القسم الثاني: شروط باطلة إذا شرطها الواقف صح الوقف وبطل الشرط

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > القسم الثاني: شروط باطلة إذا شرطها الواقف صح الوقف وبطل الشرط

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

القسم الثاني: شروط باطلة إذا شرطها الواقف صح الوقف وبطل الشرط - الأقوال والأدلة

ولو وَقفَ شَيئًا على أولادِهِ وشرَطَ الواقفُ أنَّ مَنْ تزَوَّجَ مِنْ البَناتِ فلا حقَّ لها في الوَقفِ صَحَّ؛ لِما تقدَّمَ عن ابنِ الزُّبيرِ، أو وقَفَ على زَوجتِه ما دامَتْ عازِبةً فإذا تَزوَّجَتْ فلا حقَّ لها (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: كلُّ مُتصرِّفٍ بوِلايةٍ إذا قِيلَ له يَفعلُ ما يَشاءُ فإنَّما هو لمَصلحةٍ شَرعيةٍ، حتى لو صرَّحَ الواقفُ بفِعلِ ما يَهواهُ وما يَراهُ مُطلَقًا فشَرطٌ باطِلٌ؛ لمُخالَفتِه الشَّرعَ، وغايَتُه أنْ يَكونَ شَرطًا مُباحًا، وهو باطِلٌ على الصَّحيحِ المَشهورِ، حتى لو تَساوى فِعلانِ عُمِلَ بالقُرعةِ، وإنْ قيلَ هُنا بالتَّخييرِ فله وجهٌ (٢).

القِسمُ الثَّاني: شُروطٌ باطِلةٌ إذا شرَطَها الواقِفُ صَحَّ الوَقفُ وبطَلَ الشَّرطُ:

وهذه الشُّروطُ منها ما سبَقَ في القِسمِ الأوَّلِ عند مَنْ يُصحِّحُ الوَقفَ ويُبطِلُ الشَّرطَ، ومنها أيضًا:

١ - اشتِراطُ الواقِفِ ألا تُعارَ إلا برَهنٍ، أو لا تَخرجُ مِنْ مَكانِ تَحبيسِها إلا برَهنٍ، أو لا تَخرجُ أصلًا، فالوَقفُ صَحيحٌ والشَّرطُ فاسِدٌ، نَصَّ على هذا الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ.

(١) «المغني» (٥/ ٣٥٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٩٧)، و «الإنصاف» (٧/ ٥٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣١٦، ٣١٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٥٤، ٣٥٥)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣١٧، ٣١٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٣٢، ٣٣٣).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥١٠).

قالَ ابنُ نُجَيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: فرعٌ: حدَثَ في الأعصارِ القَريبةِ وَقفُ كُتبٍ اشتَرطَ الواقفُ ألا تُعارَ إلا برَهنٍ، أو لا تَخرجَ مِنْ مَكانِ تَحبيسِها إلا برَهنٍ، أو لا تَخرجَ أصلًا.

والذي أقولُ في هذا: إنَّ الرَّهنَ لا يَصحُّ بها؛ لأنها غيرُ مَضمونةٍ في يَدِ المَوقوفِ عليهِ، ولا يُقالُ لها عارِيةٌ أيضًا، بل الآخِذُ لها إنْ كانَ مِنْ أهلِ الوَقفِ استَحقَّ الانتفاعَ ويَدُه عليها يَدُ أمانةٍ، فشَرطُ أخذِ الرَّهنِ عليها فاسِدٌ، وإنْ أعطاهُ كانَ رَهنًا فاسِدًا، ويَكونُ في يَدِ خازِنِ الكُتبِ أمانةً؛ لأنَّ فاسِدَ العُقودِ في الضَّمانِ كصَحيحِها، والرَّهنُ أمانةٌ، هذا إذا أُريدَ الرَّهنُ الشَّرعيُّ، وإنْ أُرِيدَ مَدلولُه لُغةً وأنْ يَكونَ تَذكِرةً فيَصحُّ الشَّرطُ؛ لأنه غَرَضٌ صَحيحٌ، وإذا لم يُعرَفْ مُرادُ الواقفِ فيُحتملُ أنْ يُقالَ بالبُطلانِ في الشَّرطِ المَذكورِ حَملًا على المَعنى الشَّرعِيِّ، ويُحتملُ أنْ يُقالَ بالصِّحةِ حَملًا على المَعنى اللُّغويِّ وهو الأقرَبُ تَصحيحًا للكَلامِ ما أمكَنَ، وحينَئذٍ لا يَجوزُ إخراجُها بدُونِه، وإنْ قُلنا ببُطلانِه لم يَجُزْ إخراجُها به؛ لتَعذُّرِه، ولا بدونِه؛ إمَّا لأنه خِلافٌ لشَرطِ الواقفِ، وإمَّا لفَسادِ الاستِثناءِ، فكأنه قالَ: لا تَخرجُ مُطلقًا، ولو قالَ ذلكَ صَحَّ؛ لأنه شَرطٌ فيهِ غرَضٌ صَحيحٌ؛ لأنَّ إخراجَها مَظنَّةُ ضَياعِها، بل يَجبُ على ناظِرِ الوَقفِ أنْ يُمكِّنَ كلَّ مَنْ يَقصدُ الانتفاعَ بتلكَ الكُتبِ في مَكانِها.

وفي بَعضِ الأوقافِ يَقولُ:: لا تَخرجُ إلا بتَذكرةٍ»، وهذا لا بأسَ به، ولا وَجهَ لبُطلانِه، وهو كمَا حَمَلْنا عليه قولَه:» إلا برَهنٍ» في المَدلولِ اللُّغَوِيِّ، فيَصحُّ ويَكونُ المَقصودُ أنَّ تَجويزَ الواقِفِ الانتفاعَ لمَن يَخرجُ به مَشروطٌ

بأنْ يضَعَ في خِزانةِ الوَقفِ ما يَتذكَّرُ هو به إعادةَ المَوقوفِ ويَتذكَّرُ الخازِنُ مُطالَبتَه، فيَنبغي أنْ يَصحَّ هذا، ومتى أخَذَه على غَيرِ هذا الوَجهِ الذي شرَطَه الواقِفُ يَمتنعُ، ولا نَقولُ بأنَّ تلكَ التَّذكرةَ تَبقى رَهنًا، بل له أنْ يَأخذَها، فإذا أخَذَها طالَبَه الخازِنُ برَدِّ الكِتابِ، ويَجبُ عليه أنْ يَردَّه أيضًا بغَيرِ طَلبٍ، ولا يَبعدُ أنْ يُحمَلَ قَولُ الواقفِ الرَّهنَ على هذا المَعنى حتى يَصِحُّ إذا ذكَرَه بلَفظِ الرَّهنِ؛ تَنزيلًا للَّفظِ على الصِّحةِ ما أمكَنَ، وحِينئذٍ يَجوزُ إخراجُه بالشَّرطِ المَذكورِ ويَمتنعُ لغَيرهِ، لكنْ لا تَثبتُ له أحكامُ الرَّهنِ ولا يَستحِقُّ بَيعَهُ، ولا بدَلَ الكِتابِ المَوقوفِ إذا تَلِفَ بغَيرِ تَفريطٍ، ولو تَلفَ بتَفريطٍ ضَمِنَه، ولكنْ لا يَتعيَّنُ ذلكَ المَرهونُ لوَفائِه، ولا يَمتنعُ على صاحِبِه التَّصرفُ فيهِ. انتهى

وقَولُ أصحابِنا: «لا يَصحُّ الرَّهنُ بالأماناتِ» شامِلٌ للكُتبِ المَوقوفةِ، والرَّهنُ بالأماناتِ باطِلٌ، فإذا هلَكَ لا يَجبُ شيءٌ، بخِلافِ الرَّهنِ الفاسِدِ؛ فإنه مَضمونٌ كالصَّحيحِ، وأمَّا وُجوبُ اتِّباعِ شَرطِه وحَملُه على المعنى اللُّغويِّ فغَيرُ بَعيدٍ (١).

وقالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: الرابِعُ: قالَ في «المَسَائِل المَلقُوطَة»: سُئلَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: إذا وقَفَ كِتابًا على عامَّةِ المُسلمينَ وشرَطَ ألا يُعارَ إلا برَهنٍ، فهل يَصِحُّ هذا الرَّهنُ أم لا؟

(١) «الأشباه والنظائر» (٣٥٥، ٣٥٦)، و «مجمع الضمانات» (٢٤٧)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٥٢).

فأجابَ: لا يَصِحُّ هذا الرَّهنُ؛ لأنها غيرُ مَأمونةٍ في يَدِ مَوقوفٍ عليه، ولا يُقالُ لها عارِيةٌ أيضًا، بل الآخِذُ لها إنْ كانَ مِنْ أهلِ الوَقفِ مُستحِقًّا للانتِفاعِ فيَدُه عليها يَدُ أمانةٍ، فشَرطُ أخذِ الرَّهنِ عليها فاسِدٌ، ويَكونُ في يَدِ الخازِنِ للكُتبِ أمانةً؛ لأنَّ فاسِدَ العُقودِ في الضَّمانِ كصَحيحِها، والرَّهنُ أمانةٌ، هذا إذا أريدَ الرَّهنُ الشَّرعيُّ، وأمَّا إنْ أُرِيدَ مَدلولُه لُغةً وأنْ يَكونَ تَذكرةً فيَصحُّ الشَّرطُ؛ لأنه غرَضٌ صَحيحٌ، وأمَّا إذا لم يُعلَمْ مُرادُ الواقفِ فيُحتملُ أنْ يُقالَ بالبُطلانِ بالشَّرطِ حَملًا على المعنى الشَّرعِيِّ، ويُحتملُ أنْ يُقالَ بالصِّحةِ حَملًا على المَعنى، وهو الأقرَبُ لصحَّتِه. انتهى (١).

وقالَ الرَّمليُّ رحمة الله عليه: أَفتَى القَفَّالُ فيما إذا وقَفَ كِتابًا أو غَيرَه وشرَطَ ألا يُعارَ إلا برَهنٍ بلُزومِ هذا الشَّرطِ، وضعَّفَه بعضُ المُتأخِّرينَ مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ:

أحَدُها: كَونُه رَهْنًا بالعينِ غيرِ المَضمونةِ، ولا خِلافَ في بُطلانِه.

ثَانيها: كَونُ الرَّاهنِ أحَدَ المُستحِقِّينَ، والراهِنُ لا يَكونُ مُستحِقًّا.

ثالِثُها: إنَّ المَقصودَ مِنْ الرَّهنِ الوَفاءُ مِنْ ثَمنِ المَرهونِ عندَ التَّلفِ، وهذا المَوقوفُ لو تَلفَ بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ لم يَضمنْه، فالوَجهُ: إنَّ هذا الشَّرطَ فاسِدٌ لا يُتَّبعُ. اه

قالَ الزَّركشيُّ: إنَّ ما قالَه القفَّالُ مَردودٌ (٢).

(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٤٩٨)، و «شرح ميارة» (٢/ ٢٣٦).
(٢) «حاشية الرملي على أسنى المطالب» (٢/ ١٥٠).

وسُئلَ ابنُ حجَرَ الهَيتميُّ رحمة الله عليه عن الرَّهنِ على الكُتبِ المَوقوفةِ كما جَرَتْ به العادةُ، هل يَصحُّ؟

فأجابَ بقَولِه: الذي صَرَّحوا به أنَّ مِنْ شَرطِ المَرهونِ به كُونَه دَينًا، ومُقتضاهُ بُطلانُ ذلكَ كغيرِها مِنْ الأعيانِ، وبه صرَّحَ الماوَرديُّ، لَكنْ أفتَى القفَّالُ فيما إذا وقَفَ كِتابًا أو غيرَه وشرَطَ أنْ لا يُعارَ إلا برَهنٍ بلُزومِ هذا الشَّرطِ ولا يُعارُ إلا برَهنٍ، وبحَثَ فيهِ السُّبكيُّ بما حاصِلُه أنه إنْ عَنى الرَّهنَ الشَّرعيَّ فلا يَصحُّ الرَّهنُ، أو اللُّغويَّ وأرادَ أنْ يَكونَ المَرهونُ تَذكرةً صَحَّ، وإنْ لم يُعلَمْ مُرادُه فيُحتملُ بُطلانُ الشَّرطِ؛ حَملًا على الشَّرعيِّ، ثم لا يَجوزُ إخراجُه بالرَّهنِ؛ لتَعذُّرِه، ولا بغَيرِه؛ إمَّا لأنه خِلافُ شَرطِ الواقفِ وإمَّا لفسادِ الاستِثناءِ، فكأنه قالَ: لا يَخرجُ مُطلقًا، ولو قالَ ذلكَ صَحَّ؛ لأنه غَرضٌ صَحيحٌ؛ لأنَّ إخراجَه مَظنَّةُ ضياعِه.

ويُحتملُ صِحةُ الشَّرطِ؛ حَملًا على المَعنى اللُّغويِّ، قالَ: وهذا هو الأقرَبُ تَصحيحًا للكَلامِ ما أمكَنَ. اه.

واعتَرضَ الزَّركشيُّ قَولَه: «الأقربُ صِحتُه وحَملُه على اللُّغويِّ»؛ لأنَّ الأحكامَ الشَّرعيةَ لا تَتبعُ اللُّغةَ، وكيفَ يُحكَمُ بالصِّحةِ مع أنه لا يَجوزُ له حَبسُه شَرعًا، وأيُّ فائِدةٍ في الصِّحةِ حِينَئِذٍ؟! اه، وقد يُجابُ بأنَّ تَسميتَهُ رَهنًا مع كَونِ المَرهونِ به عَينًا تَدلُّ على قَصدِه للرَّهنِ بالمَعنى اللُّغويِّ لا الشَّرعيِّ، وحِينئذٍ فما قالَه السُّبكيُّ مُتَّجِهٌ، ويَكونُ الواقفُ شرَطَ لجَوازِ الانتِفاعِ بالمَوقوفِ شَرطًا، وهو وَضعُ عَينٍ عند الناظرِ أو غَيرِه إلى انقِضاءِ

غَرضِه تَوثِقةً وأمنًا مِنْ التفريطِ في ضَياعِه، وهذا مَعنًى صَحيحٌ يُقصَدُ شَرعًا، فوجَبَ اتِّباعُ شَرطِه، وبه يُعلَمُ رَدُّ تَضعيفِ بَعضهم لِما قالَه القفَّالُ بأنَّ الراهِنَ أحَدُ المُستحِقِّينَ والراهِنُ لا يَكونُ مُستحِقًّا، وبأنَّ المَقصودَ بالرهنِ الوَفاءُ مِنْ ثَمنِ المَرهونِ عند التَّلفِ، وهذا المَوقوفُ لو تَلفَ بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ لم يضمَنْ (١).

وقالَ في «العُبَاب»: لو شرَطَ في وَقفِ كِتابٍ مثلًا ألا يُعارَ إلا برَهنٍ اتُّبعَ شَرطُه، فلو تَلفَ الكِتابُ مع المُستعيرِ بلا تَفريطٍ لم يَضمنْه، ويَرجعُ في رَهنِه (٢).

وقد ذكَرَ الحَنفيةُ بعضَ الأمثِلةِ لصِحَّةِ الوَقفِ مع بُطلانِ الشَّرطِ منها:

أ- شَرطُ الواقفِ العَزلَ والنَّصبَ وسائِرَ التَصرُّفاتِ لمن يَتولَّى مِنْ أولادِه ولا يُداخِلُهم أحَدٌ مِنْ القُضاةِ والأُمراءِ، وإنْ داخَلوهُم فعليهِم لَعنةُ اللهِ، فهذا شَرطٌ فاسِدٌ.

قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: وفي مَعرُوضاتِ المُفتي أبي السُّعودِ: لو شرَطَ الواقِفُ العَزلَ والنَّصبَ وسائرَ التَّصرفاتِ لمن يَتولَّى مِنْ أولادِه ولا يُداخِلُهم أحَدٌ مِنْ القُضاةِ والأمَراءِ، وإنْ داخَلوهُم فعليهِم لَعنةُ اللهِ، هل يُمكِنُ مُداخَلتُهم؟

(١) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٢/ ٢٨١).
(٢) «العباب» (٨٥٩).

فأجابَ بأنه في سَنةِ أربَعٍ وأربَعينَ وتِسعِمائةٍ قد حُرِّرتْ هذه الوَقفيَّاتُ المَشروطةُ هكذا، فالمُتولُّونَ لو مِنْ الأُمراءِ يَعرِضونَ للدَّولةِ العَليَّةِ على مُقتضَى الشرعِ ومَن دونَهُم رُتبةً يَعرِضُ بآرائِهِم مع قُضاةِ البِلادِ على مُقتضَى المَشروعِ مِنْ المَوادِّ، لا يُخالِفُ القُضاةُ المُتولِّينَ ولا المُتولُّونَ القُضاةَ، بهذا ورَدَ الأمرُ الشَّريفُ، فالواقِفونَ لو أرادُوا أيَّ فَسادٍ صدَرَ يَصدُرُ وإذا داخَلَهم القُضاةُ والأُمراءُ فعليهِم اللَّعنةُ فهُمُ المَلعونُونَ؛ لِما تَقرَّرَ أنَّ الشَّرائطَ المُخالِفةَ للشرعِ جَميعُها لَغوٌ وباطِلٌ. انتهى، فلْيُحفَظْ (١).

ب- لو شرَطَ الواقفُ ألا يَعزِلَ السُّلطانُ أو القاضي الناظرَ على الوَقفِ فله عَزلُ غَيرِ الأَهلِ، حتى لو كانَ هو الناظِرَ بأنْ شرَطَهُ لنَفسِه فله عَزلُه، ويَنزِعُه لو كانَ خائِنًا، كما نَصَّ على ذلكَ الحَنفيةُ (٢).

ج- وقالَ الحَنفيةُ أيضًا: إذا شرَطَ الواقفُ ألا يَكونَ للقاضي أو السُّلطانِ كلامٌ على هذا الوَقفِ أنه شَرطٌ باطِلٌ، وللقاضي الكَلامُ؛ لأنَّ نظَرَه أعلَى، وهذا شَرطٌ فيهِ تَفويتُ المَصلحةِ للمَوقوفِ عليهم وتَعطيلٌ للوَقفِ، فيَكونُ شَرطًا لا فائِدةَ فيهِ للوَقفِ ولا مَصلحةَ، فلا يُقبَلُ، فإذا رَأى القاضي أنْ يَضُمَّ إليهِ مُشارِكًا يَجوزُ له ذلكَ، كالوَصيِّ إذا ضَمَّ إليه غيْرَه حيثُ يَصحُّ (٣).

(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٨).
(٢) «الأشباه والنظائر» (١٩٥)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٧).
(٣) «البحر الرائق» (٥/ ٢٤١)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٨).

ومِن أمثِلةِ ذلكَ عندَ المالِكيةِ ما يَلي:

أ- إذا اشتَرطَ الواقفُ إصلاحَ الوَقفِ على مُستحِقِّه، كمَن حَبسَ دارًا على رَجلٍ ووَلدِه ووَلدِ وَلدِه واشتَرطَ على الذي حَبسَ عليه إصلاحَ ما يَرِثُّ منها مِنْ مالِه لم يَصحَّ الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا كِراءٌ مَجهولٌ؛ إذْ لا يَدري بكم يَكونُ الإصلاحُ، والوَقفُ صحيحٌ؛ لأنَّ البُطلانَ مُنصَبٌّ على الشرطِ لا على الوَقفِ، ولأنه قد فاتَ في سَبيلِ اللهِ، وتَكونُ مَرمَّتُها وإصلاحُها مِنْ غلَّةِ الوَقفِ (١).

ب- ومَن وقَفَ أرضًا مثلًا عليها تَوظيفٌ واشتَرطَ أنْ يُؤخذَ ذلكَ التَّوظيفُ مِنْ المُحبَّسِ عليه لا مِنْ غلَّتِه، فإنَّ الشَّرطَ يكونُ باطِلًا والوَقفُ صَحيحٌ، وأمَّا لو شرَطَ أنَّ مَرمَّتَها مِنْ غلَّتِها وأنَّ ما عليها مِنْ التَّوظيفِ مِنْ غلَّتِها فإنَّ ذلكَ جائِزٌ، وهو المَشهورُ.

وقيلَ: لا يَجوزُ.

ولو اشتَرطَ أنه يَصرفُه ممَّا يَتحصَّلُ مِنْ الغلَّةِ فالظاهرُ أنه لا خِلافَ في الجَوازِ (٢).

ج- إذا شرَطَ الواقفُ عدَمَ البِدايةِ بإصلاحِ ما انثَلَمَ مِنْ الوَقفِ أو يُتركَ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٠)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٩٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٦).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٦).

الإنفاقُ عليه إنْ كانَ حَيَوانًا، وإنَّما يُبدأُ مِنْ غلَّتِه بمَنافعِ أهلِه، فلا يَجوزُ اتِّباعُ شَرطِ الواقفِ؛ لأنه يُؤدِّي إلى بُطلانِ الوَقفِ مِنْ أصلِه، فيَصحُّ الوَقفُ ويَبطلُ الشَّرطُ، وكذلكَ كلُّ ما أدَّى مِنْ الشُّروطِ إلى ذلكَ فإنه لا يُوفى به، بل يُبدأُ بمَرمَّةِ الوَقفِ وإصلاحِه والنَّفقةِ عليه؛ لأنَّ في ذلكَ البَقاءَ لعَينِه والدَّوامَ لمَنفعتِه (١).

ومِن أمثِلتِه عندَ الشافِعيةِ في مُقابِلِ الصَّحيحِ كما تقدَّمَ في القِسمِ الأولِ ما يَلي:

أ - لو وقَفَ شيئًا بشَرطِ الخِيارِ لنَفسِه في إبقاءِ وَقفِه والرُّجوعِ فيه متى شاءَ، أو شرَطَ لغيرهِ أو شرَطَ عَوْدَه إليهِ بوَجهٍ ما، كأنْ شرَطَ أنْ يَبيعَه أو شرَطَ أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ مِنْ غيرِ أهلِه، أو في تَغييرِ شيءٍ منه بوَصفٍ أو زيادةٍ أو نَحوِ ذلكَ بطَلَ الشَّرطُ وصَحَّ الوَقفُ، كما لو طلَّقَ على أنْ لا رَجعةَ له، وكما في حَديثِ العُمرَى أنه قالَ: «أَمسِكوا عَليكُم أموالَكُم ولا تُفسِدوها، فإنه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي للَّذي أُعمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولعَقِبِه» (٢)، فإنه جعَلَها للذي أُعمِرَها في حَياتِه ولوَرثتِه مِنْ بَعدِ مَوتِه، فأزالَ مِلكَ المُعمِرِ وأبطَلَ شرْطَه (٣).

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٦).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٢٥).
(٣) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٧، ٤٨٨)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٤).

ب- لو وقَفَ على وَلدِه وشرَطَ أنْ يَرجعَ إليهِ إذا ماتَ صَحَّ الوَقف وبطَلَ الشَّرطُ عند الشافِعيةِ كالعُمرَى (١).

وأمَّا الحَنابلةُ فقالوا: الشُّروطُ إنَّما يَلزمُ الوَفاءُ بها إذا لم تُفضِ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ الشَّرعيِّ، ولا تَجوزُ المُحافَظةُ على بَعضِها مع فَواتِ المَقصودِ الشَّرعيِّ بها.

ومِن أمثِلةِ صحَّةِ الوَقفِ وإبطالِ الشَّرطِ عندَ الحَنابلةِ ما يَلي:

أ- إنْ خَصَّصَ الإمامةَ في المَسجدِ أو الرِّباطِ أو المَدرسةِ أو الخَطابةَ بشَخصٍ مُخالِفًا لصَريحِ السُّنةِ أو مُخالِفًا لظاهِرِها، سَواءٌ كانَ خِلافُه لعَدمِ الاطِّلاعِ على السُّنةِ أو لتَأويلٍ ضَعيفٍ؛ إذ لا يَجوزُ اشتِراطُ مِثلِ هذا.

ب- وإنْ خصَّصَ المُصلِّينَ في المَسجدِ ونَحوِه بمَذهبٍ لم يَختَصَّ بهم؛ لأنَّ إثباتَ المَسجديةِ يَقتضِي عدَمَ الاختِصاصِ كما في «التَّحرير»، فاشتِراطُ التَّخصيصِ يُنافيهِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ.

وفي قَولٍ: يَصحُّ وتَختصُّ بهم على الأشبَهِ؛ لاختِلافِ المَذاهبِ في أحكامِ الصَّلاةِ، ويَصيرُ كما لو كانَ مَدرسةً أو رِباطًا.

ج- مَنْ شرَطَ في القُرباتِ أنْ يُقدَّمَ فيها الصِّنفُ المَفضولُ فقدْ شرَطَ خِلافَ شَرطِ اللهِ، كشَرطِه في الإمامةِ تَقديمَ غيرِ الأعلَمِ.

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الشرائط التي ترجع إلى الموقوف

ثُمَّ التَّسْلِيمُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ قَيِّمًا وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بِإِذْنِهِ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمة الله عليه فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَصَلَّى وَاحِدٌ كَانَ تَسْلِيمًا، وَيَزُولُ مِلْكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَشْرُطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ شَيْئًا، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ شَرْطٌ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذَا إخْرَاجُ الْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعْلُهُ خَالِصًا لَهُ، وَشَرْطُ الِانْتِفَاعِ لِنَفْسِهِ يَمْنَعُ الْإِخْلَاصَ فَيَمْنَعُ جَوَازَ الْوَقْفِ، كَمَا إذَا جَعَلَ أَرْضَهُ أَوْ دَارِهِ مَسْجِدًا وَشَرَطَ مِنْ مَنَافِعِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ خِدْمَتَهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ وَقَفَ وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَكَانَ يَلِي أَمْرَ وَقْفِهِ بِنَفْسِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ بَيْعَ الْوَقْفِ وَصَرْفَ ثَمَنِهِ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ شَرْطٌ لَا يُنَافِيهِ الْوَقْفُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ بَابُ الْمَسْجِدِ إذَا خَلِقَ، وَشَجَرُ الْوَقْفِ إذَا يَبِسَ (وَمِنْهَا) أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهُ بِجِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 202 - 211

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله