الصورة الثالثة: ألا يشرطه الواقف ولكن فيه نفع في الجملة وبدله خير منه ريعا ونفعا

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الصورة الثالثة: ألا يشرطه الواقف ولكن فيه نفع في الجملة وبدله خير منه ريعا ونفعا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 66 دقيقة قراءة

الصورة الثالثة: ألا يشرطه الواقف ولكن فيه نفع في الجملة وبدله خير منه ريعا ونفعا - الأقوال والأدلة

الصُّورةُ الثالِثةُ: ألا يَشرِطَه الواقِفُ ولكنْ فيه نَفعٌ في الجُملةِ وبَدلُه خيرٌ منه رَيعًا ونَفعًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ في الوَقفِ نَفعٌ ولم تَتعطَّلْ مَنافعُه بالكُليَّةِ، لكنْ قَلَّتْ، وكانَ غيرُه أنفَعَ منه وأكثَرَ رَدًّا على أهلِ الوَقفِ، هل يَجوزُ استِبدالُه أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ بَيعُهُ واستِبدالُه بغَيرِه.

قالَ الحَنفيةُ: إذا لم يَشتَرطِ الواقفُ الاستِبدالَ وللوَقفِ رَيعٌ وغَلَّاتٌ وغَيرُ مُعطَّلٍ ولكنْ في الاستِبدالِ نَفعٌ في الجُملةِ وبَدلُه خيرٌ منه نَفعًا ورَيعًا فلا يَجوزُ استِبدالُه على الأصَحِّ المُختارِ، قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: كذا حَرَّرَه العلَّامةُ قَنالي زَادَه في رِسالتِه المَوضوعةِ في الاستِبدالِ، وأطنَبَ فيها عليه الاستِدلالَ، وهو مَأخوذٌ مِنْ «الفَتح» أيضًا كما سَنذكُرُه عندَ قَولِ الشارحِ: «لا يَجوزُ استِبدالُ العامِرِ إلَّا في أربَع» ويَأتي بَقيةُ شُروطِ الجَوازِ.

وأفادَ صاحِبُ «البَحر» في رِسالتِه في الاستِبدالِ أنَّ الخِلافَ إنَّما هو في الأرضِ إذا ضَعُفتْ عن الاستِغلالِ، بخِلافِ الدارِ إذا ضَعُفتْ بخَرابِ بَعضِها ولم تَذهبْ أصلًا، فإنه لا يَجوزُ حِينئذٍ الاستِبدالُ على كُلِّ الأقوالِ.

قال: ولا يُمكِنُ قِياسُها على الأرضِ؛ فإنَّ الأرضَ إذا ضَعُفتْ لا يُرغَبُ غالبًا في استِئجارِها، بل في شِرائِها، أمَّا الدارُ فيُرغَبُ في استِئجارِها مُدَّةً طَويلةً لأجلِ تَعميرِها للسُّكنى.

على أنَّ بابَ القِياسِ مَسدودٌ في زَمانِنا، وإنَّما للعُلماءِ النَّقلُ مِنْ الكُتبِ المُعتمَدةِ كما صَرَّحوا بهِ (١).

وقالَ الحَنفيةُ: لا يَجوزُ استِبدالُ العامِرِ إلَّا في أربَعِ مَسائِلَ:

الأُولى: إذا شرَطَ الواقفُ الاستِبدالَ.

الثانِيةُ: إذا غصَبَه غاصِبٌ وأجرَى عليه الماءَ حتى صارَ بَحرًا، فيَضمَنُ القِيمةَ ويَشتري المُتولِّي بها أرضًا بَدلًا.

الثالثَةُ: أنْ يَجحَدَه الغاصِبُ ولا بيِّنةَ وأرادَ دفْعَ القِيمةِ فللمُتولِّي أخذُها ليَشتريَ بها بَدلًا.

الرابِعةُ: أنْ يَرغبَ إنسانٌ فيه ببَدلٍ أكثَرَ غَلةً وأحسَنَ صقعًا فيَجوزُ على قَولِ أبي يُوسفَ، وعليهِ الفتوَى كما في «فَتاوَى قارِئِ الهِدايَة».

قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: قالَ صاحِبُ «النَّهر» في كِتابِه «إجابَة السَّائِلِ»: قَولُ «قارِئ الهِدايةِ»: والعَملُ على قَولِ أبي يُوسفَ مُعارَضٌ مِمَّا قالَه صَدرُ الشَّريعةِ: نَحنُ لا نُفتِي به، وقد شاهَدْنا في الاستِبدالِ ما لا يُعَدُّ ويُحصَى، فإنَّ ظَلَمةَ القُضاةِ جَعَلوهُ حِيلةً لإبطالِ أوقافِ المُسلمينَ، وعلى تَقديرِه فقدْ قالَ في «الإسعَاف»: المُرادُ بالقاضي هو قاضِي الجَنَّةِ، المُفسَّرُ بذي العِلمِ والعَملِ. اه

ولَعَمرِي إنَّ هذا أعَزُّ مِنْ الكِبريتِ الأحمَرِ، وما أراهُ إلَّا لَفظًا يُذكَرُ، فالأحرَى فيهِ السَّدُّ؛ خَوفًا مِنْ مُجاوَزةِ الحَدِّ، واللهُ سائِلُ كُلَّ إنسانٍ. اه

(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٤، ٣٨٥).

قالَ العَلَّامةُ البيرِيُّ بعد نَقلِه: أقولُ: وفي «فَتح القَديرِ»: والحاصِلُ أنَّ الاستِبدالَ إمَّا عن شَرطِ الاستِبدالِ أو لا عن شَرطِه، فإنْ كانَ لخُروجِ الوَقفِ عنِ انتِفاعِ المَوقوفِ عليهم فيَنبَغي ألَّا يُختلَفَ فيهِ، وإنْ كانَ لا لذلكَ بل اتُّفقَ أنه أمكَنَ أنْ يُؤخذَ بثَمنِه ما هو خيرٌ منه مع كَونِه مُنتفَعًا به فيَنبغِي ألا يَجوزَ؛ لأنَّ الواجِبَ إبقاءُ الوَقفِ على ما كانَ عليه دونَ زيادةٍ، ولأنه لا مُوجِبَ لتَجويزِه؛ لأنَّ المُوجِبَ في الأولِ الشَّرطُ وفي الثَّاني الضَّرورةُ، ولا ضَرورةَ في هذا؛ إذْ لا تَجبُ الزِّيادةُ، بل نُبقيهِ كما كانَ. اه

أقولُ: ما قالَهُ هذا المُحِقُّ هو الحَقُّ الصَّوابُ. اه كلامُ البيرِيِّ، وهذا ما حَرَّرَه العَلَّامةُ القَنالِيُّ كما قَدَّمناهُ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ لم تَتعطَّلْ مَصلحةُ الوَقفِ بالكُليَّةِ لكِن قلَّتْ وكانَ غَيرُه أنفَعَ منه وأكثَرَ رَدًّا على أهلِ الوَقفِ لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأنَّ الأصلَ تَحريمُ البَيعِ، وإنَّما أُبيحَ للضَّرورةِ؛ صِيانةً لمَقصودِ الوَقفِ عن الضَّياعِ مع إمكانِ تَحصيلِه، ومع الانتفاعِ وإنْ قَلَّ ما يُضيِّعُ المَقصودَ، اللَّهمَّ إلَّا أنْ يَبلغَ في قِلَّةِ النَّفعِ إلى حَدٍّ لا يُعَدُّ نَفعًا، فيَكونُ وُجودُ ذلكَ كالعَدمِ (٢).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّ الوَقفَ لا يَخلو: إمَّا أنْ تَتعطَّلَ مَنافعُه أو لا …

(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٨)، و «الأشباه والنظائر» (١٩٤)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٨).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٦٨، ٣٦٩).

فإنْ لم تَتعطَّلْ مَنافِعُه لم يَجُزْ بَيعُه ولا المُناقَلةُ به مُطلَقًا، نَصَّ عليه في رِوايةِ عليِّ بنِ سَعيدٍ قالَ: لا يَستبدِلُ بهِ ولا يَبيعُه إلَّا أنْ يَكونَ بحالٍ لا يُنتفعُ به.

ونقَلَ أبو طالِبٍ: لا يُغيَّرُ عن حالِه ولا يُباعُ إلا ألَّا يُنتفعَ منه بشَيءٍ، وعليهِ الأصحابُ (١).

وأمَّا المالِكيةُ والشافِعيةُ فكَمَا تقدَّمَ، لا يُجوِّزونَ بَيعَه مُطلَقًا وإنْ خَرِبَ، فإذا لم يَخرَبْ فمِن بابِ أَولَى.

قالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ بَيعُ عَقارٍ حُبِّسَ مِنْ دورٍ وحَوانيتَ ورَبعٍ، فلا يُباعُ ليُستبدَلَ به غَيرُه وإنْ خَرِبَ، قالَ الإمامُ مالكٌ: ولا يُباعُ العَقارُ المُحبَّسُ ولو خَرِبَ، وبَقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً دَليلٌ على مَنعِ ذلكَ.

وقالَ سَحنونٌ: وهذه جُلُّ الأحباسِ قد خَرِبَتْ، فلا شيءَ أدَلُّ على سُنَّتِها منها، ألَا تَرى أنه لو كانَ البَيعُ يَجوزُ فيها لَمَا أغفَلَه مَنْ مَضى؟ ولكنْ بَقاؤُه خَرابًا دَليلٌ على أنَّ بَيعَه غيرُ مُستقيمٍ، وبحَسبِكَ حُجَّةً في أمرٍ قد كانَ مُتقادِمًا بأنْ تَأخذَ منه ما جَرى منه، فالأحباسُ قَديمةٌ ولم تَزَلْ، وجُلُّ ما يُوجَدُ منها بالذي به لم يَزَلْ يَجري عليه فهو دَليلُها، فبَقاءُ هذه خَرابًا دَليلٌ

(١) «الإنصاف» (٧/ ١٠١)، ويُنظَر: «الشرح الكبير» (٦/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «المبدع» (٥/ ٣٥٦)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٥٢، ٣٥٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٨٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٧٠)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٤١، ٣٤٢).

على أنَّ البَيعَ فيها غيرُ مُستقيمٍ؛ لأنه لو استَقامَ لَمَا أخطَأَ مَنْ مَضى مِنْ صَدرِ هذه الأمَّةِ وما جَهِلَه مَنْ لم يَعملْ به حتى تُرِكتْ خَرابًا، وإنْ كانَ قد رُوِيَ عن رَبيعةَ خِلافٌ لهذا في الرِّباعِ والحَيوانِ إذا رَأَى الإمامُ ذلكَ (١).

وقالَ ابنُ الحاجِبِ: ولا يُناقَلُ بالعَقارِ ولو دَثُرَ وخَرِبَ ما حَولَه، وبَقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً تَدلُّ على مَنعِ بَيعِها ومِيراثِها (٢).

ولم يُجوِّزوا بَيعَه إلا في ثَلاثِ حالاتٍ ولو غيرَ خَربٍ:

١ - لتَوسيعِ مَسجدٍ إذا ضاقَ المَسجدُ بأهلِه واحتاجَ إلى تَوسِعةٍ، وبجانِبِه عَقارٌ حَبسٌ أو مِلكٌ، فإنه يَجوزُ بَيعُ الحَبسِ لأجلِ تَوسِعةِ المَسجدِ.

٢ - وتَوسِعةِ طَريقِ المُسلِمينَ.

٣ - وتَوسيعِ مَقبرةٍ للمُسلمينَ؛ لأنه نَفعٌ عامٌّ للمُسلمينَ، ونَفعُ ذلك أعَمُّ مِنْ بَيعِ الدارِ المُحبَّسةِ، وسَواءٌ كانَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ أو غيرِ مُعيَّنٍ، وإنْ أبى صاحِبُ الحَبسِ أو الناظِرُ أو صاحِبُ المِلكِ عن بَيعِ ذلكَ فالمَشهورُ أنهُم يُجبَرونَ على بَيعِ ذلكَ.

وإذا باعَ أربابُ الدُّورِ المُحبَّسةِ لأجْلِ تَوسِعةِ المَسجدِ أو المَقبرةِ أو الطَّريقِ فأخَذُوا الثَّمَنَ فإنهُم يُؤمَرونَ بأنْ يَجعلوهُ في حَبسٍ غَيرِه (٣).

(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٠٠).
(٢) «جامع الأمهات» ص (٤٥٢).
(٣) «المنتقى» (٦/ ١٣١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٨٠، ٤٨١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٢، ٥٨٣)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٤، ٩٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٧)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٤)، و «منح الجليل» (٨/ ١٥٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٨١).

وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ مُطلقًا (١).

وقد تقدَّمَ كَلامُهم بالتَّفصيلِ في حُكمِ بَيعِ الوَقفِ.

وذهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وبَعضُ الحَنفيةِ والحَنابلةُ في قَولٍ وابنُ قاضي الجَبلِ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ ابنُ حَرموَيهِ قاضِي مِصرَ وحكَمَ بذلكَ وهو قِياسُ قَولِ أحمَدَ إلى جَوازِ استِبدالِ الوَقفِ لِما هو أصلَحُ منه.

واستَدلَّ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمة الله عليه على جَوازِ إبدالِ الوَقفِ بخيرٍ منه بأدِلَّةٍ ورِواياتٍ عن الإمامِ أحمدَ، وأنا أذكُرُ هُنا بَعضًا مِنْ كَلامِه …

قالَ رحمة الله عليه: فَصلٌ في (إبدالِ الوَقفِ): حتى المَساجِدُ بمِثلِها أو خَيرٍ منها للحاجةِ أو المَصلحةِ، وكذلكَ إبدالُ الهَديِ والأُضحِيةِ والمَنذورِ، وكذلكَ إبدالُ المُستحِقِّ بنَظيرِه إذا تَعذَّرَ صَرفُه إلى المُستحِقِّ، والإبدالُ يَكونُ تارَةً بأنْ يُعوَّضَ فيها بالبَدلِ، وتارَةً بأنْ يُباعَ ويُشتَرى بثَمنِها المُبدَلُ.

فمَذهبُ أحمَدَ في غَيرِ المَسجدِ يُجوِّزُ بَيعَه للحاجةِ، وأمَّا المَسجدُ فيَجوزُ بَيعُه أيضًا للحاجةِ في أشهَرِ الرِّوايَتينِ عنهُ، وفي الأُخرى: لا تُباعُ عَرصَتُه، بل تُنقَلُ آلَتُها إلى مَوضعٍ آخَرَ.

(١) يُنظَر: «المهذب» (١/ ٤٤٥)، و «البيان» (٨/ ١٠٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٧٢، ١٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧٩)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٣٤، ٥٣٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٥٣)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٦٤، ٢٦٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥١٧، ٥١٨)، و «الديباج» (٢/ ٥٣٣).

ونَظيرُ هذا (المُصحَفُ)، فإنه يُكرَهُ بَيعُه كَراهةَ تَحريمٍ أو تَنزيهٍ، وأمَّا إبدالُه فيَجوزُ عندَه في إحدَى الرِّوايَتينِ عنه مِنْ غيرِ كَراهةٍ، ولكنَّ ظاهِرَ مَذهبِه أنه إذا بِيعَ واشتُريَ بثَمنِه فإنَّ هذا مِنْ جِنسِ الإبدالِ؛ إذْ فيهِ مَقصودُه، فإنَّ هذا فيهِ صَرفُ نَفعِه إلى نَظيرِ المُستحِقِّ إذا تَعذَّرَ صَرفُه إلى عَينِه.

فإنَّ المَسجدَ إذا كانَ مَوقوفًا ببَلدةٍ أو مَحَلَّةٍ فإذا تَعذَّرَ انتِفاعُ أهلِ تلكَ الناحِيةِ به صُرِفتِ المَنفعةُ في نَظيرِ ذلكَ، فيُبنَى بها مَسجدٌ في مَوضعٍ آخَرَ، كمَا يَقولُ مثلَ ذلكَ في زَيتِ المَسجدِ وحُصرِه إذا استَغنى عَنها المَسجدُ تُصرَفُ إلى مَسجِدٍ آخَرَ، ويَجوزُ صَرفُها عندَه في فُقراءِ الجيرانِ.

واحتَجَّ على ذلكَ «بأنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه كانَ يُقسِّمُ كِسوةَ الكَعبةِ بينَ المُسلِمينَ» (١)، فكذلكَ كِسوةُ سائرِ المَساجدِ؛ لأنَّ المُسلمينَ هُمْ المُستحِقُّونَ لمَنفعةِ المَساجِدِ.

واحتَجَّ على صَرفِها في نَظيرِ ذلك «بأنَّ عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ رضي الله عنه جمَعَ مالًا لمُكاتِبٍ ففضَلَتْ فَضلةٌ عن قَدرِ كِتابتِه، فصرَفَها في مُكاتِبٍ آخَرَ»، فإنَّ المُعطِينَ أعطَوُا المالَ للكِتابةِ، فلمَّا استَغنَى المُعيَّنُ صرَفَها في النَّظيرِ.

والمَقصودُ أنَّ أحمَدَ بنَ حَنبلٍ رحمة الله عليه اختَلفَ قَولُه في بَيعِ المَسجدِ عندَ عَدمِ الانتفاعِ به، ولم يَختلِفْ قَولُه في بَيعِ غَيرِه عندَ الحاجةِ، قالَ في رِوايةِ ابنِه عَبدِ اللهِ: إذا خَرِبَ المَسجدُ يُباعُ ويُنفَقُ ثَمنُه على مَسجدٍ آخَرَ.

(١) رواه الأزرقيُّ في «أخبَار مكَّة» (١/ ٢٥٩) عن مُسلِمِ بنِ خالدٍ عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن أبيهِ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه كانَ يَنْزِعُ كِسوةَ البَيتِ في كُلِّ سَنةٍ فيَقسمُها على الحاجِّ فيَستظلُّونَ بها على السَّمرِ بمكَّةَ».

وأمَّا إبدالُ المَسجدِ بغَيرِه للمَصلحةِ مع إمكانِ الانتفاعِ بالأولِ ففيهِ قَولانِ في مَذهبِ أحمدَ، واختَلفَ أصحابُه في ذلكَ، لكنَّ الجَوازَ أظهَرُ في نُصوصِه وأدِلَّتِه، والقَولُ الآخَرَ ليسَ عنهُ به نَصٌّ صَريحٌ، وإنَّما تَمسَّكَ أصحابُه بمَفهومِ خَطِّه، فإنه كَثيرًا ما يُفتِي بالجَوازِ للحاجةِ، وهذا قد يَكونُ تَخصيصًا للجَوازِ بالحاجةِ، وقد يَكونُ التَّخصيصُ لكَونِ ذلكَ هو الذي سُئِلَ عنه واحتاجَ إلى بَيانِه، وقد بسَطَ أبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ ذلكَ في «الشَّافي» الذي اختَصرَ منه «زاد المُسافِرِ» فقالَ: حدَّثَنا الخَلَّالُ ثنَا صالِحُ بنُ أحمدَ ثنا أبي ثنَا يَزيدُ بنُ هَارونَ ثنَا المُسعوديُّ عن القاسِمِ قالَ: «لمَّا قَدِمَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه على بَيتِ المالِ كانَ سَعدُ بنُ مالِكٍ قد بَنى القَصرَ واتَّخذَ مَسجدًا عندَ أصحابِ التَّمرِ، قالَ: فنُقِبَ بَيتُ المالِ فأخَذَ الرَّجلَ الذي نقَبَه، فكتَبَ إلى عُمرَ بنِ الخَطَّابِ فكتَبَ عُمرُ: أنْ لا تَقطَعِ الرَّجلَ وانقُلِ المَسجدَ واجعَلْ بَيتَ المالِ في قِبلتِه، فإنه لنْ يَزالَ في المَسجدِ مُصَلٍّ، فنقَلَه عَبدُ اللهِ فخَطَّ له هذه الخِطَّةَ» (١)، قالَ صالِحٌ: قالَ أبي: يُقالُ: إنَّ بَيتَ المالِ نُقِبَ مِنْ مَسجدِ الكُوفةِ، فحَوَّلَ عَبدُ اللهِ ابنُ مَسعودٍ المَسجدَ، فمَوضعُ التَّمَّارينِ اليومَ في مَوضعِ المَسجدِ العَتيقِ.

قال: وسَألتُ أبي عن رَجلٍ بَنى مَسجدًا ثمَّ أرادَ تَحويلَهُ إلى مَوضعٍ آخَرَ، قالَ: إنْ كانَ الذي بَنى المَسجدَ يُريدُ أنْ يُحوِّلَه خَوفًا مِنْ لُصوصٍ أو

(١) رواه الطَّبرانِيُّ في «المُعجَم الكَبير» (٨٩٤٩)، قالَ الهَيثميُّ في «مَجمَع الزَّوائِد» (٦/ ٢٧٥): رواهُ الطَّبرانِيُّ، والقاسِمُ لم يَسمعْ مِنْ جَدِّه -أي عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ-، ورِجالُه رِجالُ الصَّحيحِ.

يَكونُ مَوضعُه مَوضعَ قَذرٍ فلا بَأسَ أنْ يُحوِّلَه، يُقالُ: إنَّ بَيتَ المالِ نُقِبَ وكانَ في المَسجدِ فحَوَّلَ ابنُ مَسعودٍ المَسجدَ، ثنَا مُحمدُ بنُ عَليٍّ ثنا أبو يَحيى ثنا أبو طالِبٍ سُئلَ أبو عَبدِ اللهِ: هل يُحوَّلُ المَسجدِ؟ قالَ: إذا كانَ ضَيِّقًا لا يَسعُ أهلَه فلا بَأسَ أنْ يُجعلَ إلى مَوضعٍ أوسَعَ منه.

ثنَا مُحمدُ بنُ عَليٍّ ثنَا عَبدُ اللهِ بنُ أحمدَ قالَ: سَألتُ أبي عن مَسجدٍ خَرِبَ، تَرى أنْ تُباعَ أرضُه وتُنفَقَ على مَسجِدٍ آخَرَ أحدَثُوهُ؟ قالَ: إذا لم يَكنْ له جِيرانٌ ولم يَكُنْ أحَدٌ يَعمُرُه فلا أَرى به بَأسًا أنْ يُباعَ ويُنفَقَ على الآخَرِ.

ثنَا مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ ثنا أبو داودَ قالَ: سَمِعتُ أحمدَ سُئلَ عن مَسجدٍ فيهِ خَشَبتانِ لهُمَا قِيمةٌ وقد تَشعَّثتْ وخافوا سُقوطَه، أتُباعُ هاتانِ الخَشَبتانِ ويُنفَقُ على المَسجدِ ويُبدَّلُ مَكانَهما جِذعَينِ؟ قالَ: ما أرَى به بَأسًا، واحتَجَّ بدَوابِّ الحَبيسِ التي لا يُنتفعُ بها، تُباعُ ويُجعلُ ثَمنُها في الحَبيسِ.

ولا رَيبَ أنَّ في كَلامِه ما يُبيِّنُ جَوازَ إبدالِ المَسجدِ للمَصلحةِ وإنْ أمكَنَ الانتفاعُ به؛ لكَونِ النَّفعِ بالثَّاني أكمَلَ ويَعودُ الأولُ طَلْقًا.

وقالَ أبو بَكرٍ في «زاد المُسافِرِ»: قالَ أحمدُ في رِوايةِ صالِحٍ: نُقبَ بَيتُ المالِ بالكُوفةِ، وعلى بَيتِ المالِ ابنُ مَسعودٍ، فكتَبَ إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه، فكتَبَ إليهِ عُمرُ أنِ انقُلِ المَسجدَ وصَيِّرْ بَيتَ المالِ في قِبلتِه، فإنه لن يَخلوَ مِنْ مُصَلٍّ فيهِ، فنقَلَه سَعدٌ إلى مَوضعِ التَّمَّارينِ اليومَ، وصارَ سوقُ التَّمارينِ في مَوضعِه، وعَمل بَيتِ المالِ في قِبلتِه، فلا بَأسَ أنْ تُنقلَ المَساجدُ إذا خَرِبتْ، وقالَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: إذا كانَ المَسجدُ

يَضيقُ بأهلِه فلا بَأسَ أنْ يُحوَّلَ إلى مَوضعٍ أوسَعَ منه، جوَّزَ تَحويلَه لنَقصِ الانتفاعِ بالأولِ لا لتَعذُّرِه.

وقالَ القاضي أبو يَعلَى: وقالَ في رِوايةِ صالِحٍ: يُحوَّلُ المَسجدِ خَوفًا مِنْ لُصوصٍ وإذا كانَ مَوضِعُه قَذرًا، وبالثَّاني قالَ القاضي أبو يَعلَى.

وقالَ في رِوايةِ أبي داودَ في مَسجِدٍ أرادَ أهلُه أنْ يَرفَعوهُ مِنْ الأرضِ ويُجعلَ تَحتَه سِقايةٌ وحَوانيتُ وامتَنعَ بَعضُهم مِنْ ذلكَ: يُنظرُ إلى قَولِ أكثَرِهم، ولا بَأسَ به.

قالَ: فظاهِرُ هذا أنه أجازَ أنْ يُجعلَ سُفلُ المَسجدِ حَوانيتَ وسِقايةً، قالَ: ويَجبُ أنْ يُحمَلَ هذا على أنَّ الحاجةَ دَعَتْ إلى ذلكَ لمَصلحةٍ تَعودُ بالمَسجدِ، قالَ: وكانَ شَيخُنا أبو عَبدِ اللهِ هو ابنُ حامِدٍ يَمنعُ مِنْ ذلكَ، ويَتأوَّلُ المَسألةَ على أنهمُ اختَلَفوا في ذلكَ عند ابتِداءِ بِناءِ المَسجدِ قبلَ وَقفِه، قالَ: وليسَ يَمتنعُ على أصلِنا جَوازُ ذلكَ إذا كانَ فيهِ مَصلحةٌ؛ لأنَّا نُجيزُ بَيعَه ونَقْلَه إلى مَوضعٍ آخَرَ.

قالَ: وقد قالَ أحمدُ في رِوايةِ بَكرِ بنِ مُحمدٍ في مَسجدٍ ليسَ بحَصينٍ مِنْ الكِلابِ وغَيرِها وله مَنارةٌ، فرخَّصَ في نَقضِها، ويُبنَى بها حائِطُ المَسجدِ للمَصلحةِ.

أمَّا قَولُ القائلِ: «لا يَجوزُ النَّقلُ والإبدالُ إلا عندَ تَعذُّرِ الانتفاعِ» فمَمنوعٌ، ولم يَذكُروا على ذلكَ حُجَّةً لا شَرعِيةً ولا مَذهَبيةً، فليسَ عن الشارِعِ ولا عن صاحِبِ المَذهبِ هذا النَّفيُ الذي احتَجُّوا به، بل قد دَلَّتِ

الأدلَّةُ الشَّرعيةُ وأقوالُ صاحِبِ المَذهبِ على خِلافِ ذلكَ، وقد قالَ أحمدُ: إذا كانَ المَسجدُ يَضيقُ بأهلِه فلا بَأسَ أنْ يُحوَّلَ إلى مَوضعٍ أوسَعَ منه، وضِيقُه بأهلِه لم يُعطِّلْ نفْعَه، بل نَفعُه باقٍ كما كانَ، ولكنَّ الناسَ زادُوا وقد أمكَنَ أنْ يُبنَى لهم مَسجدٌ آخَرُ، وليسَ مِنْ شَرطِ المَسجدِ أنْ يَسَعَ جَميعَ الناسِ، ومع هذا جَوَّزَ تَحويلَه إلى مَوضعٍ آخَرَ؛ لأنَّ اجتِماعَ الناسِ في مَسجدٍ واحِدٍ أفضَلُ مِنْ تَفريقِهم في مَسجدَينِ؛ لأنَّ الجَمعَ كلَّما كَثُرَ كانَ أفضَلَ؛ لقَولِ النبيِّ : «إنَّ صلاةَ الرَّجلِ مع الرَّجلِ أَزكَى مِنْ صَلاتِه وحْدَه، وصَلاتُه مع الرَّجلَينِ أَزكَى مِنْ صَلاتِه مع الرَّجلِ، وما كَثُرَ فهو أحَبُّ إلى اللهِ تعالَى» (١) رَواهُ أبو داودَ وغيرُه.

وهذا مع أنه يَجوزُ بناءُ مَسجدٍ آخَرَ إذا كَثُرَ الناسُ وإنْ كانَ قَريبًا، مع مَنعِه لبِناءِ مَسجدِ ضِرارٍ، قالَ أحمدُ في رِوايةِ صالحٍ: لا يُبنَى مَسجدٌ يُرادُ به الضِّرارُ لمَسجدٍ إلى جانِبِه فإنْ كَثُرَ الناسُ فلا بَأسَ أنْ يُبنَى وإنْ قَرُبَ، فمعَ تَجويزِه بِناءَ مَسجدٍ آخَرَ عندَ كَثرةِ الناسِ وإنْ قَرُبَ أجازَ تَحويلَ المَسجدِ إذا ضاقَ بأهلِه إلى أوسَعَ منه؛ لأنَّ ذلكَ أصلَحُ وأنفَعُ لا لأجلِ الضَّرورةِ.

ولأنَّ الخُلَفاءَ الراشِدِينَ عُمرَ وعُثمانَ رضي الله عنهما غَيَّرا مَسجدَ النبيِّ ، وأمَرَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ بنَقلِ مَسجدِ الكُوفةِ إلى مَكانٍ آخَرَ، وصارَ الأولُ سُوقَ التَّمَّارينِ للمَصلحةِ الراجِحةِ لا لأجلِ تَعطُّلِ مَنفعةِ تلكَ المَساجدِ، فإنه لم يَتعطَّلْ نَفعُها، بل ما زالَ باقيًا، وكذلكَ خُلَفاءُ

(١) حسن: رواه أبو داود» (٥٥٤).

المُسلمينَ بعدَهُم كالوَليدِ والمَنصورِ والمَهديِّ فَعَلوا مثلَ ذلكَ بمَسجدِ الحَرَمينِ، وفعَلَ ذلكَ الوَليدُ بمَسجدِ دِمشقَ وغيرِها مع مَشورةِ العُلماءِ في ذلكَ وإقرارِهِم.

حتى أفتَى مالكٌ وغَيرُه بأنْ يُشتَرى الوَقفُ المُجاوِرُ للمَسجدِ ويُعوَّضَ أهلُه عنه، فجَوَّزوا بَيعَ الوَقفِ والتَّعويضَ عنه لمَصلحةِ المَسجدِ لا لمَصلحةِ أهلِه، فإذا بِيعَ وعُوِّضَ عنه لمَصلحةِ أهلِه كانَ أَولَى بالجَوازِ.

فإنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ خرَّبَ المَسجدَ الأولَ -مَسجدَ الجامعِ الذي كانَ لأهلِ الكُوفةِ- وجعَلَ بدَلَه مَسجدًا في مَوضعٍ آخَرَ مِنْ المَدينةِ، وصارَ مَوضِعُ المَسجدِ الأولِ سُوقَ التَّمارينِ، وقالَ أصحابُ أحمدَ: هذا يَقتضِي إجماعَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم عليها، قالَ ابنُ عَقيلٍ: وهذا كانَ مع تَوفُّرِ الصَّحابةِ فهو كالإجماعِ؛ إذْ لم يُنكِرْ أحَدٌ ذلكَ مع كَونِهم لا يَسكُتونَ عن إنكارِ ما يَعُدُّونَه خَطأً، لأنهُم أنكَروا على عُمرَ النَّهيَ عن المُغالاةِ في الصَّدقاتِ حتى رَدَّتْ عليه امرَأةٌ، ورَدُّوه عن أنْ يَحُدَّ الحامِلَ، فقالوا: «إنْ جعَلَ اللهُ لكَ على ظَهرِها سَبيلًا فما جعَلَ لكَ على ما في بَطنِها سَبيلًا»، وأنكَروا على عُثمانَ في إتمامِ الصَّلاةِ في الحَجِّ حتى قالَ: «إني دَخَلتُ بَلدًا فيهِ أهلِي»، وعارَضوا عَليًّا حينَ رَأى بَيعَ أمَّهاتِ الأولادِ، فلو كانَ نَقلُ المَسجدِ مُنكَرًا لَكانَ أحَقَّ بالإنكارِ؛ لأنه أمرٌ ظاهِرٌ فيهِ شَناعةٌ.

واحتَجَّ أيضًا بما رَوَى أبو حَفصٍ في المَناسِكِ عن عائِشةَ رضي الله عنها أنه قيلَ لَها: «يا أمَّ المُؤمِنينَ إنَّ كِسوةَ الكَعبةِ قد يُداوَلُ عليها، فقالَتْ: تُباعُ

ويُجعَلُ ثَمنُها في سَبيلِ الخيرِ» (١)، فأمَرَتْ عائِشةُ ببَيعِ كِسوةِ الكَعبةِ مع أنها وَقفٌ، وصُرفَ ثَمنُها في سَبيلِ الخيرِ؛ لأنَّ ذلكَ أصلَحُ للمُسلمينَ.

وهكذا قالَ مَنْ رَجَّحَ قَولَ ابنِ حامِدٍ في وَقفِ الاستِغلالِ كأبي مُحمدٍ قالَ: وإنْ لم تَتعطَّلْ مَنفعةُ الوَقفِ بالكُليَّةِ لكن قَلَّتْ أو كانَ غَيرُه أنفَعَ منه وأكثَرَ رَدًّا على أهلِ الوَقفِ لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأنَّ الأصلَ تَحريمُ البَيعِ، وإنَّما أُبيحَ للضَّرورةِ؛ صِيانةً لمَقصودِ الوَقفِ عن الضَّياعِ مع إمكانِ تَحصيلِه، ومَعَ الانتفاعِ به وإنْ قُلنَا يَضيعُ المَقصودُ اللَّهمَّ إلَّا أنْ يَبلغَ مِنْ قلَّةِ النَّفعِ إلى حَدٍّ لا يُعَدُّ نَفعًا، فيَكونُ وُجودُ ذلكَ كالعَدمِ.

فيُقالُ: ما ذَكَروهُ مَمنوعٌ، ولم يَذكُروا عليه دَليلًا شَرعيًّا ولا مَذهبيًّا، وإنْ ذَكَروا شيئًا مِنْ مَفهومِ كَلامِ أحمدَ أو مَنطوقِه فغايَتُه أنْ يَكونَ رِوايةً عنهُ قد عارَضَها رِوايةٌ أخرَى عنه هي أشبَهُ بنُصوصِه وأُصولِه، وإذا ثبَتَ في نُصوصِه وأُصولِه جَوازُ إبدالِ المَسجدِ للمَصلحةِ الرَّاجحةِ فغَيرُه أَولَى، وقد نَصَّ على جَوازِ بَيعِ غَيرِه أيضًا للمَصلحةِ لا للضَّرورةِ كما سَنذكُرهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

(١) رواهُ الأزرقيُّ في «أخبَار مكَّةَ» (٥/ ٢٣١) عن عَلقمةَ ابن أبي عَلقمةَ عن أمِّه عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «دخَلَ عليَّ شَيبةُ الحجبيُّ فقالَ: يا أمَّ المُؤمنينَ إنَّ ثِيابَ الكَعبةِ تَجتمعُ عندَنا فتَكثرُ، فنَنزعُها ونَحفرُ بئارًا فنُعمِّقُها ونَدفنُها لكِي لا تَلبسَها الحائضُ والجُنبُ، قالَتْ: بِئسَما صَنعتَ، ولكنْ بِعْها فاجعَلْ ثمَنَها في سَبيلِ اللهِ وفي المَساكينِ، فإنها إذا نزَعْتَ عنها لَم يَضرَّ مَنْ لَبِسَها مِنْ حائِضٌ أو جُنبٍ».

وأمَّا الفَرسُ الحَبيسُ إذا عَطِبَ فإنَّ الذي يَشتريهِ قد يَشتريهِ ليَركبَه أو يُديرَه في الرَّحَى، ويُمكِنُ أهلَ الجِهادِ أنْ يَنتفِعوا به في مِثلِ ذلكَ، مثلَ الحَملِ عليه واستِعمالِه في الرَّحى وإجارتِه وانتِفاعِهم بأجرَتِه، ولكنَّ المَنفعةَ المَقصودةَ لحَبسِه -وهي الجِهادُ عليه- تَعطَّلتْ، ولم يَتعطَّلِ انتِفاعُهم به بكُلِّ وَجهٍ.

وإذا كانَ يَجوزُ في ظاهِرِ مَذهبِه في المَسجدِ المَوقوفِ الذي يُوقَفُ للانتِفاعِ بعَينِه، وعَينُه مُحتَرَمةٌ شَرعًا، يَجوزُ أنْ يُبدَلَ به غيرُه للمَصلحةِ لكَونِ البَدلِ أنفَعَ وأصلَحَ وإنْ لم تَتعطَّلْ مَنفعتُه بالكُليَّةِ، ويَعودُ الأولُ طَلقًا، مع أنه معَ تَعطُّلِ نَفعِه بالكُليَّةِ، هل يَجوزُ بَيعُه؟ عنه فيهِ رِوايَتانِ، فلَأنْ يَجوزَ الإبدالُ بالأصلَحِ والأنفَعِ فيما يُوقَفُ للاستِغلالِ أَولَى وأَحرَى، فإنه عندَه يَجوزُ بَيعُ ما يُوقَفُ للاستِغلالِ للحاجةِ قولًا واحِدًا، وفي بَيعِ المَسجدِ للحاجةِ رِوايَتانِ.

فإذا جُوِّزَ على ظاهِرِ مَذهبِه أنْ يُجعَلَ المَسجدُ الأولُ طَلْقًا ويُوقَفَ مَسجدٌ بدَلَه للمَصلحةِ وإنْ لم تَتعطَّلْ مَنفعةُ الأوَّلِ، فلَأنْ يَجوزَ أنْ يُجعلَ المَوقوفُ للاستِغلالِ طَلْقًا ويُوقَفَ بدَلَه أصلَحُ منه وإنْ لم تَتعطَّلْ مَنفعةُ الأولِ أَحْرى؛ فإنَّ بَيعَ الوَقفُ المُستغَلُّ أَولَى مِنْ بَيعِ المَسجدِ، وإبدالُه أَولى مِنْ إبدالِ المَسجدِ؛ لأنَّ المَسجدَ تُحترمُ عَينُه شَرعًا ويُقصَدُ الانتفاعُ بعَينِه، فلا يَجوزُ إجارَتُه ولا المُعاوَضةُ عن مَنفعتِه، بخِلافِ وَقفِ الاستِغلالِ؛ فإنه يَجوزُ إجارَتُه والمُعاوَضةُ عن نَفعِه، وليسَ المَقصودُ أنْ يَستَوفِيَ المَوقوفُ

عليه مَنفعتَه بنَفسِه كما يُقصدُ مِثلُ ذلكَ في المَسجدِ، ولا له حُرمةٌ شَرعيةٌ لحَقِّ اللهِ تعالَى كما للمَسجدِ (١).

قال: وممَّا يُبيِّنُ ذلكَ أنَّ الوَقفَ على مُعَيَّنٍ قد تَنازَعَ العُلماءُ فيه هل هو مِلكٌ للمَوقوفِ عليه؟ أو هو باقٍ على مِلكِ الواقفِ؟ أو هو مِلكٌ للهِ تعالى؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ مَعروفةٍ في مَذهبِ الشافِعيِّ وأحمدَ وغَيرِهما، وأكثَرُ أصحابِ أحمدَ يَختارونَ أنه مِلكٌ للمَوقوفِ عليه، كالقاضي وابنِ عَقيلٍ، وأمَّا المَسجدُ ونَحوُه فليسَ مِلكًا لمُعيَّنٍ باتِّفاقِ المُسلمينَ، وإنَّما يُقالُ: هو مِلكٌ للهِ، وقد يُقالُ: هو مِلكٌ لجَماعةِ المُسلمينَ؛ لأنهُم المُستحِقُّونَ للانتِفاعِ به، فإذا جازَ إبدالُ هذا بخَيرٍ منه للمَصلحةِ فالأولُ أَولَى، إمَّا بأنْ يُعوَّضَ عَنها بالبَدَلِ، وإمَّا أنْ تُباعَ ويُشتَرى بثَمنِها البَدلُ، والإبدالُ كما تقدَّمَ يُبدَلُ بجِنسِه بما هو أنفَعُ للمَوقوفِ عليه (٢).

ثُمَّ قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: والدَّليلُ على ذلكَ وُجوهٌ:

أحَدُها: ما ثبَتَ في الصَّحيحَينِ عن عائِشةَ رضي الله عنها عن النبيِّ أنه قالَ: «لولا أنَّ قَومَكِ حَديثُو عَهدٍ بجاهِليةٍ لنَقَضتُ الكَعبةَ ولَألصَقْتُها بالأرضِ، ولَجَعلْتُ لها بابَينِ: بابًا يَدخلُ الناسُ منه، وبابًا يَخرجُونَ منهُ» (٣).

(١) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢١٢، ٢٢٩).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٣٣).
(٣) أخرجه البخاري (١٢٦)، ومسلم (١٣٣٣) بلَفظٍ قَريبٍ.

ومَعلومٌ أنَّ الكَعبةَ أفضَلُ وَقفٍ على وَجهِ الأرضِ، ولو كانَ تَغييرُها وإبدالُها بما وصَفَه واجِبًا لم يَتركْه، فعُلِمَ أنه كانَ جائِزًا، وأنه كانَ أصلَحَ لَولَا ما ذكَرَه مِنْ حَدَثانِ عَهدِ قُريشٍ بالإسلامِ، وهذا فيهِ تَبديلُ بِنائِها ببِناءٍ آخَرَ، فعُلِمَ أنَّ هذا جائِزٌ في الجُملةِ، وتَبديلُ التَّأليفِ بتَأليفٍ آخَرَ هو أحَدُ أنواعِ الإبدالِ، وأيضًا فقدْ ثبَتَ أنَّ عُمرَ وعُثمانَ غَيَّرا بِناءَ مَسجدِ النبيِّ ، أمَّا عُمرُ فبَناهُ بنَظيرِ بِنائِه الأولِ باللَّبِنِ والجُذوعِ، وأمَّا عُثمانُ فبَناهُ بمَادَّةٍ أعلَى مِنْ تِلكَ كالسَّاجِ، وبكلِّ حالٍ فاللَّبِنُ والجُذوعُ التي كانَتْ وَقفًا أبدَلَها الخُلفاءُ الراشِدونَ بغَيرِها، وهذا مِنْ أعظَمِ ما يَشتهرُ مِنْ القَضايا، ولم يُنكِرْه مُنكِرٌ، ولا فرْقَ بينَ إبدالِ البِناءِ بِبناءِ وإبدالِ العَرْصةِ بعَرْصةٍ إذا اقتَضَتِ المَصلحةُ ذلكَ، ولهذا أبدَلَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ مَسجدَ الكُوفةِ بمَسجدِ آخَرَ، أبدَلَ نَفْسَ العَرْصَةِ وصارَتِ العَرصةُ الأُولى سُوقًا للتَّمارينِ، فصارَتِ العَرْصةُ سُوقًا بعدَ أنْ كانَتْ مَسجدًا، وهذا أبلَغُ ما يَكون في إبدالِ الوَقفِ للمَصلحةِ.

وأيضًا فقدْ ثبَتَ عن النبيِّ أنه جوَّزَ إبدالَ المَنذورِ بخَيرٍ منه، ففي المُسنَدِ مُسندِ أحمَدَ وسُننِ أبي داودَ قالَ أبو داودَ: ثنَا موسَى ابنُ إسماعيلَ ثنا حَمَّادٌ -يعني ابنَ سَلمةَ- أنا حَبيبٌ المُعلِّمُ عن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ عن جابرِ بنِ عَبدِ اللهِ رضي الله عنهما «أنَّ رَجلًا قامَ يَومَ الفَتحِ فقال: يا رَسولَ اللهِ إني نَذَرتُ للهِ إنْ فتَحَ اللهُ عليكَ مَكَّةَ أنْ أُصلِّيَ في بيتِ المَقدِسِ رَكعَتَينِ، قالَ: صَلِّ هاهُنا، ثُمَّ أعادَ عليهِ فقالَ: صَلِّ هاهُنا، ثُمَّ أعادَ عليهِ

فقالَ: شَأنُكَ إذنْ» (١)، قالَ أبو داودَ: ورُويَ نَحوُه عن عَبدِ الرَّحمنِ بْنِ عَوفٍ عن النبيِّ .

ولهذا في السُّننِ طَريقٌ ثالِثٌ رَواهُ أحمدُ وأبو داودَ عن طائِفةٍ مِنْ أصحابِ النبيِّ ، قالَ أبو داودَ: ثنا ابنُ خالِدٍ ثنا أبو عاصِمٍ وثنا عبَّاسٌ العَنبَريُّ ثنا رَوحٌ عن ابنِ جُريجٍ أنَا يُوسفُ بنُ الحَكمِ بنِ أبي سُفيانَ أنه سَمِعَ حَفصَ بنَ عُمرَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ عن رِجالٍ مِنْ أصحابِ النبيِّ بهذا الخبَرِ، زادَ: فقالَ النبيُّ : «والذي بعَثَ مُحمدًا بالحَقِّ لو صَلَّيتَ هاهُنا لَأجزَأَ عنكَ صلاةً في بَيتِ المَقدِسِ» (٢)، قالَ أبو داودَ: رَواهُ الأنصارُ عن ابنِ جُريْحٍ، قالَ حَفصُ بنُ عُمرَ بنِ حِنَّةَ: وقالَ عُمرُ: أخبَراهُ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ عن رِجالٍ مِنْ أصحابِ النبيِّ .

وفي المُسنَدِ وصَحيحِ مُسلِمٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما «أنَّ امرَأةً اشتَكتْ شَكوَى فقالَتْ: إنْ شَفاني اللهُ لَأخرُجَنَّ فلَأصلِّيَنَّ في بَيتِ المَقدسِ، فبَرَأتْ ثمَّ تَجهَّزتْ تُريدُ الخُروجَ، فجَاءَتْ مَيمونةَ زوْجَ النبيِّ تُسلِّمُ عليها، فأخبَرَتْها ذلكَ، فقالَتْ: اجلسِي فكُلِي ما صَنَعتِ وصَلِّي في مَسجدِ الرَّسولِ ، فإني سَمِعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: صَلاةٌ فيه أفضَلُ مِنْ ألفِ صلاةٍ فيما سِواهُ مِنْ المَساجدِ إلا مَسجدَ الكَعبةِ» (٣).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٣٠٥).
(٢) رواه أبو داود (٣٣٠٦).
(٣) أخرجه مسلم (١٣٩٦).

والنبيُّ قالَ: «صَلِّ هاهُنا» وقال: «لو صَلَّيتَ هاهُنا لَأجزَأَ عنكَ صلاةً في بَيتِ المَقدِسِ»، فخَصَّ الأمرَ بالصلاةِ في المَسجدِ الحَرامِ ولم يَقلْ: صَلِّ حَيثُ شِئتَ، وقال: «لو صَلَّيتَ هاهُنا لَأجزَأَ عنكَ صلاةً في بَيتِ المَقدسِ»، فجعَلَ المُجزِئَ عنهُ الصلاةَ في المَسجدِ الأفضَلِ لا في كُلِّ مَكانٍ، فدَلَّ هذا على أنهُ لم يَنقلْه إلى البَدلِ إلَّا لفَضلِه، لا لكَونِ الصلاةِ لم تَتعيَّنْ.

فدَلَّ ذلكَ على أنَّ السفَرَ إلى المَساجدِ الثلاثةِ بِرٌّ وقُربةٌ وعَملٌ صالحٌ، ولهذا أَذِنَ له النبيُّ أنْ يَذهبَ إلى الأقصَى مع أمرِه له أنْ يُصلِّيَ في المَسجدِ الحرامِ وأخبَرَه أنَّ ذلكَ يُجزِئُه، فدَلَّ ذلكَ على أنه أمرُ نَدبٍ، وأنه مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَفعلَ عيْنَ المَنذورِ وأنْ يَفعلَ ما هو أفضَلُ منه.

ومَعلومٌ أنَّ النَّذرَ يُوجِبُ عليه ما نذَرَه للهِ تعالى مِنْ الطاعةِ؛ لقَولِه : «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فلْيُطِعهُ»، وهو أمرٌ أوجَبَه هو على نَفسِه لم يَجبْ بالشرعِ ابتِداءً، ثمَّ إنَّ الشارعَ بيَّنَ أنَّ البدَلَ الأفضَلَ يَقومُ مَقامَ هذا، والأُضحِيةُ والهَديُ المُعيَّنُ وُجوبُه مِنْ جِنسِ وُجوبِ النَّذرِ المُعيَّنِ، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ إبدالَه بخَيرِ منه أفضَلُ مِنْ ذَبحِه بعَينِه كالواجِبِ بالشَّرعِ في الذِّمةِ، كما لو وجَبَ عليه بنتُ مَخاضٍ فأدَّى بِنتَ لَبونٍ، أو وجَبَ عليه بِنتُ لَبونٍ فأدَّى حِقَّةً، وفي ذلكَ حَديثٌ في السُّننِ عن النبيِّ يُبيِّنُ أنه إذا أدَّى أفضَلَ مِمَّا وجَبَ عليه أجزَأَه، رَواهُ أبو داودَ في السُّننِ وغَيرُه.

قالَ أبو داودَ: ثنا مُحمدُ بنُ مَنصورٍ ثنَا يَعقوبُ بنُ إبراهِيمَ ثنا أبي عن ابنِ إسحاقَ حَدَّثَني عَبدُ اللهِ بنُ أبي بَكرٍ عن يَحيى بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَعدِ بنِ زُرارةَ عن عَمارةَ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ عن أُبيِّ بنِ كَعبٍ قالَ: «بَعثَني النبيُّ مُصدِّقًا، فمَرَرتُ برَجلٍ فلمَّا جمَعَ لي مالَه لم أَجدْ عليه فيهِ إلا ابنَةَ مَخاضٍ، فقُلتُ له: أدِّ ابنَةَ مَخاضٍ فإنها صَدَقتُكَ، فقالَ: ذاكَ ما لا لبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، ولكنْ هذه ناقَةٌ فتيَّةٌ عَظيمةٌ سَمينةٌ فخُذْها، فقُلتُ له: ما أنا بآخِذٍ ما لم أُومَرْ به، وهذا رَسولُ اللهِ منكَ قَريبٌ فإنْ أحبَبْتَ أنْ تَأتيَه فتَعرِضَ عليه ما عرَضْتَ عَليَّ فافعَلْ، فإنْ قَبِلَه منكَ قَبِلتُه، وإنْ رَدَّه عليكَ رَدَدتُه، قالَ: فإني فاعلٌ، فخرَجَ معِي وخرَجَ بالناقةِ التي عرَضَ عَليَّ حتى قَدِمْنا على رَسولِ اللهِ ، فقالَ له: يا نَبيَّ اللهِ أتاني رَسولُكَ ليَأخُذَ منِّي صَدقةَ مالي، وايمُ اللهِ ما قامَ في مالي رَسولُ اللهِ ولا رَسولُه قَطُّ قبْلَه، فجَمَعتُ له مالي فزعَمَ أنَّ ما عليَّ فيه ابنة مخَاضٍ، وذلكَ ما لا لبَنَ فيهِ ولا ظَهْرَ، وقد عَرَضتُ عليه ناقةً فَتيَّةً عَظيمةً ليَأخذَها فأبَى عَليَّ، وها هيَ ذِهْ قد جِئتُكَ بها يا رَسولَ اللهِ، خُذْها، فقالَ له رَسولُ اللهِ : ذاكَ الذي عليكَ، فإنْ تَطوَّعتَ بخَيرٍ آجَرَكَ اللهُ فيه وقَبِلْناهُ منكَ، قالَ: فها هيَ ذهِ يا رَسولَ اللهِ قد جِئتُكَ بها فخُذْها، قالَ: فأمَرَ رَسولُ اللهِ بقَبضِها ودَعَا له في مالِه بالبَركةِ» (١)،

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٥٨٣)، وأحمد في «مسنده» (٢١٣١٦)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٢٧٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٢٦٩).

وما في هذا الحَديثِ مِنْ إجزاءِ سِنٍّ أعلى مِنْ الواجِبِ مَذهبُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ الفُقهاءِ المَشهورينَ وغَيرِهم، فقدْ ثبَتَ أنَّ إبدالَ الواجِبِ بخَيرٍ منه جائِزٌ، بل يُستَحبُّ فيما وجَبَ بإيجابِ الشَّرعِ وبإيجابِ العَبدِ، ولا فرْقَ بينَ الواجِبِ في الذِّمةِ وما أوجَبَه مُعيَّنًا؛ فإنَّ ما وجَبَ في الذِّمةِ وإنْ كانَ مُطلَقًا مِنْ وَجهٍ فإنه مَخصوصٌ مُتميِّزٌ عن غَيرِه، ولهذا لم يَكُنْ له إبدالُه بدونِه بلا رَيبٍ.

وعلى هذا فلو نذَرَ أنْ يَقفَ شيئًا فوقَفَ خيرًا منه كانَ أفضَلَ، فلو نذَرَ أنْ يَبنيَ للهِ مَسجدًا وصَفَه، أو يَقفَ وَقفًا وصَفَه، فبَنى مَسجدًا خيرًا منه ووقَفَ وَقفًا خيرًا منه كانَ أفضَلَ، ولو عيَّنَه فقال: «للهِ عَليَّ أنْ أبنيَ هذه الدارَ مَسجدًا» أو وقَفَها على الفُقراءِ والمَساكينِ فبَنى خَيرًا منها ووقَفَ خيرًا منها كانَ أفضَلَ، كالذي نذَرَ الصَّلاةَ بالمَسجدِ الأقصَى وصَلَّى في المَسجدِ الحَرامِ، أو كانَتْ عليه بِنتُ مَخاضٍ فأدَّى خيرًا منها (١).

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن الواقِفِ والناذِرِ يُوقِفُ شيئًا ثمَّ يَرى غيرَه أحَظَّ للمَوقوفِ عليه منه، هل يَجوزُ إبدالُه كما في الأُضحِيةِ؟

فأجابَ: وأمَّا إبدالُ المَنذورِ والمَوقوفِ بخيرٍ منه كما في إبدالِ الهَديِ فهذا نَوعانِ:

أحَدُهما: أنَّ الإبدالَ للحاجةِ، مثلَ أنْ يَتعطَّلَ فيُباعَ ويُشتَرى بثَمنِه ما يَقومُ مَقامَه، كالفَرَسِ الحَبيسِ للغَزوِ إذا لم يُمكِنِ الانتفاعُ به للغَزوِ فإنه

(١) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٤٤، ٢٤٩).

يُباعُ ويُشتَرى بثَمنِه ما يَقومُ مَقامَه، والمَسجدُ إذا خَرِبَ ما حَولَه فتُنقَلُ آلَتُه إلى مَكانٍ آخَرَ، أو يُباعُ ويُشتَرى بثَمنِه ما يَقومُ مَقامَه، أو لا يُمكِنُ الانتفاعُ بالمَوقوفِ عليه مِنْ مَقصودِ الواقفِ فيُباعُ ويُشتَرى بثَمنِه ما يَقومُ مَقامَه، وإذا خَرِبَ ولم تُمكِنْ عِمارتُه فتُباعُ العَرْصةُ ويُشتَرى بثَمنِها ما يَقومُ مَقامَها، فهذا كلُّهُ جائزٌ، فإنَّ الأصلَ إذا لم يَحصلْ به المَقصودُ قامَ بَدلُه مَقامَه.

والثَّاني: الإبدالُ لمَصلحةٍ راجِحةٍ، مثلَ أنْ يُبدِلَ الهَديَ بخيرٍ منه، ومثلَ المَسجدِ إذا بُنيَ بَدلُه مَسجدٌ آخَرُ أصلَحُ لأهلِ البَلدِ منه وبِيعَ الأولُ، فهذا ونَحوُه جائِزٌ عند أحمدَ وغَيرِه مِنْ العُلماءِ، واحتَجَّ أحمدُ بأنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه نقَلَ مَسجدَ الكُوفةِ القَديمَ إلى مَكانٍ آخَرَ، وصارَ الأولُ سُوقًا للتَّمَّارينِ، فهذا إبدالٌ لعَرْصةِ المَسجدِ.

وأمَّا إبدالُ بِنائِه ببِناءٍ آخَرَ فإنَّ عُمرَ وعُثمانَ بَنَيا مَسجدَ النبيِّ بِناءً غيرَ بِنائِهِ الأولِ وزادَا فيهِ، وكذلكَ المَسجدُ الحَرامُ، فقدْ ثبَتَ في الصَّحيحَينِ أنَّ النبيَّ قالَ لعائِشةَ: «لَولا أنَّ قَومَكِ حَديثُو عَهدٍ بجاهِليةٍ لنَقَضتُ الكَعبةَ ولَألصَقتُها بالأرضِ، ولَجَعَلتُ لها بابَينِ: بابًا يَدخلُ الناسُ منه، وبابًا يَخرجونَ منهُ» (١)، فلولا المُعارِضُ الرَّاجحُ لَكانَ النبيُّ يُغَيِّرُ بِناءَ الكَعبةِ، فيَجوزُ تَغييرُ بِناءِ الوَقفِ مِنْ صُورةٍ إلى صُورةٍ لأجْلِ المَصلحةِ الراجِحةِ.

(١) أخرجه البخاري (١٢٦)، ومسلم (١٣٣٣) بلَفظٍ قَريبٍ.

وأمَّا إبدالُ العَرصةِ بعَرْصةٍ أُخرى فهذا قد نَصَّ أحمدُ وغَيرُه على جَوازِه؛ اتِّباعًا لأصحابِ رَسولِ اللهِ ، حَيثُ فعَلَ ذلكَ عُمرُ واشتَهرَتِ القَضِيةُ ولم تُنكَرْ.

وأمَّا ما وُقفَ للغَلةِ إذا أُبدِلَ بخيرٍ منه، مثلَ أنْ يَقفَ دارًا أو حانوتًا أو بُستانًا أو قَريةً يَكونُ مُغلُّها قَليلًا فيُبدِلُها بما هو أنفَعُ للوَقفِ، فقدْ أجازَ ذلكَ أبو ثَورٍ وغَيرُه مِنْ العُلماءِ مثلَ أبي عُبيدِ ابنِ حَرموَيهِ قاضي مِصرَ وحكَمَ بذلكَ، وهو قِياسُ قَولِ أحمدَ في تَبديلِ المَسجدِ مِنْ عَرصةٍ إلى عَرصةٍ للمَصلحةِ، بل إذا جازَ أنْ يُبدلَ المَسجدَ بما ليس بمَسجِدٍ للمَصلحةِ بحَيثُ يَصيرُ المَسجدُ سُوقًا، فلَأنْ يَجوزَ إبدالُ المُستغَلِّ بمُستغَلٍّ آخَرَ أَولَى وأَحرى، وهو قِياسُ قَولِه في إبدالِ الهَديِ بخيرٍ منه، وقد نَصَّ على أنَّ المَسجدَ اللَّاصِقَ بأرضٍ إذا رَفَعوهُ وبَنَوا تَحتَه سِقايةً واختارَ ذلكَ الجيرانُ فُعلَ ذلكَ، لكنْ مِنْ أصحابِه مَنْ منَعَ إبدالَ المَسجدِ والهَديِ والأرضِ المَوقوفةِ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وغَيرِه، لكنَّ النُّصوصَ والآثارَ والقِياسَ تَقتَضي جَوازَ الإبدالِ للمَصلحةِ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه: وفي «الخُلاصَة»: وقد رُويَ عن مُحمدٍ: إذا ضَعُفتِ الأرضُ المَوقوفةُ عن الاستِغلالِ والقَيِّمُ يَجِدُ بثَمنِها أُخرى هي أكثَرُ رَيعًا كانَ له أنْ يَبيعَها ويَشتريَ بثَمنِها ما هو أكثَرُ رَيعًا.

(١) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٥٢، ٢٥٣).

وفي «الفَتاوى»: قَيِّمُ وَقفٍ خافَ مِنْ السُّلطانِ أو مِنْ وارِثٍ يَغلِبُ على أرضِ وَقفٍ: يَبيعُها ويَتصدَّقُ بثَمنِها، وكذا كلُّ قَيِّمٍ إذا خافَ شيئًا مِنْ ذلكَ له أنْ يَبيعَ ويَتصدَّقَ بثَمنِها.

قالَ الصَّدرُ الشَّهيدُ: والفتوَى على أنه لا يَبيعُ (١).

وقالَ الرُّحَيبانِيُّ رحمة الله عليه: وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: وأمَّا المَسجدُ ونحوُه فليسَ مِلكًا لمُعيَّنٍ باتِّفاقِ المُسلمينَ، وإنَّما هو مِلكٌ للهِ، فإذا جازَ إبدالُه بخَيرٍ منه للمَصلحةِ فالمَوقوفُ على مُعيَّنٍ أَولَى بأنْ يُعوَّضَ بالبَدلِ، وإمَّا أنْ يُباعَ ويُشتَرى بثَمنِه البَدلُ، والإبدالُ بجِنسِه ممَّا هو أنفَعُ للمَوقوفِ عليه، وقالَ: إذا كانَ يَجوزُ في المَسجدِ المَوقوفِ الذي يُوقَفُ للانتِفاعِ بعَينِه -وعَينُه مُحتَرَمةٌ شَرعًا- يَجوزُ أنْ يُبدَلَ به غيرُه للمَصلحةِ لكَونِ البَدَلِ أنفَعَ وأصلَحَ وإنْ لم تَتعطَّلْ مَنفعتُه بالكُليَّةِ، ويَعودُ الأولُ طَلقًا، مع أنه معَ مُتعطِّلٌ نَفعُه بالكُليَّةِ، فلَأنْ يَجوزَ الإبدالُ بالأنفَعِ والأصلَحِ فيما يُوقَفُ للاستِغلالِ أَولى وأَحرى؛ فإنه عند أحمدَ يَجوزُ ما يُوقَفُ للاستِغلالِ للحاجةِ قَولًا واحِدًا، وفي بَيعِ المَسجدِ رِوايتانِ، فإذا جُوِّزَ على ظاهِرِ مَذهبِه أنْ يُجعلَ المَسجدُ طَلقًا ويُوقَفَ بَدلُه أصلَحُ منه وإنْ لم تَتعطَّلْ مَنفعةُ الأوَّلِ أَحرى؛ فإنَّ بَيعَ الوَقفِ المُستغَلِّ أَولى مِنْ بَيعِ المَسجدِ، وإبدالُه أَولى مِنْ إبدالِ المَسجدِ؛ لأنَّ المَسجدَ تُحترمُ عَينُه شَرعًا ويُقصدُ للانتِفاعِ بعَينِه، فلا تَجوزُ إجارَتُه ولا المُعاوَضةُ عن مَنفعتِه، بخِلافِ وَقفِ الاستِغلالِ؛ فإنه تَجوزُ

(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٢٣).

إجارَتُه والمُعاوَضةُ عن نَفعِه، وليسَ المَقصودُ أنْ يَستوفِيَ المَوقوفُ عليه مَنفعتَه بنَفسِه كما يُقصدُ ذلكَ في المَسجدِ الأولِ، ولا له حُرمةٌ شَرعيةٌ لحَقِّ اللهِ تعالى كما للمَسجدِ.

وقال: يَجبُ بَيعُ الوَقفِ مع الحاجةِ بالمِثلِ، وبلا حاجةٍ يَجوزُ بخَيرٍ منه للمَصلحةِ، ولا يَجوزُ بمِثلِه؛ لفَواتِ التَّغييرِ بلا حاجةٍ، وذكَرَه وَجهًا في المُناقَلةِ، وأَومأَ إليهِ الإمامُ أحمدُ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ ابنُ قُدامةَ في كِتابِه «المُناقَلة في الأوقافِ»: واقِعةُ نَقلِ مَسجدِ الكُوفةِ وجَعلِ بَيتِ المالِ في قِبلتِه وجَعلِ مَوضعِ المَسجدِ سُوقًا للتَّمَّارِينِ اشتَهرَتْ بالحِجازِ والعِراقِ، والصَّحابةُ مُتوافِرونَ ولم يُنقلْ إنكارُها ولا الاعتِراضُ فيها مِنْ أحَدٍ مِنهم، بل عُمرُ هو الخَليفةُ الآمِرُ، وابنُ مَسعودٍ هو المَأمورُ الناقِلُ، فدَلَّ هذا على مَساغِ القصَّةِ والإقرارِ عليها والرِّضى بمُوجَبِها، وهذه حَقيقةُ الاستِبدالِ والمُناقَلةِ، وهذا كما أنه يَدلُّ على مَساغِ بَيعِ الوَقفِ عند تَعطُّلِ نَفعِه فهو دَليلٌ أيضًا على جَوازِ الاستدلالِ (١) عندَ رُجحانِ المُبادَلةِ، ولأنَّ هذا المَسجدَ لم يَكنْ مُتعطِّلًا وإنَّما ظَهرَتِ المَصلحةُ في نَقلِه لحِراسَةِ بَيتِ المالِ الذي جُعلَ في قِبلةِ المَسجدِ الثاني. انتهى

وصنَّفَ صاحِبُ «الفائِق» مُصنَّفًا في جَوازِ المُناقَلة للمَصلحةِ سَمَّاه «المُناقَلَة بالأوقافِ وما في ذلكَ مِنْ النِّزاعِ والخِلافِ» قالَ في «الإنصَاف»: وأجادَ فيهِ، ووافَقَه على جَوازِها الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ وابنُ القيِّمِ والشَّيخُ عِزُّ

(١) الصَّوابُ -واللهُ أعلَمُ- (الاستِبدَال).

الدِّينِ حَمزةُ ابنُ شَيخِ السَّلاميةِ وصَنَّفَ فيهِ مُصنَّفًا سَمَّاه «دَفْع المُثاقَلةِ في بَيعِ المُناقَلةِ» ووافَقَه على ذلكَ مِنْ أئمَّتِنا جَماعةٌ في عَصرِه (١).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: فإنْ لم تَتعطَّلْ مَنافعُه لم يَجُزْ بَيعُه ولا المُناقَلةُ به مُطلَقًا، نَصَّ عليه في رِوايةِ عَليِّ بْنِ سَعيدٍ، قالَ: لا يَستبدِلُ به ولا يَبيعُه إلَّا أنْ يَكونَ بحالٍ لا يُنتفعُ به.

ونقَلَ أبو طالِبٍ: لا يُغيَّرُ عن حالِهِ ولا يُباعُ إلا ألا يُنتفعَ منه بشيءٍ، وعليه الأصحابُ.

وجوَّزَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه ذلكَ لمَصلحةٍ وقال: هو قِياسُ الهَديِ، وذكَرَه وَجهًا في المُناقَلةِ، وأَومأَ إليه الإمامُ أحمدُ رحمة الله عليه.

ونقَلَ صالحٌ: يَجوزُ نَقلُ المَسجدِ لمَصلحةِ الناسِ، وهو مِنْ المُفرَداتِ.

واختارَه صاحِبُ «الفائِق»، وحكَمَ به نائِبًا عن القاضي جَمالِ الدِّينِ المُسلاتِيِّ، فعارَضَه القاضي جَمالُ المِرداوِيُّ صاحِبُ «الانتِصَار»، وقال: حُكمُه باطِلٌ على قَواعِدِ المَذهبِ، وصنَّفَ في ذلكَ مُصنَّفًا رَدَّ فيهِ على الحاكِمِ سَمَّاه «الواضِحُ الجَلِيُّ في نَقضِ حُكمِ ابنِ قاضي الجَبَلِ الحَنبليِّ»، ووافَقَه صاحِبُ «الفُرُوع» على ذلكَ، وصنَّفَ صاحِبُ «الفائِق» مُصَنَّفًا في جَوازِ المُناقَلةِ للمَصلحةِ سَمَّاهُ «المُناقَلةُ بالأوقافِ وما في ذلكَ مِنْ النِّزاعِ والخِلافِ» وأجادَ فيهِ، ووافَقَه على جَوازِها الشَّيخُ بُرهانُ الدِّينِ ابنُ القَيِّمِ

(١) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٦٧، ٣٦٨).

والشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ حَمزةُ ابنُ شَيخِ السَّلاميةِ، وصنَّفَ فيهِ مُصنَّفًا سَمَّاهُ «رَفْع المُثاقَلةِ في مَنْعِ المُناقَلةِ» ووافَقَه أيضًا جَماعةٌ في عَصرِه، وكلُّهم تَبعٌ للشَّيخِ تَقيِّ الدِّينِ رحمة الله عليه في ذلكَ.

وأطلَقَ في القاعِدةِ الثالثةِ والأربَعينَ بعد المِائةِ في جَوازِ إبدالِ الوَقفِ مع عِمارتِه رِوايَتينِ (١).

وقالَ ابنُ قاضي الجَبَلِ رحمة الله عليه بَعدَما ذكرَ نقْلَ مَسجدِ الكُوفةِ السَّابقِ ذِكرُه، قالَ: وهذا الأثَرُ يَدُلُّ على مَساغِ بَيعِ الوَقفِ عند تَعطُّلِ نَفعِه فهو دَليلٌ أيضًا على جَوازِ الاستِبدَال عندَ رُجحانِ المُبادَلةِ؛ ولأنَّ هذا المَسجدَ لم يَكنْ مُتعطِّلًا، وإنَّما ظَهَرتِ المَصلحةُ في نَقلِه لحِراسةِ بَيتِ المالِ الذي جُعِلَ في قِبلةِ المَسجدِ الثاني (٢).

وقالَ عند ذِكرِ أثَرِ عُمرَ وعائِشةَ في كِسوةِ الكَعبةِ: وهذا ظاهِرٌ في مُطلَقِ نَقلِ المِلكِ عند رُجحانِ المَصلحةِ (٣).

وقد رُوِيَ عن مُحمدٍ أنه قالَ: إذا ضَعُفَتِ الأرضُ المَوقوفةُ عن الاستِغلالِ والقيِّمُ يَجدُ بثَمنِها أرضًا أُخْرى هي أكثَرُ رَيعًا كانَ له أنْ يَبيعَ هذه الأرضَ وثُمَّ يَشتري بثَمنِها ما هو أكثَرُ رَيعًا (٤).

(١) «الإنصاف» (٧/ ١٠١، ١٠٢).
(٢) «المناقلة بالأوقاف» ص (٣٨).
(٣) «المناقلة بالأوقاف» ص (٥١، ٥٢)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٦٨).
(٤) «المحيط البرهاني» (٥/ ٧٣٨)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٢٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الغصب
٨٦٢ - مسألة؛ قال: (ومن غصب أرضا، فغرسها، أخذ بقلع غرسه وأجرتها إلى وقت تسليمها، ومقدار نقص

كالبَيْعِ وكالنَّقْصِ. وقد قال أحمدُ، في رِوَايَةِ ابن مَنْصُورٍ: إذا كَسَرَ الحَلْىَ، يُصْلِحُه أَحَبُّ إلىَّ. قال القاضي: وهذا مَحْمُولٌ على أنَّهما تَرَاضَيا بذلك، لا أنَّه على طَرِيقِ الوُجُوبِ. وهذا فيما إذا كانت الصِّنَاعَةُ مُبَاحَةً، فإن كانت مُحَرَّمَةً كالأَوَانِي وحَلْىِ الرِّجَالِ، لم يَجزْ ضَمَانُه بأَكْثَرَ من وَزْنِه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصِّنَاعَةَ لا قِيمَةَ لها شَرْعًا، فهى كالمَعْدُومَةِ.

٨٦٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فغَرَسَها، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِه وأُجْرَتِهَا إلى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا، ومِقْدَارِ نُقْصَانِهَا، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الغَرْسُ) .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 504 - 529

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله