القسم الأول: شروط باطلة ومبطلة للوقف مانعة من انعقاده ابتداء

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > القسم الأول: شروط باطلة ومبطلة للوقف مانعة من انعقاده ابتداء

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

القسم الأول: شروط باطلة ومبطلة للوقف مانعة من انعقاده ابتداء - الأقوال والأدلة

وهذه الشُّروطُ بأنواعِها تَختلِفُ مِنْ مَذهبٍ لآخَرَ، فبَيْنَ مُصحِّحٍ لها ومُبطِلٍ لها، وبينَ مُصحِّحٍ للوَقفِ مُبطِلٍ للشرطِ مِنْ هذه الأقسامِ، ونَحنُ نُبيِّنُ ذلكَ فيما يَلي:

القِسمُ الأولُ: شروطٌ باطِلةٌ ومُبطِلةٌ للوَقفِ مانِعةٌ مِنْ انعِقادِه ابتِداءً:

وهي الشُّروطُ التي تُنافي لُزومَ الوَقفِ وتُنافي مُقتضاهُ، ومِن أمثِلةِ هذا القِسمِ على اختِلافٍ بينَهُم فيهِ ما يلي:

١ - اشتِراطُ الرُّجوعِ في الوَقفِ أو بَيعِه أو هِبتِه أو رَهنِه متى شاءَ:

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ شرَطَ أنْ يَبيعَ الوَقفَ متى شاءَ أو يَهَبَه أو يَرجعَ فيهِ لم يَصحَّ الشرطُ ولا الوَقفُ، لا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنه يُنافي مُقتَضى الوَقفِ.

ويُحتملُ أنْ يَفسدَ الشَّرطُ ويَصحَّ الوَقفُ؛ بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لو وقَفَ شَيئًا بشَرطِ الخِيارِ لنَفسِه في إبقاءِ وَقفِه والرُّجوعِ فيهِ مَتى شاءَ، أو شرَطَ لغيرهِ أو شرَطَ عَوْدَه إليه بوَجهٍ ما، كأنْ شرَطَ أنْ يَبيعَه أو شرَطَ أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ، أو في تَغييرِ شيءٍ منه بوَصفٍ أو زيادةٍ أو نَحوِ ذلكَ بطَلَ على الأظهَرِ كالبَيعِ والهِبةِ؛ لأنَّ مُقتَضى الوَقفِ اللُّزومُ، والخِيارُ يُنافي ذلكَ، فيَفسدُ بهذا الشَّرطِ.

(١) «المغني» (٥/ ٣٥٣).

ومُقابِلُ الصَّحيحِ: يَصِحُّ الوَقفُ ويَلغو الشَّرطُ، كما لو طلَّقَ على أنْ لا رَجعةَ له، وكما في حَديثِ العُمْرى أنه قالَ: «أَمسِكُوا عليكُم أموالَكُم ولا تُفسِدُوها، فإنه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهيَ للَّذي أُعمِرَها حيًّا ومَيِّتاً ولعَقِبِه» (١)، فإنه جعَلَها للَّذي أُعمِرَها في حَياتِه ولوَرثتِه مِنْ بَعدِ مَوتِه، فأزالَ مِلكَ المُعمِرِ وأبطَلَ شرْطَه.

ومَحَلُّ القَولينِ إذا لم يَحكمْ حاكِمٌ بصِحَّةِ الوَقفِ، فإنْ حكَمَ به صَحَّ بلا خِلافٍ وأُمضي (٢).

وقالَ الحَنفيةُ: ولو شرَطَ الواقفُ بَيعَ الوَقفِ بما بَدا له مِنْ الثَّمنِ أو أنْ يَشتريَ بثَمنِه عبدًا أو يَبيعَه ولمْ يَزِدْ فسَدَ الوَقفُ (٣).

٢ - اشتِراطُ الخِيارِ في الوَقفِ:

ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ مُحمدُ بنُ الحَسنِ وهِلالٌ مِنْ الحَنفيةِ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ اشتِراطُ الخِيارِ في الوَقفِ، فلو وقَفَ وشرَطَ الخِيارَ لم يَصحَّ الوَقفُ، سَواءٌ كانَتْ مدَّةُ الخِيارِ مَعلومةً أم مَجهولةً.

وقالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: إنْ كانَ الوَقتُ مَعلومًا جازَ الوَقفُ والشَّرطُ كالبَيعِ، وإلا بطَلَ الوَقفُ، وصَحَّحَه السَّمتيُّ مُطلَقًا وأبطَلَ الشرطَ.

(١) أخرجه مسلم (١٦٢٥).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٧، ٤٨٨)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٤).
(٣) «الإسعاف» ص (٣١)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٩).

قالَ ابنُ نُجَيمٍ رحمة الله عليه: وظَاهرُ ما في «الخانِيَّة» أنه لو جعَلَ دارَه مَسجدًا على أنه بالخِيارِ صَحَّ الوَقفُ وبطَلَ الشَّرطُ بلا خِلافٍ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ شرَطَ الخِيارَ في الوَقفِ فسَدَ، ونَصَّ عليهِ أحمدُ، وبه قالَ الشافِعيُّ.

وقالَ أبو يُوسفَ في رِوايةٍ عنه: يَصحُّ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكُ المَنافعِ، فجازَ بشَرطِ الخِيارِ فيهِ كالإجارةِ.

ولنا: أنه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى العَقدِ، فلم يَصحَّ كَما لو شرَطَ أنَّ له بَيعَه متى شاءَ؛ لإنه إزالةُ مِلكٍ للهِ تعالى، فلم يَصِحَّ اشتِراطُ الخِيارِ فيها كالعِتقِ، ولأنه ليس بعَقدِ مُعاوَضةٍ، فلم يَصحَّ اشتِراطُ الخِيارِ فيهِ كالهِبةِ، ويُفارِقُ الإجارةَ؛ فإنها عَقدُ مُعاوَضةٍ وهي نَوعٌ مِنْ البَيعِ، ولأنَّ الخِيارَ إذا دخَلَ في العَقدِ منَعَ ثُبوتَ حُكمِه قبلَ انقِضاءِ الخِيارِ أو التَّصرفِ، وهاهُنا لو ثبَتَ الخِيارُ لَثبَتَ مع ثُبوتِ حُكمِ الوَقفِ ولمْ يَمنعِ التَّصرفَ، فافتَرَقَا (٢).

وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الصَّحيحِ والسَّمتِيُّ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه إذا اشتَرَطَ الخِيارَ في الوَقفِ صَحَّ الوَقفُ وبطَلَ الشرطُ، كما لو طلَّقَ على أنْ لا رَجعةَ له، وكما في حَديثِ العُمْرَى أنه قالَ: «أَمسِكُوا عليكُم أموالَكُم ولا تُفسِدُوها، فإنه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي للَّذي

(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٣، ٢٠٤)، و «أحكام الوقف» لهلال الرأي (١٤٩، ١٦١)، و «الهداية» (٣/ ١٨)، و «العناية» (٨/ ٣٥٢).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٥٣).

أُعمِرَها حيًّا وميِّتًا ولعَقِبِه» (١)، فإنه جعَلَها للَّذي أُعمِرَها في حَياتِه ولوَرثتِه مِنْ بَعدِ مَوتِه، فأزالَ مِلكَ المُعمِرِ وأبطَلَ شرْطَه.

وقالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ مِنْ المالِكيةِ: يَصحُّ الوَقفُ ويُوفَّى له بشَرطِه (٢).

٣ - لو وقَفَ على وَلدِه وشرَطَ أنْ يَرجعَ إليهِ إذا ماتَ بطَلَ الوَقفُ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ، وفي قَولٍ: يَصِحُّ كالعُمرى (٣).

٤ - لو شرَطَ الواقِفُ ألا يَنتفعَ المَوقوفُ عليهِ بالوَقفِ فَسَدَ الوَقفُ؛ لمُنافاةِ الشَّرطِ مُقتَضاهُ عند الحَنابلة (٤).

٥ - يَبطلُ الوَقفُ لو شرَطَ الواقفُ تَغييرَ شَرطٍ في الوَقفِ عندَ الحَنابلةِ، سواءٌ شرَطَ ذلكَ لنَفسِه أو للناظِرِ بَعدَه؛ لأنه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى الوَقفِ، فأفسَدَه كما لو شرَطَ ألا يُنتفَعَ به (٥).

(١) أخرجه مسلم (١٦٢٥).
(٢) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٥٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٧، ٤٨٨)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٤).
(٣) «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٦).
(٤) «المبدع» (٥/ ٣٤٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣١٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٥٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣١٨).
(٥) «المبدع» (٥/ ٣٤٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣١٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٥٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣١٨).

٦ - شَرطُ إخراجِ وإدخالِ مَنْ شاءَ في الوَقفِ:

الإدخالُ والإخراجُ له صُورتانِ:

الأُولى: أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ مِنْ غَيرِ أهلِ الوَقفِ:

نَصَّ الحَنابلةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ على أنه إنْ شرَطَ في الوَقفِ أنْ يُخرِجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ ويُدخِلَ مَنْ شاءَ مِنْ غيرِهِم لم يَصحَّ؛ لأنه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى الوَقفِ، فأفسَدَه كما لو شرَطَ ألَّا يُنتفعَ به (١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ولو وقَفَ وشرَطَ لنَفسِه أنْ يَحرِمَ مَنْ شاءَ أو يُقدِّمَ أو يُؤخِّرَ فالشرطُ فاسِدٌ على الأصَحِّ، هذا إذا أنشَأَ الوَقفَ بهذا الشَّرطِ، فلو أطلَقَه ثمَّ أرادَ أنْ يُغيِّرَ ما ذكَرَه بحِرْمانٍ أو زيادةٍ أو تَقديمٍ أو تأخيرٍ فليسَ له قَطعًا، فإنْ صحَّحْنا شرْطَه لنَفسِه فشَرطُه لغيرهِ فاسِدٌ على الأصَحِّ، وإنْ أفسَدْناهُ ففي فَسادِ الوَقفِ خِلافٌ مَبنيٌّ على أنَّ الوَقفَ كالعِتقِ أم لا؟

هذا مَجموعُ ما حَضَرني مِنْ كُتبِ الأصحابِ، والذي قطَعَ به جُمهورُهُم بُطلانُ الشرطِ والوَقفِ في هذه الصُّوَرِ كلِّها، وشَذَّ الغزاليُّ فجعَلَ هذه الصُّوَرَ ثلاثَ مَراتِبَ:

الأُولى: «وقَفْتُ بشَرطِ أنْ أَرجِعَ متى شِئتُ، أو أَحرِمَ المُستحِقَّ وأُحوِّلَ الحَقَّ إلى غيرِه متى شِئتُ» فَفاسِدٌ.

(١) «المغني» (٥/ ٣٥٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٩٧)، و «الإنصاف» (٧/ ٥٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣١٦، ٣١٧)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٣١).

الثانيةُ: «بشَرطِ أنْ أُغيِّرَ قدْرَ المُستحقِّ للمَصلحةِ» فهو جائِزٌ.

الثالثةُ: يَقولُ: «أُغيِّرُ تَفصيلَه» فوَجهانِ.

وهذا التَّرتيبُ لا يَكادُ يُوجَدُ لغيرِه، ثمَّ فيه لَبْسٌ؛ فإنَّ التَّحويلَ المَذكورَ في الأُولى هو التَّغيُّرُ المَذكورُ في الثانيةِ، والمَذهبُ ما ذكَرَه الجُمهورُ (١).

وقالَ الحَنفيةُ (والشافِعيةُ في قَولٍ): لو شرَطَ لنَفسِه أنْ يُنقِصَ مِنْ المَعاليمِ إذا شاءَ ويَزيدَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ ويَستبدِلَ به كانَ له ذلكَ، وليسَ لقَيِّمِه إلا أنْ يَجعلَه له، وإذا فعَلَ ذلكَ مَرَّةً فليسَ له أنْ يُغيِّرَه بَعدَ ذلكَ، فإنْ أرادَ أنْ يَكونَ له ذلكَ أبَدًا ما عاشَ يَزيدُ ويُنقِصُ ويُدخِلُ ويُخرِجُ مرَّةً بعدَ مَرَّةٍ يشترطُ ذلكَ (٢).

وقالَ الشافِعيةُ في هذا القَولِ: وإذا قيلَ بجَوازِه صَحَّ إنْ كانَ قد سَمَّى فيهِ عندَ عَقدِ الوَقفِ قَومًا، ثمَّ له أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ، وإذا فعَلَ ذلكَ مَرَّةً واحِدةً فهل له الزِّيادةُ عليها أم لا؟ على وَجهينِ:

أحَدُهما: ليسَ له؛ لأنه قد فعَلَ ما شاءَ وله شَرطُه وقد استَقرَّ.

والوَجهُ الثَّاني: له أنْ يَفعلَ ذلكَ مِرارًا ما عاشَ وبَقيَ لعُمومِ الشَّرطِ،

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٦، ١٤٧)، و «الوسيط» (٥/ ١٩٠)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٧)، و «السراج الوهاج» (٣٠٤).
(٢) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٨)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٤٢)، و «الإسعاف» ص (٣٤، ٣٥)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٥)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٢/ ٢٥٨)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٤٠٢).

فإذا ماتَ فقدْ تَعيَّنَ على مَنْ فيهِ عندَ مَوتِه، مَنْ أُدخِلَ فيهِ فقدِ استَقرَّ دُخولُه، فلا يَجوزُ أنْ يُخرَجَ منه، ومَن أُخرِجَ منه فقدِ استَقرَّ خُروجُه، ولا يَجوزُ أنْ يُدخَلَ فيه (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: كلُّ مُتصرِّفٍ بوِلايةٍ إذا قِيلَ له يَفعلُ ما يَشاءُ فإنَّما هو لمَصلحةٍ شَرعيةٍ، حتى لو صرَّحَ الواقفُ بفِعلِ ما يَهواهُ وما يَراهُ مُطلَقًا فشَرطٌ باطِلٌ؛ لمُخالَفتِه الشَّرعَ، وغايَتُه أنْ يَكونَ شَرطًا مُباحًا، وهو باطِلٌ على الصَّحيحِ المَشهورِ، حتى لو تَساوى فِعلانِ عُمِلَ بالقُرعةِ، وإنْ قيلَ هُنا بالتَّخييرِ فله وجهٌ (٢).

الصُّورَةُ الثانيةُ: أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ:

ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الواقِفَ لو اشتَرطَ عندَ الوَقفِ إخراجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ بصِفةٍ وإدخالَ مَنْ شاءَ بصِفةٍ صَحَّ الوَقفُ، كقولِه: «وَقَفتُها على فُقراءِ بَني تَميمٍ»، فمَن افتَقرَ مِنْ الأغنياءِ أُدخِلَ فيه بَعدَ أنْ كانَ خارِجًا منه، ومَن استَغنَى مِنْ الفُقراءِ خرَجَ منها بعدَ أنْ كانَ داخِلًا فيها.

قالَ الحَنفيةُ: لو اشتَرطَ في وقفِه أنْ يَزيدَ في وَظيفةِ مَنْ يَرى زِيادتَه، وأنْ يُنقِصَ مِنْ وَظيفةِ مَنْ يَرى نُقصانَه مِنْ أهلِ الوَقفِ، وأنْ يُدخِلَ مَعهُم مَنْ يَرى إدخالَه، وأنْ يُخرِجَ مِنهم مَنْ يَرى إخراجَه جازَ.

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٣١).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥١٠).

ثمَّ إذا زادَ أحَدًا مِنهم أو نقَصَه مرَّةً أو أدخَلَ أحَدًا أو أخرجَ أحَدًا ليسَ له أنْ يُغيِّرَه بعدَ ذلكَ؛ لأنَّ شرْطَه وقَعَ على فِعلٍ يَراهُ، فإذا رَآهُ وأمضاهُ فقدِ انتهَى ما رَآه، وإذا أرادَ أنْ يَكونَ ذلكَ له دائِمًا ما دامَ حَيًّا يَقولُ: على أنَّ لفُلانِ بنَ فُلانٍ أنْ يَزيدَ في مُرتَّبِ مَنْ يَرى زِيادتَه وأنْ يُنقِصَ مِنْ مُرتَّبِ مَنْ يَرى نُقصانَه، وأنْ يُنقِصَ مَنْ زادَهُ ويَزيدَ مَنْ نقَصَه مِنهم، ويُدخِلَ مَعهُم مَنْ يَرى إدخالَه ويُخرِجَ مِنهم مَنْ يَرى إخراجَه متى أرادَ، مرَّةً بعد أُخرى، رأيًا بعدَ رَأيٍ، ومَشيئةً بعدَ مَشيئةٍ ما دامَ حَيًّا، ثمَّ إذا أحدَثَ فيهِ شيئًا ممَّا شرَطَه لنَفسِه أو ماتَ قبلَ ذلكَ يَستقِرُّ أمرُ الوَقفِ على الحالةِ التي كانَ عليها يَومَ مَوتِه، وليسَ لمَن يَلي عليه بعدَه شيءٌ مِنْ ذلكَ، إلَّا أنْ يَشرِطَه له في أصلِ الوَقفِ، وإذا شرَطَ هذه الأمورَ أو بعضَها للمُتولِّي مِنْ بَعدِه ولم يَشرِطْها لنَفسِه جازَ له أن يَفعلَها ما دامَ حَيًّا؛ لأنَّ شرْطَها لغيرهِ شَرطٌ منه لنَفسِه، ثمَّ إذا ماتَ جازَ للمُتولِّي فِعلُ ما شرَطَه له، ولو شرَطَ هذه الأمورَ للمُتولِّي ما دامَ هو حَيًّا جازَ له وللمُتولِّي ذلكَ ما دامَ هو حَيًّا.

ولو شرَطَ لنَفسِه في أصلِ الوَقفِ استِبدالَه أو الزِّيادةَ والنُّقصانَ ولم يَزِدْ عليهِ ليسَ له أنْ يَجعلَ ذلكَ أو شيئًا منه للمُتولِّي، وإنَّما ذلكَ خاصَّةً لاقتِصارِ الشَّرطِ في أصلِ الوَقفِ على نَفسِه، ولا يَجوزُ له أنْ يَفعلَ إلَّا ما شرَطَه وَقتَ العَقدِ (١).

(١) «الإسعاف» ص (٣٤، ٣٥)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٨)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٤٢)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٥)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٢/ ٢٥٨)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٤٠٢).

وقالَ المالِكيةُ: إذا شرَطَ الواقفُ في وَقفِه صِفةً في المَوقوفِ عليهم، فإنْ زالَ وَصفُه بعدَها خرَجَ مِنْ الوَقفِ، وإنْ لم يَشترطْ صِفةً فلا يَخرجُ وإنِ استَغنى عَنها.

فمَن سكَنَ في الحَبسِ على نَصيبِه بوَصفِ استِحقاقِ فَقرٍ ثمَّ استَغنى فإنه لا يَخرجُ مِنْ الحَبسِ لأجلِ أنْ يَسكُنَ غيرُه فيهِ ولو كانَ غيرُه مُحتاجًا لذلكَ ولو لم يَكنْ في الرَّبعِ سَعةٌ؛ لأنه سكَنَ بحَقٍّ، فلا يَخرجُ إلا برِضاهُ؛ لأنَّ العِبرةَ الاحتياجُ في الابتِداءِ، إلَّا أنْ يَكونَ الواقفُ شرَطَ أنَّ مَنْ استَغنى يَخرجُ لغيرِه، فإنه يُعمَلُ به.

ولو وقَفَ وشرَطَ صِفةً بأنْ يَسكنَ في الوَقفِ أو يَأخذَ مِنْ الغلَّةِ الفُقراءُ، أو طلبةُ العِلمِ، أو على الشَّبابِ أو الصِّغارِ أو الأحداثِ، فإنَّ مَنْ زالَ وَصفُه بعدَ سُكناهُ فإنه يَخرجُ.

والفرقُ بينَ القِسمِ الأولِ والثَّاني أنَّ الاستِحقاقَ مِنْ الوَقفِ في القِسمِ الثاني عُلِّقَ بوَصفٍ وقدْ زالَ، فيَزولُ الاستِحقاقُ بزَوالِه، وأمَّا في القِسمِ الأولِ فالاستِحقاقُ لم يُعلَّقْ بالفَقرِ بل بغَيرِه، والفُقراءُ مُقتضٍ لتَقديمِه فقط، والمعنَى الذي عُلِّقَ به الاستحقاقُ باقٍ لم يَزُلْ (١).

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٨٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٩٣)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠١)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٦٩)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٩٦).

وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «ومِن إخراجِ مَنْ أخرَجَ منها بصِفةٍ ورَدِّه إليها بصِفةٍ».

قالَ الماوَرْدِيُّ: وهذا صَحيحٌ، وهو على ضَربَينِ:

أحَدُهما: أنْ يُخرِجَ مَنْ أخرَجَ منها ويُدخِلَ مَنْ أدخَلَه فيها بصِفةٍ، فيَشترطُها، وإذا وُجدَتْ دخَلَ فيها بوُجودِ الصِّفةِ، وإذا عُدِمتْ خرَجَ منها بعَدمِ الصِّفةِ، فهذا جائِزٌ وهو على شَرطِه فيهِ مَحمولٌ كقولِه: «وَقَفتُها على أغنِياءِ بَني تَميمٍ»، فمَن استَغنى مِنْ الفُقراءِ أُدخِلَ فيه بعدَ أنْ كانَ خارِجًا منه، ومَن افتَقرَ مِنْ الأغنياءِ خرَجَ منها بعد أنْ كانَ داخِلًا فيها … (١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ولو قالَ: «وَقَفتُ على بَنيَّ الفُقراءِ، أو على بَناتِيَ الأرامِلِ» فمَن استَغنى منهم وتَزوَّجَ مِنهنَّ خرَجَ عن الاستِحقاقِ، فإنْ عادَ فَقيرًا أو زالَ نِكاحُها عادَ الاستِحقاقُ.

قُلتُ: ولمْ أرَ لأصحابِنا تَعرُّضًا لاستِحقاقِها في حالِ العِدَّةِ، ويَنبغي أنْ يُقالَ: إنْ كانَ الطلاقُ بائِنًا أو فارَقَتْ بفَسخٍ أو وَفاةٍ استَحقَّتْ؛ لأنها ليسَتْ بزَوجةٍ في زَمنِ العدَّةِ، وإنْ كانَ رَجعِيًّا فلا؛ لأنها زَوجةٌ، واللهُ أعلَمُ.

قالَ العبَّاديُّ في «الزِّيادَات»: لو وقَفَ على أُمَّهاتِ أولادِهِ إلَّا على مَنْ تَزوَّجَ مِنهنَّ فتَزوَّجَتْ خرَجَتْ ولا تَعودُ بالطلاقِ، والفَرقُ مِنْ حيثُ اللَّفظُ أنه أثبَتَ الاستِحقاقَ لبَناتِهِ الأرامِلِ، وبالطلاقِ صارَتْ أرمَلةً، وهُنا جعَلَها مُستحِقَّةً إلَّا أنْ تَتزوَّجَ، وبالطلاقِ لا تَخرجُ عن كَونِها تَزوَّجَتْ.

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٣٠، ٥٣١).

ومِن حَيثُ المَعنى أنَّ غرَضَه أنْ تَفيَ له أمُّ وَلدِهِ فلا يَخلفُه عليها أحَدٌ، فمَن تَزوَّجتْ لم تَفِ ولو طُلِّقتْ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: إنْ شرَطَ الواقفُ إخراجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ وإدخالَ مَنْ شاءَ بصِفةٍ صَحَّ، بأنْ جعَلَ الاستِحقاقَ والحِرمانَ مُرتَّبًا على وَصفٍ مُشتَرَطٍ، فمَن اتَّصفَ بصِفةٍ مِنْ صِفاتِ الاستِحقاقِ استَحقَّ ما شُرِطَ له، فإنْ زالَتْ تلكَ الصِّفةُ زالَ استِحقاقُه، فإنْ عادَتِ الصِّفةُ عادَ استِحقاقُه.

فتَرتُّبُ الاستِحقاقِ كالوَقفِ على أولادِه مثلًا بشَرطِ كَونِهم فُقراءَ أو صُلَحاءَ.

وتَرتُّبُ الحِرمانِ بالوَصفِ أنْ يَقولَ: «هذا وَقفٌ على ولادي، أو أولادِ زيدٍ مثلًا، ومَن فسَقَ مِنهم أو استَغنى -ونحوَه كتَركِ الاشتِغالِ بالعِلمِ- فلا شيءَ له» صَحَّ على ما قالَ.

أو شرَطَ الواقفُ إخراجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ وإدخالَ مَنْ شاءَ مِنهم صَحَّ؛ لأنه ليسَ بإخراجٍ للمَوقوفِ عليه مِنْ الوَقفِ، وإنَّما علَّقَ الاستِحقاقَ بصِفتِه، فكأنه جعَلَ له حقًّا في الوَقفِ إذا اتَّصفَ بإرادتِه أعطاهُ، ولم يَجعلْ له حقًّا إذا انتَفَتْ تلكَ الصِّفةُ فيهِ، وليسَ هو تَعليقًا للوَقفِ بصِفةٍ، بل وَقفٌ مُطلَقٌ والاستِحقاقُ له صِفةٌ.

ولا فرْقَ بينَ أنْ يَشترطَ الواقِفُ ذلكَ لنَفسِه أو للناظِرِ بعدَه.

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٥٨، ١٥٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة

لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.

(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 191 - 201

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله