الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الوقف على الأولاد وأولاد الأولاد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةالوَقفُ على الأَولادِ وأَولادِ الأولادِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلَدي، أو وَقَفتُ على أولادي وأولادِ أولادي»، هل يَقتصرُ على البَطنَينِ فقط فلا يَدخلُ فيهِم البَطنُ الثالثُ؟ أم يَدخلُ فيهِ البَطنُ الثالثُ؟ وهل يَشتركونَ في الغَلةِ فلا يُقدَّمُ وَلدُ الصُّلبيِّ على وَلدِ الابنِ أم يَتقدَّمُ وَلدَ الصُّلبيِّ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في أصَحِّ الوُجوهِ والحَنابلةُ في أحَدِ القَولينِ إلى أنهُم لا يَدخلونَ، فإذا قالَ: «وَقَفتُ على وَلدي ووَلدِ وَلدِي» فلا يَدخلُ أولادُ أولادِ أولادِه، وهُم البَطنُ الثالثُ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنهُم يَدخلونَ.
وسَيأتي بَيانُ تَفصيلِهم.
وقالَ الحَنفيةُ: لو قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي» فقط ولم يَزدْ على هذا يَدخلُ فيه الصُّلبيُّ وأولادُ بَنيه يَشتركونَ في الغَلةِ، ولا يُقدَّمُ الصُّلبيُّ على وَلدِ الابنِ؛ لأنه سَوَّى بينَهُما في الذِّكرِ حيثُ لم يَذكرُ ما يَدلُّ على التَّرتيبِ، ثمَّ إذا انقَرضَ الأولادُ وأولادُهم صُرفَتِ الغَلةُ إلى الفُقراءِ؛ لانقِطاعِ المَوقوفِ عليه، ولا يَدخلُ البَطنُ الثالثُ حيثُ لم يَذكرِ الوَلدَ بلَفظِ الجَمعِ.
ولو زادَ البَطنَ الثالثَ بأنْ قالَ: «على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي ووَلدِ وَلدِ وَلدِي» عَمَّ نَسلَه وصُرِفَ إلى أولادِه ما تَناسَلوا لا الفُقراءِ ما بَقيَ واحِدٌ مِنْ
أولادِه وإنْ سفَلَ، يَستوي فيهِ الأقرَبُ والأبعَدُ، إلَّا أنْ يَذكرَ ما يَدلُّ على التَّرتيبِ بأنْ يَقولَ: «الأقرَبُ فالأقرَبُ، أو يَقولَ: على وَلدِي ثمَّ على وَلدِ وَلدِي، أو يَقولَ: بَطنًا بعدَ بَطنٍ»، فحِينئذٍ يُبدأُ بما بدَأَ به الواقفُ؛ لأنه لمَّا ذكَرَ البَطنَ الثالثَ فَحُشَ التَّفاوتُ، فتَعلَّقَ الحُكمُ بنَفسِ الانتِسابِ لا غَيرُ، والانتِسابُ مَوجودٌ في حَقِّ مَنْ قَرُبَ ومَن بَعُدَ، بخِلافِ البَطنِ الثاني؛ لأنَّ الواسِطةَ له واحِدٌ.
وهذا الحُكمُ إذا ذكَرَ الوَلدَ بلَفظِ المُفرَدِ، أمَّا لو ذكَرَ الوَلدَ بلَفظِ الجَمعِ بأنْ قالَ: «وَقَفتُ على أولادي» بلَفظِ الجَمعِ يَدخلُ فيهِ البُطونُ كلُّها؛ لعُمومِ اسمِ الأولادِ، ولكنْ يُقدَّمُ البَطنُ الأولُ، فإذا انقَرضَ فالثاني، ثُمَّ من بَعدهُم يَشتركُ جميعُ البُطونِ فيهِ على السَّواءِ قَريبُهم وبَعيدُهم، ولا يُصرَفُ إلى الفُقراءِ ما دامَ واحدٌ منهم باقيًا وإنْ سفَلَ؛ لأنَّ اسمَ الأولادِ يَتناولُ الكُلَّ، بخِلافِ اسمِ الوَلدِ؛ فإنه يُشترطُ فيهِ ذِكرُ ثلاثةِ بُطونٍ حتى يُصرَف إلى النَّوافلِ ما تَناسَلوا، والأقرَبُ والأبعَدُ في الغَلةِ سَواءٌ، فتُقسَمُ بينَهُم على عَددِ رُؤوسِهم، والأُنثى مثلُ الذَّكرِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: ولو وقَفَ على أولادِه وأولادِ أولادِه ففي دُخولِ أولادِ أولادِ أولادِه ثَلاثةُ أوجُهٍ: أَصَحُّها: لا يَدخلونَ.
والثَّاني: يَدخلونَ.
(١) «الاختيار» (٣/ ٥٥، ٥٦)، و «ابن عابدين» (٤/ ٤٦٨، ٤٦٩)، و «غمز عيون البصائر» (٢/ ١٥٠)، و «الإسعاف» ص (٩٨)، و «درر الحكام» (٦/ ١٤٦، ١٤٧).
والثالثُ: يَدخلُ أولادُ البَنينَ دونَ أولادِ البَناتِ، على الخِلافِ السابقِ فيما لو قالَ: «وَقَفتُ على أولادي» هل يَدخلُ أولادُ الأولادِ أم لا؟ كما تقدَّمَ.
ولو قالَ الوَاقِفُ: «وَقَفتُ كذا على أولادي وأولادِ أولادي» يَقتَضي التَّسويةَ في أصلِ الإعطاءِ والمِقدارِ بينَ الكلِّ، وهو جَميعُ أفرادِ الأولادِ وأولادِهم ذَكرِهم وأُنثاهُم؛ لأنَّ الواوَ لمُطلَقِ الجَمعِ لا للترتيبِ كما هو الصَّحيحُ عندَ الأُصوليِّينَ ونُقِلَ عن إجماعِ النُّحاةِ.
ولو جمَعَهُم بالواوِ ثم قالَ: «ومَن ماتَ منهم فنَصيبُه لوَلدِه» فماتَ أحَدُهم اختَصَّ وَلدُه بنَصيبِه وشارَكَ الباقينَ فيما عَداهُ.
وكذا يُسوَّى بينَ الكُلِّ لو قالَ: «على أولادي وأولادِهم ما تَناسَلوا» أي أولادِ الأولادِ، وكأنه قالَ: «عليهِم وعلى أعقابِهِم ما تَناسَلوا».
وكذا لو قالَ: «بَطنًا بعدَ بَطنٍ، أو نَسلًا بعدَ نَسلٍ» فإنه أيضًا يَقتضي التَّسويةَ بينَ الجَمِيعِ، فيُشاركُ البَطنُ الأسفَلُ البَطنَ الأعلى كقَولِه: «ما تَناسَلوا» على المُعتمَدِ.
وذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّ قَولَه: «بَطنًا بعدَ بَطنٍ» للتَّرتيبِ كقَولِه: «الأعلَى فالأعلَى»، وصحَّحَه السُّبكيُّ تبَعًا لابنِ يُونسَ، قالَ: وعليه هو للتَّرتيبِ بينَ البَطنَينِ فقط، فيَنتقلُ بانقِراضِ الثَّاني لمَصرفٍ آخَرَ إنْ ذكَرَه الواقفُ، وإلا فمُنقطعُ الآخِرِ.
ولو قالَ: «وَقَفتُ كذا على أولادي ثم أولادِ أولادي ثمَّ أولادِهم ما
تَناسَلوا، أو قالَ: وَقَفتُ كذا على أولادي وأولادِ أولادي الأعلَى فالأعلَى منهُم، أو الأولِ فالأولِ منهُم، أو الأقرَبِ فالأقرَبِ مِنهم» فهو للتَّرتيبِ فيما ذُكرَ؛ لدَلالةِ اللَّفظِ عليه ب «ثمَّ» في الأُولى، وبتَصريحِه به في الثانيةِ، فلا يَأخذُ بَطنٌ وهناكَ أحَدٌ مِنْ بَطنٍ أقرَبَ منه.
ولو جاءَ ب «ثُمَّ» للبَطنِ الثَّاني وبالواوِ فيما بعدَه مِنْ البُطونِ كأنْ قالَ: «وَقَفتُ على أولادي ثمَّ أولادِ أولادي وأولادِ أولادِ أولادي» كانَ التَّرتيبُ للبَطنِ الثاني دُونَهم؛ عَملًا ب «ثمَّ» وب «الواوِ» فيهم، وإنْ عكَسَ بأنْ جاءَ ب «الواوِ» في البَطنِ الثاني وب «ثُمَّ» فيما جاءَ بعدَه كانَ التَّرتيبِ لهم دُونَه (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فاختَلَفوا فيما لو قالَ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي» هل يَدخلُ البَطنُ الثالثُ أمْ لا؟ على قَولينِ:
أحَدُهما: لم يَشمَلِ البَطنَ الثالثَ ومَن بعدَه، وإنْ قالَ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِ وَلدِي» دخَلَ ثلاثةُ بُطونٍ دونَ مَنْ بعدَهم.
والثَّاني: يَدخلونَ لكنْ لا يَستحقُّونَ إلا بعدَ آبائِهم مُرتَّبًا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لقَولِه: «بَطنًا بعدَ بَطنٍ، أو الأقرَب فالأقرَب»، وقيلَ: يَستحقُّونَ مَعهم (٢).
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٢٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٥٣، ١٥٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٩، ٤٧١)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣٣، ٤٣٥)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٩٣، ٤٩٤)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٦، ٥٢٧).
(٢) «المبدع» (٥/ ٣٤١)، و «الإنصاف» (٦/ ٧٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٤٠)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٤٧).
وإنْ رتَّبَ الواقفُ فقالَ: «وَقَفتُ هذا على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي ما تَناسَلوا وتَعاقَبوا، الأعلَى فالأعلَى، أو الأقرَبِ فالأقرَبِ، أو الأولِ فالأوَلِ، أو البَطنِ الأولِ ثُمَّ البَطنِ الثَّاني، أو على أولادِي ثمَّ على أولادِ أولادي، أو على أولادي فإنِ انقَرَضوا فعلَى أولادِ أولادي» فكلُّ هذا على التَّرتيبِ، فيَكونُ على ما شرَطَ، ولا يَستحقُّ البَطنُ الثَّاني شيئًا حتى يَنقرضَ البَطنُ كلُّه، ولو بَقيَ واحِدٌ مِنْ البَطنِ الأولِ كانَ الجَميعُ له؛ لأنَّ الوَقفَ ثبَتَ بقَولِه، فيُتَّبعُ فيهِ مُقتضَى كَلامِه.
وإنْ قالَ: «على أولادي وأولادِهم ما تَعاقَبوا وتَناسَلوا على أنه مَنْ ماتَ مِنهم عن وَلدٍ كانَ ما كانَ جاريًا عليه جاريًا على وَلدِه» كانَ ذلكَ دليلًا على التَّرتيبِ؛ لأنه لو اقتَضَى التَّشريكَ لَاقتَضى التَّسويةَ، ولو جعَلْنا لوَلدِ الوَلدِ سَهمًا مثلَ سَهمِ أبيهِ ثمَّ دفَعْنا إليه سهْمَ أبيهِ صارَ له سَهمانِ ولغَيرِه سَهمٌ، وهذا يُنافي التَّسويةَ، ولأنه يُفضي إلى تَفضيلِ وَلدِ الابنِ على الابنِ، والظَّاهرُ مِنْ إرادةِ الواقفِ خِلافُ هذا.
فإذا ثبَتَ التَّرتيبُ فإنه يَترتَّبُ بينَ كلِّ والِدٍ ووَلدِه، فإذا ماتَ عن وَلدٍ انتَقلَ إلى وَلدِه سَهمُه، سواءٌ بَقيَ مِنْ البَطنِ الأولِ أحَدٌ أو لم يَبقَ.
وإنْ رتَّبَ بعضَهم دونَ بَعضٍ فقالَ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي ثمَّ على أولادِهم، أو على أولادِي ثمَّ على أولادي وأولادِهم ما تَناسَلوا وتَعاقَبوا، أو قالَ: على أولادي وأولادِ أولادي ثمَّ على أولادِهم وأولادِ
أولادِهم ما تَناسَلوا» فهو على ما قالَ، يَشتركُ مَنْ شرَّكَ بينَهُم ب «الواوِ» المُقتضيةِ للجَمعِ والتَّشريكِ وتَرتيبِ مَنْ رتَّبَه بحَرفِ التَّرتيبِ، ففي المَسألةِ الأُولى يَشتركُ الوَلدُ ووَلدُ الوَلدِ، ثمَّ إذا انقَرَضوا صارَ لمَن بعدَهم، وفي الثَّانيةِ يَختصُّ به الوَلدُ، فإذا انقَرَضوا صارَ مُشتَرَكًا بينَ مَنْ بعدَهم، وفي الثالثةِ يَشتركُ فيه البَطنانِ الأوَّلانِ دونَ غيرِهم، فإذا انقَرَضوا اشتَركَ فيه مَنْ بعدَهُم.
وإنْ قالَ: «وَقَفتُ على أولادي ثمَّ على أولادِ أولادي على أنه مَنْ ماتَ مِنْ أولادي عن وَلدٍ فنَصيبُه لوَلدِه، أو فنَصيبُه لإخوَتِه أو لوَلدِ وَلدِه أو لوَلدِ أخيهِ أو لأخَواتِه أو لوَلدِ أخَواتِه» فهو على ما شرَطَه (١).
(١) «المغني» (٥/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢١٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٣٧، ٣٣٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٦٨، ٣٧٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.