الوقف على الأغنياء

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الوقف على الأغنياء

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الوقف على الأغنياء - الأقوال والأدلة

ولا على مَكروهٍ كتَعليمِ مَنطقٍ؛ لانتِفاءِ القُربةِ، ولا على مَعصيةٍ؛ لِما فيهِ مِنْ المَعونةِ عليهِما (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ وُجودُ ظُهورُ القُربةِ، بل يَكفي انتِفاءُ المَعصيةِ كما سَيأتي مُفصَّلًا في المَسألةِ التَّاليةِ:

الوَقفُ على الأغنِياءِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ على الأغنِياءِ، هل يَصحُّ أم لا؟

فقالَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ -وهو قَولُ ابنِ تَيميةَ وابنِ القَيِّمِ-: لا يَصحُّ الوَقفُ على الأغنِياءِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].

قالَ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: فعُلِمَ أنَّ اللهَ يَكرَهُ أنْ يَكونَ المالُ دُولةً بينَ الأغنِياءِ وإنْ كانَ الغِنى وَصفًا مُباحًا، فلا يَجوزُ الوَقفُ على الأغنِياءِ، وعلى قِياسِه سائِرُ الصِّفاتِ المُباحةِ، ولأنَّ العملَ إذا لم يَكنْ قُربةً لم يَكنْ الواقفُ مُثابًا على بَذلِ المالِ فيه، فيَكونُ قد صرَفَ المالَ فيما لا يَنفعُهُ لا في حَياتِهِ ولا في مَماتِه، ثمَّ إذا لم يَكنْ للعامِلِ فيهِ مَنفعةٌ في الدُّنيا كانَ تَعذيبًا له بلا فائِدَةٍ تَصلُ إليهِ ولا إلى الواقفِ، ويُشبِهُ ما كانَتِ الجاهِليةُ تَفعلُه مِنْ الأحْباسِ المُنبَّهِ عليها في سورَةِ الأنعامِ والمائِدةِ.

(١) «كشاف القناع» (٤/ ٢٩٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٦)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٨١، ٢٨٢).

وإذا خَلا العَملُ المَشروطُ في العُقودِ كُلِّها عن مَنفعةٍ في الدِّينِ أو في الدُّنيا كانَ باطِلًا بالاتِّفاقِ في أُصولٍ كَثيرةٍ؛ لأنه شَرطٌ ليسَ في كِتابِ اللهِ تعالى، فيَكونُ باطِلًا ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ (١).

وقالَ الحَنفيةُ: ولا يَجوزُ الوَقفُ على الأغنِياءِ وحْدَهُم؛ لأنه ليسَ بقُربةٍ ولا يَستَجلِبُ الثَّوابَ وصارَ كالصَّدقةِ، ولو وقَفَ على الأغنياءِ وهُم يُحصَونَ ثمَّ مِنْ بَعدِهم على الفُقراءِ جازَ، ويَكونُ كما شرَطَ؛ لأنه قُربةٌ في الجُملةِ بأَنِ انقَرضَ الأغنِياءُ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: ولا يَصحُّ الوَقفُ على طائِفةِ الأغنِياءِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ وجِنسِ الفَسقةِ والمَغاني، ولا على التَّنويرِ على قَبْرٍ ولا على تَبخيرِه ولا على مَنْ يُقِيمُ عندَه أو يَخدِمُه أو يَزورُه؛ لأنَّ ذلكَ ليس مِنْ البِرِّ؛ لأنه إعانةٌ على المَعصيةِ (٣).

وقالَ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: لو شرَطَ في وَقفِه أنْ يَكونَ على الأغنِياءِ دونَ الفُقراءِ كانَ شَرطًا باطلًا عندَ جُمهورِ الفُقَهاءِ، قالَ أبو المَعالي الجُوينيُّ هو إمامُ الحَرَمينِ رضي الله عنه: ومُعظَمُ أصحابِنا قَطَعوا بالبُطلانِ (٤).

(١) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ١٣، ١٤).
(٢) «الاختيار» (٣/ ٥٥)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١٦)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٣٧، ٣٣٨).
(٣) «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٠، ٣٠١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٦، ٣٣٨)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٨٤).
(٤) «إعلام الموقعين» (٣/ ٣١٤).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يَجوزُ الوَقفُ على الأغنِياءِ، وأنه لا يُشترطُ وُجودُ ظُهورِ القُربةِ، بل يَكفي انتِفاءُ المَعصيةِ.

قالَ المالِكيةُ: إنَّ الوَقفَ يَصحُّ وإنْ لم تَظهرْ فيهِ قُربةٌ؛ لأنَّ الوَقفَ مِنْ بابِ العَطيَّاتِ والهِباتِ لا مِنْ بابِ الصَّدقاتِ، ولهذا يَصحُّ الوَقفُ على الغَنيِّ والفَقيرِ، ولأنَّ القُربةَ لا يُشترطُ فيها نيَّةٌ، بخِلافِ الطَّاعةِ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لو وقَفَ على جِهةٍ لا تَظهرُ فيها القُربةُ كالأغنِياءِ وأهلِ الذِّمةِ والفَسقةِ صَحَّ في الأصَحِّ؛ نَظرًا إلى أنَّ الوَقفَ تَمليكٌ، فالشَّرطُ انتِفاءُ المَعصيةِ لا وُجودُ ظُهورِ القُربةِ، بل يُسَنُّ الصَّدقةُ عليهم كغَيرِهم.

والثَّاني: لا؛ نَظرًا إلى ظُهورِ قَصدِ القُربةِ.

والثالثُ: يَصِحُّ على الأغنياءِ ويَبطلُ على أهلِ الذِّمةِ والفَسقةِ.

قالَ السُّيوطيُّ رحمة الله عليه: هل يُشترطُ في الوَقفِ ظُهورُ القُربةِ؟ أو الشَّرطُ انتِفاءُ المَعصيةِ؟ وَجهانِ: أصَحُّهما الثَّاني، فيَصحُّ على الأغنياءِ وأهلِ الذِّمةِ والفَسَقةِ على الثَّاني دونَ الأوَّلِ، وجزَمَ في «الوَصيَّة» بالثَّاني (٢).

(١) «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٨)، و «الشرح الصغير» (٩/ ١٣٤)، و «منح الجليل» (٨/ ١١٤).
(٢) «الأشباه والنظائر» ص (٤٩)، ويُنظَر: «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٣)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٠).

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ولم يَتعرَّضوا لضابِطِ الغِنى الذي يُستحَقُّ به الوَقفُ على الأغنِياءِ، قالَ الأذرعِيُّ: والأشبَهُ الرُّجوعُ فيهِ إلى العُرفِ.

وقالَ غَيرُه: أنه الذي يَحرمُ عليه الصَّدقةُ إمَّا لمِلكِه أو لقُوتِه وكَسبِه أو كِفايتِه بنَفقةِ غَيرِه، وهذا أَولى.

ولو وقَفَ على الأغنِياءِ وادَّعى شَخصٌ أنه غَنيٌّ لم يُقبلْ إلا ببيِّنةٍ، بخِلافِ ما لو وقَفَ على الفُقراءِ وادَّعى شَخصٌ أنه فَقيرٌ ولم يُعرَفْ له مالٌ فيُقبلُ بلا بيِّنةٍ؛ نَظرًا للأَصلِ فيهما (١).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: وقيلَ: يَصحُّ الوَقفُ على مُباحٍ أيضًا، وقيلَ: يَصحُّ على مُباحٍ ومَكروهٍ.

قالَ في «التَّلخِيص»: وقيلَ: المُشتَرَطُ ألا يَكونَ على جِهةِ مَعصيةٍ، سَواءٌ كانَ قُربةً وثوابًا أو لم يَكنْ. انتهى

فعلى هذا يَصحُّ الوَقفُ على الأغنياءِ (٢).

(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٠).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ١٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 236 - 239

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله