الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الوقف على الأولاد والذرية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةفصل في الوَقفِ على الأَوْلادِ والذرِّيةِ
الواقفُ قد يَقفُ على أولادِه أو أولادِه وأولادِ أولادِه أو على ذُرِّيتِه، وهذا جائِزٌ عند عامَّةِ الفُقهاءِ.
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في بَعضِ المَسائلِ التي تَختصُّ بالوَقفِ على الأولادِ، هل يَدخلُ فيهم مَنْ سيُولَدُ؟ وهَل يَجبُ التَّسويةُ بينَهُم؟ وهَل يَدخلُ فيهم أبناءُ البِنتِ؟ على تَفصيلٍ سَيأتي بَيانُه إنْ شاءَ اللهُ.
الوَقفُ عَلى الأولادِ:
الواقِفُ إذا ذكَرَ طَبقةً واحِدةً في الوَقفِ على الأولادِ كأنْ قالَ: «وقَفْتُ على ولَدي، أوْ وَقَفتُ على ولَدي ثُمَّ على المَساكينِ» فقدِ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يَنفرِدُ بالاستِحقاقِ مَنْ يَكونُ مَوجودًا مِنْ أولادِه حالَ الوَقفِ، ولو جَنينًا (١)،
(١) وهذا مَذهبُ جُمهورُ الفُقهاءِ -كما تقدَّمَ- الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ والشافِعيةِ في قَولٍ.
وقالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: لا يَدخلُ الجَنينُ إلا إنِ انفَصلَ دخَلَ معُهم واستَحقَّ ما يَحدثُ مِنْ الغلَّةِ بعدَ الانفصالِ دونَ ما كانَ حدَثَ قبلَ الانفصالِ؛ لأنه قبلَ الانفِصالِ لا يُسمَّى ولَدًا إلا أنْ يَكونَ الواقِفُ قد سمَّى المَوجودينَ أو ذكَرَ عدَدَهم فلا يَدخلُ. يُنظَر: «المهذب» (١/ ٤٤٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٥٥).
وقالَ الرُّحيبانِيُّ: (لا) يَدخلُ ولَدٌ (حادِثٌ) للواقِفِ، بأنْ حمَلَتْ به أمُّه بعدَ صُدورِ الوَقفِ منه، قدَّمَه في «الرِّعايتَين» و «الحاوِي الصَّغير» و «النَّظْم»، وقطَعَ به في «التَّنقِيح»، وتَبعَه في «المُنتَهى» (خِلافًا لهُ) -أي: لصاحِبِ «الإقْنَاع» - فإنه قالَ: وإنْ حدَثَ للواقِفِ وَلدٌ بعدَ وَقفِه استَحقَّ كالمَوجودينَ، والمُعتمَدُ ما قالَه المُصنِّفُ، ومَحلُّ ذلكَ (ما لم يَقُلِ) الواقِفُ: «وَقَفتُ كذا على وَلدي» (ومَن يُولَدُ لي)، فإنْ قالَ ذلكَ دخَلَ مَنْ كانَ مَوجودًا حال الوَقفِ ومَن يَحدثُ بعدَه. «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٤٥).
سواءٌ كانَ واحِدًا (١) أو أكثَرَ مِنْ واحِدٍ، ذَكرًا كانَ أو أُنثى أوْ خُنثى؛ لأنَّ الوَلدَ يَقعُ على الواحِدِ والجَمعِ والذَّكرِ والأُنثى كما قالَه أهلُ اللُّغةِ.
ويَكونُ بينَهُم بالسَّويةِ إذا لم يُفضِّلْ أحَدًا مِنهم على الآخَرِ؛ لأنه جعَلَه لهم، وإطلاقُ التَّشريكِ يَقتضي التَّسويةَ، كما لو أقَرَّ لهم بشَيءٍ، وكوَلدِ الأمِّ في الميراثِ حينَ شَرَّكَ اللهُ تعالى بينَهُم فيهِ فقالَ: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، تَساوَوا فيهِ ولَم يُفضِّلْ بعضَهُم على بَعضٍ، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا أعلَمُ في هذا خِلافًا (٢).
(١) هذا قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ أنه لو كانَ واحِدًا استَحقَّ جَميعَ الوقفِ، بخِلافِ الحَنفيةِ حيثُ قالوا: ولو قالَ: «وَقفتُ على أولادي» ولهُ ولَدٌ واحِدٌ وقتَ وُجودِ الغلَّةِ كانَ نصفُ الغَلةِ له والنصفُ للفُقراءِ، لأنَّ أقلَّ الجَمعِ اثنان هُنا كالوَصيةِ. يُنظَر: «الإسعاف» ص (٩٦)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٣٧٤).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٦٠)، ويُنظَر: «الإسعاف» ص (٩٥، ٩٦)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٩)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٣٧١،)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٣)، و «المهذب» (١/ ٤٤٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٥٤، ١٥٥)، و «جواهر العقود» (١/ ٢٥٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٩، ٤٧١)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣٣)، و «حاشية عميرة» (٣/ ٢٥٦)، و «الكافي» (٢/ ٤٥٧، ٤٥٨)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢١٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٦٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٣٧)، و «مجموع الفتاوى» (٣١/ ١٠١، ١٠٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.