المسألة الثانية: وقف الدراهم والدنانير

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > المسألة الثانية: وقف الدراهم والدنانير

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

المسألة الثانية: وقف الدراهم والدنانير - الأقوال والأدلة

كَلامِ المُصنِّفِ، والظاهِرُ أنَّ هذا مِنْ المُتفَقِ على صِحتِه؛ لوُجودِ شُروطِ الوَقفِ (١).

وأمَّا المالِكيةُ فالصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ عندَهُم أنه يَجوزُ وَقفُ الطَّعامِ الذي تَطولُ إقامتُه، بأنْ يَستلِفَه مَنْ يَحتاجُ إليهِ ويَرُدَّ مِثلَه، ويَنزلُ رَدُّ بَدلِ ما انتفعَ به بمَنزلةِ دَوامِ العَينِ.

أمَّا الطَّعامُ الذي لا تَطولُ إقامتُه بأنْ يَفسدَ بتَأخيرِه فلا يَجوزُ اتِّفاقًا (٢).

المَسألةُ الثَّانيةُ: وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانِيرِ:

قَسَّمَ الفُقهاءُ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ إلى قِسمَينِ:

القِسمُ الأوَّلُ: وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانِيرِ للقَرضِ والانتفاعِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانير للقَرضِ والانتفاعِ بها ثمَّ استِردادِ بَدلِها، هل يَجوزُ أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ -ما عَدا زُفرَ- وابنُ شاسٍ وابنُ الحاجِبِ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةِ في أحَدِ الوَجهينِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ يُنتفَعُ بها في القَرضِ؛ لأنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ

(١) «الإنصاف» (٧/ ١٢)، ويُنظَر: «المغني» (٥/ ٣٧٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٩١)، و «المبدع» (٥/ ٣١٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٩٨)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٢٣).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٧)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٣٤٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٨١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٣٣).

المَنفعةِ، وما لا يُنتفعُ به إلا بالإتلافِ لا يَصحُّ فيهِ ذلكَ؛ لأنها تُستهلَكُ عَينُها، فتَخرجُ عن أنْ تَكونَ مَوقوفةً، فيُزكِّيهِ رَبُّه -أي النَّقد-؛ لبَقاءِ مِلكِه عليه (١).

قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وأمَّا وَقفُ ما لا يُنتفَعُ به إلا بالإتلافِ كالذَّهبِ والفِضةِ والمَأكولِ والمَشروبِ فغَيرُ جائِزٍ في قَولِ عامَّةِ الفُقهاءِ، والمُرادُ بالذَّهبِ والفضَّةِ الدَّراهِمُ والدَّنانيرُ وما ليسَ بحُليٍّ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: ولا يَصحُّ وَقفُ ما لا يُنتفَعُ به مع بَقائِه دائِمًا كالأثمانِ ولو لتَحلٍّ ووَزنٍ كقِنديلٍ مِنْ نَقدٍ على مَسجدٍ ونَحوِه كحَلقةِ فضَّةٍ تُجعَلُ في بابِه.

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٦٢، ١٦٣)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١٩)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٨٠)، و «درر الحكام» (٦/ ١٣١)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٣٦٢)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٦٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٠)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٣٤٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٨١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٣٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٤)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٤٤٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤١٤)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٤٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥٧)، و «الديباج» (٢/ ٥١٦)، و «المغني» (٥/ ٣٧٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٩١)، و «المبدع» (٥/ ٣١٨)، و «الإنصاف» (٧/ ١٠، ١١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٩٨)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٢٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٨٠)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٦).
(٢) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٨).

وكوَقفِ دَراهمَ ودَنانيرَ ليُنتفَعُ باقتِراضِها؛ لأنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ المَنفعةِ، وما لا يُنتفعُ به إلا بإتلافِه لا يَصحُّ فيهِ ذلكَ، فيُزكِّي النَّقْدَ رَبُّه؛ لبَقاءِ مِلكِه عليه، إلا إذا وقَفَ الأثمانَ تَبعًا كفَرسٍ وُقِفَ في سَبيلِ اللهِ بلِجامٍ وسَرجٍ مُفضَّضَينِ، فيَصحُّ الوَقفُ في الكُلِّ، فإنْ بِيعَتِ الفِضةُ مِنْ السَّرجِ واللَّجامِ وجُعلَ ثَمنُه في وَقفٍ مِثلِه فحَسنٌ؛ لأنَّ الفِضةَ لا يُنتفعُ بها، أشبَهَ الفرَسَ الحَبيسَ إذا عَطبَ، ولا تُصرَفُ في نَفقةِ الفَرسِ نَصًّا؛ لأنه صَرفٌ لها إلى غيرِ جِهَتِها، وفي «الإقْنَاع» تَبعًا ل «الاختِيارات» تُصرَفُ في نَفقتِه، وكذا لو وقَفَ حُليًّا وأطلَقَ لم يَصحَّ (١).

قالَ أحمَدُ رحمة الله عليه: لا أَعرِفُ الوَقفَ في المالِ، إنَّما الوَقفُ في الدُّورِ والأرَضينَ على ما وقَفَ أصحابُ النبيِّ ، قالَ: ولا أَعرِفُ وَقفَ المالِ البَتَّةَ (٢).

وذهَبَ زُفَرُ مِنْ الحَنفيةِ -وبهِ أَفتَى عامَّةُ الحَنفيةُ- والمالِكيةُ في المُعتمَدِ والشافِعيةُ في الوَجهِ الثَّاني والحَنابلةُ في قَولٍ -وهو اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى جَوازِ وَقفِ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ للقَرضِ يُنتفعُ بها ويُردُّ بَدلُها، أو يُضارَبُ بها ويُتصدَّقُ برِبحِها في الوَجهِ الذي وُقِفَ عليه.

(١) «المغني» (٥/ ٣٧٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٩١)، و «المبدع» (٥/ ٣١٨)، و «الإنصاف» (٧/ ١٠، ١١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٩٨)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٢٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٨٠).
(٢) كتاب «الوقوف من الجامع لعلوم الإمام أحمد» للخلال (٢/ ٤٩٥).

فعَن الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ- فيمَن وقَفَ الدَّراهِمَ أو الطَّعامَ أو ما يُكالُ أو ما يُوزنُ أيَجوزُ ذلكَ؟ قالَ: نعم، قيلَ: وكيفَ؟ قالَ: يَدفعُ الدَّراهِمَ مُضارَبةً ثمَّ يَتصدَّقُ بفَضلِها في الوَجهِ الذي وُقِفَ عليه (١).

قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: مَطلبٌ في وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ:

قَولُه: (بَلْ ودَراهِمُ ودَنانيرُ) عَزاهُ في «الخُلاصَة» إلى الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ-، وعَزاهُ في «الخانِيَّة» إلى زُفرَ حيثُ قالَ: وعَن زُفرَ «شَرنَبلاليَّة».

وقالَ المُصنِّفُ في «المِنَح»: ولمَّا جَرَى التَّعاملُ في زَمانِنا في البلادِ الرُّوميةِ وغَيرِها في وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ دَخَلتْ تحتَ قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به في وَقفِ كلِّ مَنقولٍ فيه تَعاملٌ كما لا يَخفَى، فلا يُحتاجُ على هذا إلى تَخصيصِ القَولِ بجَوازِ وَقفِها بمَذهبِ الإمامِ زُفرَ مِنْ رِوايةِ الأنصارِيِّ، واللهُ تعالَى أعلَمُ، وقد أَفتَى مَولانا صاحِبُ «البَحْر» بجَوازِ وَقفِها ولمْ يَحْكِ خِلافًا. انتهى ما في «المِنَح».

قالَ الرَّمليُّ: لكنْ في إلحاقِها بمَنقولٍ فيه تَعاملٌ نَظرٌ؛ إذْ هي ممَّا يُنتفعُ بها مع بَقاءِ عَينِها على مِلكِ الواقفِ، وإفتاءُ صَاحبِ «البَحر» بجَوازِ وَقفِها بلا حِكايةِ خِلافٍ لا يَدلُّ على أنه داخلٌ تحتَ قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به في وَقفِ مَنقولٍ فيه تَعاملٌ؛ لاحتِمالِ أنه اختارَ قَولَ زُفرَ وأفتَى به، وما استَدلَّ به

(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١٩)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٨٠)، و «درر الحكام» (٦/ ١٣١)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٣٦٢).

في «المِنَح» مِنْ مَسألةِ البَقرةِ الآتيةِ مَمنوعٌ بما قُلنا؛ إذْ يُنتفعُ بلَبنِها وسَمنِها مع بَقاءِ عَينِها، لكنْ إذا حكَمَ به حاكمٌ ارتَفعَ الخِلافُ. انتهى مُلخَّصًا.

قلتُ (أي ابنُ عابدِينَ): إنَّ الدَّراهمَ لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فهي وإنْ كانَتْ لا يُنتفعُ بها مع بقاءِ عَينِها لكنَّ بدَلَها قائمٌ مَقامَها؛ لعَدمِ تَعيُّنِها، فكأنها باقِيةٌ، ولا شَكَّ في كَونِها مِنْ المَنقولِ، فحيثُ جَرى فيها تَعاملٌ دَخَلتْ فيما أجازَهُ مُحمدٌ، ولهذا لمَّا مثَّلَ مُحمدٌ بأشياءَ جَرى فيها التَّعاملُ في زَمانه قالَ في «الفَتح»: إنَّ بعضَ المَشايخِ زادوا أشياءَ مِنْ المَنقولِ على ما ذكَرَه مُحمدٌ لمَّا رَأَوا جَرَيانَ التَّعاملِ فيها، وذكَرَ منها مَسألةَ البَقرةِ الآتيةَ، ومَسألةَ الدَّراهمِ والمَكيلِ، حيثُ قالَ: فَفي «الخُلاصَة»: وقَفَ بَقرةً على أنَّ ما يَخرجُ مِنْ لَبنِها وسَمنِها يُعطَى لأبناءِ السَّبيلِ، قالَ: إنْ كانَ ذلكَ في مَوضعٍ غلَبَ ذلكَ في أوقافِهِم رَجَوتُ أنْ يَكونَ جائِزًا.

وعن الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ- فيمَن وقَفَ الدَّراهمَ أو ما يُكالُ أو ما يُوزَنُ، أيَجوزُ ذلكَ؟ قالَ: نَعم، قيلَ: وكيفَ؟ قالَ: يَدفعُ الدَّراهِمَ مُضارَبةً ثم يَتصدَّقُ بها في الوَجهِ الذي وقفَ عليه، وما يُكالُ أو يُوزنُ يُباعُ ويُدفعُ ثَمنُه لمُضارَبةٍ أو بضاعةٍ، قالَ: فعَلى هذا القِياسِ إذا وقَفَ كُرًّا مِنْ الحِنطةِ على شَرطِ أنْ يُقرضَ للفُقراءِ الذينَ لا بَذْرَ لهم ليَزرَعوهُ لأنفُسِهم ثم يُؤخَذُ مِنهُم بعدَ الإدراكِ قَدرُ القَرضِ، ثم يُقرَضُ لغَيرِهم مِنْ الفُقراءِ أبدًا، على هذا السَّبيلِ يَجبُ أنْ يَكونَ جائِزًا، قالَ: ومثلُ هذا كثيرٌ في الرَّيِّ وناحِيةِ دُوما ونَدٍّ. اه

وبهذا ظهَرَ صِحَّةُ ما ذكَرَه المُصنِّفُ مِنْ إلحاقِها بالمَنقولِ المُتعارَفِ على قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به، وإنَّما خَصُّوها بالنَّقلِ عن زُفرَ لأنها لم تَكنْ مُتعارَفَةً إذْ ذاكَ، ولأنه هو الذي قالَ بها ابتداءً، قالَ في «النَّهر»: ومُقتضَى ما مَرَّ عن مُحمدٍ عَدمُ جَوازِ ذلكَ -أي وَقفِ الحِنطةِ- في الأقطارِ المِصريةِ؛ لعَدمِ تَعارُفِه بالكلِّيةِ، نعمْ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ تُعُورِفَ في الدِّيارِ الرُّوميةِ. اه

قَولُه: (ومَكيل) مَعطوفٌ على قَولِ المُصنِّفِ: (ودَراهِم)، قَولُه: (ويُدفعُ ثَمنُه مُضارَبةً أو بضاعةً) وكذا يُفعلُ في وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ، وما خرَجَ مِنْ الرِّبحِ يُتصدَّقُ به في جِهةِ الوَقفِ، وهذا هو المُرادُ في قَولِ «الفَتح» عن «الخُلاصَة»: (ثم يُتَصدَّقُ بها)، فهو على تَقديرِ مُضافٍ، أي: برِبحِها، وعِبارةُ «الإسْعَاف»: ثم يُتصدَّقُ بالفَضلِ (١).

وقالَ المالِكيةُ في المَذهبِ: يَجوزُ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ للسَّلفِ، ويَنزلُ رَدُّ بَدلِه مَنزلةَ بَقاءِ عَينِه، وهو نَصُّ «المُدوَّنة»، وأمَّا إنْ وقفَ مع بَقاءِ عَينِه فلا يَجوزُ اتِّفاقًا؛ إذْ لا مَنفعةَ شَرعيةً تَترتَّبُ على ذلكَ.

وفي قَولٍ للمالِكيةِ أنه يُكرَهُ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ (٢).

(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٦٣، ٣٦٤)، ويُنظَر: «البحر الرائق» (٥/ ٢١٩)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٨٠)، و «درر الحكام» (٦/ ١٣١)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٣٦٢).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٠)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٣٤٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٨١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وفي وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ وَجهانِ كإجارَتِهما، إنْ جَوَّزناها صَحَّ الوَقفُ لتُكرَى (١).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: وقالَ في «الفائِق»: وعنه -أي الإمامِ أحمَدَ- يَصحُّ وَقفُ الدَّراهمِ، فيُنتفعُ بها في القَرضِ ونَحوِه، اختارَهُ شَيخُنا، يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ رحمة الله عليه.

وقالَ في «الاختِيَارات»: ولو وقَفَ الدَّراهمَ على المُحتاجينَ لم يَكنْ جَوازُ هذا بَعيدًا (٢).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: قد نَصَّ أحمَدُ على أبلَغَ مِنْ ذلكَ، وهو وَقفُ ما لا يُنتفعُ به إلَّا مع إبدالِ عَينِه، فقالَ أبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ في «الشَّافي»: نقَلَ المَيمونِيُّ عن أحمَدَ أنَّ الدَّراهمَ إذا كانَتْ مَوقوفةً على أهلِ بَيتِه فَفيها الصَّدقةُ، وإذا كانَتْ على المَساكينِ فليسَ فيها صَدقةٌ، قلتُ: رَجلٌ وقَفَ ألفَ دِرهمٍ في السَّبيلِ؟ قالَ: إنْ كانَتْ للمَساكينِ فليسَ فيها شَيءٌ، قلتُ: فإنْ وقَفَها في الكُراعِ والسِّلاحِ؟ قالَ: هذه مَسألةُ لُبسٍ واشتِباهٍ، قالَ أبو البَركاتِ: وظاهِرُ هذا جَوازُ وَقفِ الأثمانِ لغَرضِ القَرضِ أو التَّنميةِ والتَّصدُّقِ بالرِّبحِ، كما قد حَكَيْنا عن مالكٍ والأنصارِيِّ، قالَ: ومَذهبُ مالِكٍ صِحةُ وَقفِ الأثمانِ للقَرضِ، ذكَرَه صاحِبُ «التَّهذيب» وغَيرُه في الزَّكاةِ، وأوجَبُوا فيها الزَّكاةَ كقَولِهم في الماشِيةِ المَوقوفةِ على الفُقراءِ، وقالَ

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٣٤).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ١١).

مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ الأنصاريُّ: يَجوزُ وَقفُ الدَّنانيرِ؛ لأنه لا يُنتفعُ بها بلا استِهلاكِ عَينِها، وتُدفعُ مُضارَبةً ويُصرَفُ رِبحُها في مَصرِفِ الوَقفِ، ومَعلومٌ أنَّ القَرضَ والقِراضَ يُذهِبُ عيْنَه ويَقومُ بَدلُه مَقامَه، وجَعلُ المُبدَلِ به قائِمًا مَقامَه لمَصلحةِ الوَقفِ وإنْ لم تَكنِ الحاجةُ ضَرورةَ الوَقفِ لذلكَ، وهذه المَسألةُ فيها نِزاعٌ في مَذهبِه، فكَثيرٌ مِنْ أصحابِه مَنَعوا وقْفَ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ؛ لِما ذكَرَه الخِرَقيُّ ومَن اتَّبعَه، ولمْ يَذكُروا عن أحمدَ نَصًّا بذلكَ، ولم يَنقلْه القاضي وغيرُه إلَّا عن الخِرقيِّ وغَيرِه.

وقد تأوَّلَ القاضي رِوايةَ المَيمونِيِّ فقالَ: ولا يَصحُّ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ على ما نقَلَ الخِرقيُّ، قالَ: قالَ أحمَدُ في رِوايةِ المَيمونِيِّ: إذا وقَفَ ألفَ دِرهمٍ في سَبيلِ اللهِ وللمَساكينِ فلا زَكاةَ فيها، وإنْ وقَفَها في الكُراعِ والسِّلاحِ فهيَ مَسألةُ لُبسٍ، قالَ: ولم يُرِدْ بهذا وقْفَ الدَّراهمِ، وإنَّما أرادَ إذا أَوصَى بألفٍ تُنفَقُ على أفراسٍ في سَبيلِ اللهِ، فتَوقَّفَ في صِحةِ هذه الوَصيةِ، قالَ أبو بَكرٍ: لأنَّ نَفقةَ الكُراعِ والسِّلاحِ على مَنْ وقَفَه، فكأنهُ اشتَبهَ عليه إلى أينَ تُصرفُ هذه الدَّراهمُ إذا كانَ نَفقةُ الكُراعِ والسِّلاحِ على أصحابِه.

والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ المَسألةَ صَريحةٌ في أنه وقَفَ الألفَ ولم يُوصِ بها بعد مَوتِه؛ لأنه لو وَصَّى أنْ تُنفَقَ على خَيلٍ وقَفَها غيرُه جازَ ذلكَ بلا نِزاعٍ، كما لو وَصَّى بما يُنفَقُ على مَسجدٍ بَناهُ غيرُه (١).

(١) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٣٤، ٢٣٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 393 - 400

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد