّفِ مُقيَّدٌ بما إذا لم يَكُنِ الواقفُ شرَطَ للمَوقوفِ عليه بَيعَه، وإلَّا جازَ، سَواءٌ قيَّدَ ذلكَ بالحاجةِ أم لا، كما لو شرَطَ الواقِفُ لنَفسِه بَيعَه، فيَجوزُ له بَيعُه؛ عَملًا بالشرطِ؛ قياسًا على شَرطِ الرُّجوعِ في صَدقتِه (٢).
وأمَّا الشافِعيةُ فلمْ أَقِفْ لهم على قَولٍ فيما لو اشتَرطَ الواقفُ استِبدالَ الوَقفِ، وإنَّما مَنَعوا مِنْ بَيعِ الوَقفِ وتَغييرِه كما سَيَأتي، ولَم يَذكُروا حُكمَ الاشتِراطِ فيما وقَفْتُ عليهِ، واللهُ أعلَمُ.
(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٤٩٣).
(٢) «الفوكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني» (٢/ ١٦٤، ١٦٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الشرائط التي ترجع إلى الموقوف
ثُمَّ التَّسْلِيمُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ قَيِّمًا وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بِإِذْنِهِ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمة الله عليه فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَصَلَّى وَاحِدٌ كَانَ تَسْلِيمًا، وَيَزُولُ مِلْكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَشْرُطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ شَيْئًا، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ شَرْطٌ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذَا إخْرَاجُ الْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعْلُهُ خَالِصًا لَهُ، وَشَرْطُ الِانْتِفَاعِ لِنَفْسِهِ يَمْنَعُ الْإِخْلَاصَ فَيَمْنَعُ جَوَازَ الْوَقْفِ، كَمَا إذَا جَعَلَ أَرْضَهُ أَوْ دَارِهِ مَسْجِدًا وَشَرَطَ مِنْ مَنَافِعِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ خِدْمَتَهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ وَقَفَ وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَكَانَ يَلِي أَمْرَ وَقْفِهِ بِنَفْسِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ بَيْعَ الْوَقْفِ وَصَرْفَ ثَمَنِهِ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ شَرْطٌ لَا يُنَافِيهِ الْوَقْفُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ بَابُ الْمَسْجِدِ إذَا خَلِقَ، وَشَجَرُ الْوَقْفِ إذَا يَبِسَ (وَمِنْهَا) أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهُ بِجِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ…
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.