الوقف على البنين دون البنات أو البنات دون البنين

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الوقف على البنين دون البنات أو البنات دون البنين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

الوقف على البنين دون البنات أو البنات دون البنين - الأقوال والأدلة

الوَقفُ على البَنينَ دونَ البَناتِ أو البَناتِ دونَ البَنينَ:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على جَوازِ الوَقفِ على البَناتِ دونَ البَنينَ.

واختَلَفوا فيما لو أوقَفَ الواقفُ على الذُّكورِ مِنْ أولادِه دونَ بَناتِه هل يَجوزُ أم لا؟ على أقوالٍ.

فذهَبَ جُمهورُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الواقفَ لو أوقَفَ على بَنيهِ الذُّكورِ دونَ بَناتِه صَحَّ الوَقفُ للبَنينَ ولم تَدخُلِ البَناتُ في الوَقفِ، وكذا لو وقَفَ على بَناتِه دونَ الذُّكورِ صَحَّ الوَقفُ.

واستَدلُّوا على ذلكَ بما رَواهُ البخاري: باب الشُّروط في الوَقفِ (٢٥٨٦): قالَ: حدَّثَنا قُتيبةُ بنُ سَعيدٍ حدَّثَنا مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ الأنصارِيُّ حدَّثَنا ابنُ عَونٍ قالَ: أنبَأَني نافعٌ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أصَابَ أرضًا بخَيبَرَ فأتَى النبيَّ يَستأمِرُه فيها، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبتُ أرضًا بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تَأمرُ به؟ قالَ: إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصلَها وتَصدَّقتَ بها، قالَ: فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ، وتَصدَّقَ بها في الفُقراءِ وفي القُربى وفي الرِّقابِ وفي سَبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ والضَّيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتموِّلٍ» قالَ: فحَدَّثتُ به ابنَ سيرِينَ فقالَ: غيرَ مُتأثِّلٍ مَالًا» (١).

(١) أخرجه البخاري (٢٥٨٦).

قالَ ابنُ بَطَّالٍ رحمة الله عليه: للواقِفِ أنْ يَشترطَ في وَقفِهِ ما شاءَ إذا أخرَجَه مِنْ يَدِه إلى مُتَولِّي النَّظرِ فيه فيَجعلَه في صِنفٍ واحِدٍ أو أصنافٍ مُختلِفةٍ، إنْ شاءَ في الأغنياءِ أو في الفُقراءِ، وإنْ شاءَ في الأقارِبِ أو الأباعِدِ، وإنْ شاءَ في إناثِ بَيتِه دونَ الذُّكورِ، أو الذُّكورِ دونَ الإناثِ، وإنْ كانَ يُستحبُّ له التَّسويةُ بينَ بَنيهِ؛ لقَولِه: «فتَصدَّقَ بها عُمرُ في الفُقراءِ وفي القُربى» وسائرِ مَنْ ذُكِرَ، فدَلَّ ذلكَ إلى اختيارِ المُحبِّسِ يَضَعُه حيثُ شرَطَ (١).

قالَ الحَنفيةُ: ولو وقَفَ على بَنيهِ لا تَستحقُّ البَناتُ كعَكسِه (٢).

وجاءَ في «أحكَام الوَقفِ» لهِلالٍ رحمة الله عليه: قُلتُ: أرَأيتَ لو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ على بَناتي» وله بَنونَ وبَناتٌ؟

قالَ: الوَقفُ للبَناتِ دونَ البَنينَ (٣).

أمَّا الشافِعيةُ فقَالَ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ رحمة الله عليه: يَقعُ لكَثيرينَ أنهُم يَقِفونَ أموالَهُم في صحَّتِهم على ذُكورِ أولادِهم قاصِدينَ بذلكَ حِرمانَ إناثِهِم، وقد تَكرَّرَ مِنْ غيرِ واحِدٍ الإفتاءُ ببُطلانِ الوقفِ حِينئذٍ، وفيهِ نَظرٌ ظاهِرٌ، بل الوَجهُ الصِّحةُ.

أما أولًا: فلا نُسلِّمَ أنَّ قصْدَ الحِرمانِ مَعصيةٌ، كيفَ وقد اتَّفقَ أئمَّتُنا كأكثَرِ العُلماءِ على أنَّ تَخصيصَ بَعضِ الأولادِ بمالِه كلِّهِ أو بَعضِه هِبةً أو

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٨/ ١٣٩، ١٤٠).
(٢) «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٩).
(٣) «أحكام الوقف» ص (٨٠).

وَقفًا أو غيرَهما لا حُرمةَ فيه ولو لغَيرِ عُذرٍ؟ وهذا صَريحٌ في أنَّ قصْدَ الحِرمانِ لا يَحرمُ؛ لأنه لازِمٌ للتَّخصيصِ مِنْ غيرِ عُذرٍ، وقد صَرَّحوا بحِلِّه كما عَلِمتَ.

وأما ثانيًا: فبتَسليمِ حُرمتِه هي مَعصيةٌ خارِجةٌ عن ذاتِ الوقفِ، كشِراءِ عِنبٍ بقَصدِ عَصرِه خَمرًا، فكيفَ يَقتضِي إبطالَه؟ (١)

قالَ الشافِعيةُ: أمَّا إنْ أوقَفَ في حالِ مَرضِه فلا يَصحُّ إلا بإجازةِ الإناثِ؛ لأنَّ التَّبرعَ في مَرضِ المَوتِ على بَعضِ الوَرثةِ يَتوقَّفُ على رِضَا الباقينَ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ أنْ يُوقِفَ على أولادِه الذُّكورِ دونَ الإناثِ، وأنْ يُوقِفَ على أولادِه الإناثِ دونَ الذُّكورِ، إلا أنَّ المُستحَبَّ أنْ يقسمَ الوَقفُ على أولادِهِ الذُّكورِ والإناثِ، فإنْ خَصَّ الواقفُ بعضَهُم بالوقفِ دونَ بعضِ فإنْ كانَ على طريقِ الأثَرةِ بأنْ لم يَكنْ لغَرضٍ شَرعيٍّ كُرِهَ؛ لأنه يُؤدِّي إلى التَّقاطُعِ بينَهُم، وإنْ كانَ على أنَّ بعضَهُم له عِيالٌ وبه حاجةٌ فلا بَأسَ به.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والمُستحَبُّ أنْ يُقسِّمَ الوَقفَ على أولادِه على حَسبِ قِسمةِ اللهِ تعالى المِيراثَ بينَهُم، للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ … فإنْ خالَفَ فسَوَّى بينَ الذَّكرِ والأُنثى أو فضَّلَها عليه أو فضَّلَ بعضَ البَنينَ أو

(١) «تحفة المحتاج مع حاشيتي الشرواني والعبادي» (٧/ ٤٦٥).
(٢) «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٣)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٣١٢)، و «حاشية الشرواني والعبادي» (٧/ ٤٦٥).

بعضَ البَناتِ على بَعضٍ أو خَصَّ بعضَهُم بالوَقفِ دونَ بَعضٍ فقالَ أحمدُ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ الحَكمِ: إنْ كانَ على طَريقِ الأثَرةِ -بأنْ لم يَكنْ لغَرضٍ شَرعيٍّ- فأكرَهُه؛ لأنه يُؤدِّي إلى التَّقاطُعِ بينَهُم، وإنْ كانَ على أنَّ بعضَهُم له عِيالٌ وبه حاجةٌ يَعني فلا بَأسَ به.

ووَجهُ ذلكَ «أنَّ الزُّبيرَ خَصَّ المَردودةَ مِنْ بَناتِه دونَ المُستَغنِيةِ مِنهنَّ بصَدَقتِه»، وعلى قِياسِ قَولِ أحمدَ لو خَصَّ المُشتَغلينَ بالعِلمِ مِنْ أولادِه بوَقفِه تَحريضًا لهُم على طَلبِ العِلمِ أو ذا الدِّينِ دونَ الفاسِقِ أو المَريضَ أو مَنْ له فَضلٌ مِنْ أجلِ فَضيلتِه فلا بَأسَ.

وقد دَلَّ على صحَّةِ هذا «أنَّ أبا بَكرٍ الصِّديقَ رضي الله عنه نحَلَ عائِشةَ جُذَاذَ عِشرينَ وَسقًا دونَ سائرِ وَلدِه»، وحَديثُ عُمرَ أنه كتَبَ: «بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ هذا ما أَوصَى به عَبدُ اللهِ أميرُ المُؤمنينَ إنْ حدَثَ به حدَثٌ أنَّ ثَمغًا وصِرمةَ بنَ الأكوَعِ والعبدَ الذي فيهِ والمِائةَ سَهمٍ التي بخَيبَرَ ورَقيقَه الذي فيهِ الذي أطعَمَه مُحمدٌ بالوادي تَليهِ حَفصةُ ما عاشَتْ، ثمَّ يَليهِ ذو الرَّأيِ مِنْ أهلِها، أنْ لا يُباعَ ولا يُشتَرى، يُنفِقُه حيثُ رَأى مِنْ السَّائِلِ والمَحرومِ وذَوي القُربى، لا حرَجَ على مَنْ وَلِيَه إنْ أكَلَ أو اشتَرى رَقيقًا منه» رَواهُ أبو داوُدَ، وفيه دَليلٌ على تَخصيصِ حَفصةَ دونَ إخوتِها وأخَواتِها (١).

(١) «المغني» (٥/ ٣٦٠، ٣٦١)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٢٥، ٢٢٦)، و «المبدع» (٥/ ٣٣٣، ٣٣٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٤٤)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٦٦)

وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ إلى أنه يُكرَهُ لمَن حَبسَ أنْ يُخرِجَ البَناتِ مِنْ تَحبيسِه، قالَ أبو الحَسَنِ وابنُ ناجِي وابنُ غازِي: الكَراهةُ على بابِها، فإنْ وقَعَ ذلكَ مَضى، وقيلَ: إنها للتَّحريمِ، وعليهِ: إذا وقَعَ فإنه يُفسخُ.

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: واعلَمْ أنَّ في هذه المَسألةِ -وهي الوَقفُ على البَنينَ دونَ البَناتِ- أقوالًا:

أوَّلُها: البُطلانُ مع حُرمةِ القُدومِ على ذلكَ.

ثانيها: الكَراهةُ مع الصِّحةِ، والكَراهةُ على بابِها.

ثالِثُها: جَوازُه مِنْ غيرِ كَراهةٍ.

رابِعُها: الفرقُ بينَ أنْ يُحازَ عنه فيَمضِي على ما حَبسَه عليه، أو لا يُحازَ فيَردُّه للبَنينَ والبَناتِ معًا.

خامِسُها: ما رَواهُ عِيسى عن ابنِ القاسِمِ حُرمةُ ذلكَ، فإنْ كانَ الواقفُ حيًّا فسَخَه وجعَلَه للذُّكورِ والإناثِ، وإنْ ماتَ مَضى.

سادِسُها: فَسخُ الحَبسِ وجَعلُه مَسجدًا إنْ لم يَأبَ المُحبَّسُ عليهم، فإنْ أَبَوا لم يَجُزْ فَسخُه ويُقَرُّ على حالِه حَبسًا وإنْ كانَ الواقفُ حَيًّا.

والمُعتمَدُ مِنْ هذه الأقوالِ ثَانيها كما قالَ الشَّارحُ.

ومَحلُّ الخِلافِ إذا حصَلَ الوَقفُ على البَنينَ دونَ البَناتِ في حالِ الصِّحةِ وحصَلَ الحَوزُ قبلَ المانِعِ، أمَّا لو كانَ الوَقفُ في حالةِ المَرضِ فباطِلٌ اتِّفاقًا ولو حِيزَ؛ لأنه عَطيَّةٌ لوارِثٍ، أو كانَ في حالِ الصِّحةِ وحصَلَ

المانِعُ قبلَ الحَوزِ فباطِلٌ اتِّفاقًا أيضًا، ومَحلُّه أيضًا ما لم يَحكمْ بصِحتِه حاكِمٌ ولو مالِكيًّا، وإلا صَحَّ اتِّفاقًا؛ لأنَّ حُكمَ الحاكِمِ يَرفعُ الخِلافَ (١).

وقالَ الصَّاويُّ رحمة الله عليه: وكَلامُ المُؤلِّفِ في بَنيهِ وبَناتِه لصُلبِه، وأمَّا بَنو بَنيهِ دونَ بَناتِ بَنيهِ فيَصحُّ وَقفُه اتِّفاقًا، وأمَّا هِبةُ الرَّجلِ لبَعضِ وَلدِه مالَه كلَّه أو جُلَّه فمَكْروهٌ اتِّفاقًا، وكذا يُكرَهُ أنْ يُعطيَ مالَه كلَّه لأولادِه، يقسمُ بينَهُم بالسَّويةِ إنْ كانوا ذُكورًا وإناثًا، وإنْ قسَمَه بينَهُم على قَدرِ مَواريثِهم فذلكَ جائزٌ.

وكذلكَ يَصحُّ الوَقفُ باتِّفاقٍ في العَكسِ، كوَقفِه على بَناتِه دونَ بَنيهِ، وإنَّما بطَلَ الوقفُ على البَنينَ دونَ البَناتِ على القَولِ به لقَولِ مالكٍ: إنه مِنْ عَملِ الجاهِليةِ، أي: يُشبِهُ عمَلَهُم؛ لأنَّ الجاهِليةَ كانوا إذا حضَرَ أحَدَهُم المَوتُ ورَّثُوا الذُّكورَ دونَ الإناثِ، فصارَ فيهِم حِرمانُ الإناثِ دونَ الذُّكورِ.

فالوَقفُ على هذا الوَجهِ يُشبِهُ عمَلَ الجاهِليةِ (٢).

وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ -وهو اختيارُ خَليلٍ في مُختصَرِه، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في «العُتَيبية» - إلى أنه لا يَجوزُ ويَحرمُ ويُفسَخُ إنْ وقَعَ إنْ وقَفَ على بَنيهِ الذُّكورِ دونَ بَناتِه؛ لأنه يُشبِهُ فِعلَ الجاهِليةِ مِنْ حِرمانِ البَناتِ مِنْ

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٤٦٠، ٤٦١)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٦٤، ١٦٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٨٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٦٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤٤).
(٢) «حاشية الصاوي» (٩/ ١٦٤، ١٦٥).

إرثِ أبيهِنَّ، وسَواءٌ أخرَجَهنَّ ابتداءً أو بعدَ تَزوُّجِهنَّ، بأنْ وقَفَ على بَنيهِ وبَناتِه جَميعًا وشرَطَ أنَّ مَنْ تَزوَّجتْ مِنْ بَناتِه فلا حقَّ لها في الوقفِ وتَخرجُ منه ولا تَعودُ له ولو تَأيَّمتْ، وأمَّا لو شرَطَ أنَّ مَنْ تَزوَّجتْ مِنْ البَناتِ فلا حقَّ لها إلا أنْ تَتأيَّمَ فإنه يَرجعُ لها الحَقُّ فيهِ، كانَ الوَقفُ صَحيحًا.

قالَ الإمامُ مالكٌ في «العُتَيبيَّة»: مَنْ حَبسَ حَبسًا على ذُكورِ وَلدِه وأخرَجَ الإناثَ منه إذا تَزوَّجنَ فإني لا أرَى ذلكَ جائِزًا وإنه مِنْ أمرِ الجاهِليةِ، وليسَ على هذا تُوضَعُ الصَّدقاتُ للهِ وما يُرادُ به وَجهُه، إلا ما تَصدَّقَ به رَجلٌ وجعَلَه بعدَ انقِراضِ وَلدِه في سَبيلٍ مِنْ سُبلِ الخيرِ.

قالَ ابنُ القاسِمِ: فقُلتُ لمالِكٍ: أفتَرَى لمَن حَبسَ حَبسًا وأخرَجَ بَناتِه منه إذا تَزوَّجنَ أنْ يُبطِلَ ذلكَ ويُسجِّلَ الحَبسَ؟ قالَ: نعمْ، وذلكَ وَجهُ الشَّأنِ فيه.

قالَ ابنُ القاسمِ: ولكنْ إذا فاتَ ذلكَ فهو على ما حَبسَ، فإنْ كانَ المُحبِّسُ حَيًّا ولم يُحَزِ الحَبسُ فأرَى أنْ يَفسخَه ويُدخلَ فيهِ الإناثَ، وإنْ كانَ قد حِيزَ أو ماتَ فهو فَوتٌ، وهو على ما جعَلَه عليهِ.

قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: ظاهِرُ قَولِ مالكٍ هذا أنَّ الحَبسَ لا يَجوزُ، ويَبطلُ على كُلِّ حالٍ، خِلافَ مَذهبِ ابنِ القاسِمِ في أنه يَمضي إذا فاتَ ولا يُنقَضُ، وفَوتُ الحَبسِ عندَه أنْ يُحازَ عن المُحبِّسِ على ما قالَه في هذه الرِّوايةِ، فرَأى للمُحبِّسِ ما لم يُحَزِ الحَبسُ عنه أنْ يُبطِلَ الحَبسَ ويُدخِلَ الإناثَ فيهِ، وظاهرُ قَولِه وإنْ كَرهَ ذلكَ المُحبَّسُ عليهم؛ مُراعاةً

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 330 - 336

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده