الوقف على البنين

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > الوقف على البنين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الوقف على البنين - الأقوال والأدلة

الوَقفُ على البَنينَ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ على البَنينَ، هل يَشملُ الذُّكورَ والإناثَ؟ أم يَقتصرُ على الذُّكورِ فقطْ ولا يَدخلُ فيه الإناثُ؟

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه -واختارَه هِلالٌ وعليه عامَّةُ الحَنفيةِ- والمالِكيةُ في أحَدِ القَولينِ إلى أنَّ الواقِفَ إذا قالَ: «وَقَفتُ على بَنيَّ» وله بَنونَ وبَناتٌ تَكونُ الغَلةُ بينَهُم بالسَّويةِ.

وفي الرِّوايةِ الثانِيةِ عن أبي حَنيفةَ وهو قَولُ أبي يُوسفَ والشافِعية والحَنابلة والقَول الثاني للمالِكيةِ أنَّ البَناتِ لا يَدخلْنَ في قَولِه: «وَقَفتُ على بنيَّ»، ويَختصُّ به الذُّكورُ.

قالَ في «الإسْعَاف»: ولو قالَ: «على بَنيَّ» وله بَنونَ وبَناتٌ، قالَ هِلالٌ: تَكونُ الغَلةُ بينَهُم جَميعًا بالسَّويةِ؛ لأنَّ البَناتِ إذا جُمِعْنَ مع البَنينَ ذُكِروا بلَفظِ التَّذكيرِ، وهو رِوايةٌ عن أبي حَنيفةَ، ألَا تَرى أنه إنْ قالَ: «على إخوَتي» وله إخوَةٌ وأخَواتٌ أنَّ الغَلةَ تَكونُ لهُم جَميعًا؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ وإنه يَشمَلُ الإناثَ.

ورَوى أبو يُوسفَ عنه أنه قالَ في الوَصيةِ أنَّ الثُّلثَ للبَنينَ دونَ البَناتِ، إلا في كُلِّ بِنتٍ يَحسُنُ أنْ يُقالَ: «هذه المَرأةُ مِنْ بَني فُلانٍ»، فإذا نُسِبَ إلى فَخذٍ أو قَبيلةٍ شَمِلَ البَنينَ والبَناتِ جَميعًا في الرِّواياتِ كلِّها، ولو قالَ: «على بَنيَّ» وله بَناتٌ فقط، أو قالَ: «على بَناتي» وله بَنونَ لا غيرُ، تَكونُ الغَلةُ للمَساكينِ ولا شيءَ لهم.

ولو قالَ: «على بَناتي» وله بَناتٌ وبَنونَ تَكونُ الغَلةُ للبناتِ فقط؛ لعَدمِ شُمولِ لَفظِ البَناتِ البَنينَ (١).

وقالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وتَدخلُ البَناتُ في قَولِه: «بَنيَّ»، واختارَهُ هِلالٌ، وعَن أبي حَنيفةَ اختِصاصُ الذُّكورِ به، قالَ بَعضُ المَشايخِ: في المَسألةِ رِوايتانِ. انتهى، والوَجهُ الدُّخولُ؛ لِما عُرِفَ في أصولِ الفِقهِ، وعليه بَنَوا قَولَ المُستأمنِ: «آمِنونِي على بَنيَّ» تَدخلُ البَناتُ، قالَ في «الخُلاصَة»: وهذا إنَّما يَستقيمُ في بَنِي أبٍ يُحصَونَ، أمَّا فيما لا يُحصَونَ فيَصحُّ أنْ يُقال: «هذه المَرأةُ مِنْ بَني فُلانٍ». انتهى، يَعني فتَدخلُ المَرأةُ بلا تَردُّدٍ.

ولو لم يَكنْ له إلَّا بَناتٌ صُرِفَتِ الغلَّةُ للفُقراءِ، و: «على بَنَاتي» لا تَدخلُ الذُّكورُ (٢).

وجاءَ في «أَحكَام الوَقفِ» لهِلالٍ رحمة الله عليه: قُلتُ: أرَأيتَ إذا قالَ: «على بَنيَّ» وله بَنونَ وبَناتٌ؟

قالَ: فهُم جَميعًا في الوَقفِ سَواءٌ؛ لأنَّ البَنينَ والبَناتِ إذا اجتَمَعوا كانوا مُذكَّرينَ، فقدْ رَوى يُوسفُ بنُ خالِدَ عن أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه في رَجلٍ قالَ: «قد أوصَيْتُ بثُلثِ مالي لبَني فُلانٍ» وله بَنونَ وبَناتٌ فالثُّلثُ لهُم جَميعًا وهُم فيهِ سَواءٌ، وكذلكَ الوَقفُ.

(١) «الإسعاف» ص (٩٦)، و «ابن عابدين» (٤/ ٤٦٣).
(٢) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٤٤).

وأمَّا يَعقوبُ -أي أبو يُوسفَ- فرَوَى خِلافَ ذلكَ، قالَ: للبَنينِ دُونَ البَناتِ، ألَا تَرى أنه لا يَحسنُ فيهِ أنْ يَقولَ: «هذه المَرأةُ مِنْ بَني فُلانٍ»؟ وإذا كانَ كذلكَ دخَلَ الذُّكورُ والإناثُ وإلا لم يَدخُلوا، وهذه رِوايةُ يَعقوبَ (١).

وقالَ المالِكيةُ: إنْ قالَ: «وَقَفتُ على بَنيَّ» لا يَدخلُ فيه بَناتُه، قالَ الدَّرديرُ: كما هو ظاهِرُ المُصنِّفِ، وقيلَ بدُخولِ البَناتِ (٢).

وقالَ الزَّرقانِيُّ رحمة الله عليه: قولُه: (وبَنيَّ وبَني بَنيَّ) دخَلَ بَناتُ أبنائِه دونَ بَناتِ بَناتِه، وفي المَفهومِ مِنْ كونِ هذه الألفاظِ لا تَتناولُ الحافِدَ أنها تَتناولُ أولادَ الذُّكورِ ذُكورًا وإناثًا، وهو كذلكَ، وبالأحرَى دخولُ إناثِ الصُّلبِ مع الذُّكورِ، انظُر النَّقلَ في الشَّارحِ، وحِينئذٍ فالمُرادُ بقَولِه: (بَنيَّ وبَني بَنيَّ) أولادِي وأولادُ أولادي. انتهى (٣).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا لفظُ البَنينَ في قَولِه: «حَبسْتُ على بَنيَّ، أو على بَنيَّ وبَني بَنيَّ، أو على بَنيَّ وبَنيهِم» فالحُكمُ في ذلكَ كالحُكمِ في لَفظِ الوَلدِ والعَقبِ على القَولِ بأنَّ لفْظَ جَمعِ المُذكَّرِ يَدخلُ فيه المُؤنَّثُ، وعلى القَولِ بأنهنَّ لا يَدخلْنَ فيهِ يَنفردُ الذُّكرانُ مِنْ بَنيهِ وبَني بَنيهِ بالحَبسِ دونَ الإناثِ، وأمَّا إذا قالَ: «حَبسْتُ على بَنيَّ ذُكورِهم وإناثِهِم -سَمَّاهم أو لم

(١) «أحكام الوقف» (٧٩).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٨٣).
(٣) «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٧/ ١٦٣).

يُسَمِّهم- وعلى أعقابِهِم» فالحُكمُ في ذلكَ على ما ذكَرْتُه في الوَلدِ والعَقبِ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).

وأمَّا الشافِعيةُ فقالوا: إنْ وقَفَ على بَني زيدٍ لم يَدخلْ فيهِ بناتُه، وإنْ وقَفَ على بَني تَميمٍ وقُلنا: «إنَّ الوَقفَ صَحيحٌ» ففيهِ وَجهانِ:

أحَدُهما: لا يَدخلُ فيهِ البَناتُ؛ لأنَّ اسمَ البَنينَ يَنصرفُ للذُّكورِ حَقيقةً.

والثَّاني: يَدخُلْنَ فيه؛ لأنه إذا أطلَقَ اسمَ القَبيلةِ دخَلَ فيهِ كلُّ مَنْ يُنسَبُ إليها مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ (٢).

ولا يَدخلُ الأخَواتُ في الوقفِ على الإخوةِ على الصَّحيحِ، وقالَ الماوَرديُّ بدُخولِهنَّ (٣).

وقالَ الحَنابلةُ: إنْ وقَفَ على بَنيهِ أو بَني فُلانٍ فهو للذُّكورِ خاصَّةً؛ لأنَّ لفْظَ البَنينَ وُضعَ لذلكَ حَقيقةً، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)[الصافات: ١٥٣]. وقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤].

إلا إنْ كانوا قَبيلةً كَبَني هاشمٍ وتَميمٍ دخَلَ نِساؤُهم؛ لأنَّ اسمَ القَبيلةِ يَشملُ ذكَرَها وأُنثاها.

(١) «المقدمات الممهدات» (٢/ ٤٣٨).
(٢) «المهذب» (١/ ٤٤٤)، و «البيان» (٨/ ٨٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧٢).
(٣) «المهذب» (١/ ٤٤٤)، و «البيان» (٨/ ٨٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٥٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧٢).

ورُويَ أنَّ جَواريَ مِنْ بَني النجَّارِ قُلنَ:

نَحنُ جَوارٍ مِنْ بَني النجَّارِ يا حَبَّذا مُحمدٌ مِنْ جارِ

دونَ أولادِهنَّ مِنْ رِجالِ غَيرِهم؛ لأنهُم إنَّما يَنتسِبونَ لآبائِهِم كما تقدَّمَ (١).

قالَ المُوفَّقُ في «الشَّرْح الكَبير»: إنْ وقَفَ على بَنيهِ أو بَني فُلانٍ فهو للذُّكورِ دونَ الإناثِ والخنَاثَى، هذا قَولُ الجُمهورِ، وبه قالَ الشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ.

وقالَ الحَسنُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ: هو للذَّكرِ والأُنثى جَميعًا؛ لأنه لو أَوصَى لبَني فُلانٍ وهُم قَبيلةٌ دخَلَ فيه الذَّكرُ والأُنثى.

وقالَ الثَّوريُّ: إنْ كانوا ذُكورًا وإِناثًا فهو بينَهُم، وإنْ كُنَّ بَناتٍ لا ذكَرَ مَعهنَّ فلا شيءَ لهُنَّ؛ لأنه متى اجتَمعَ الذُّكورُ والإناثُ غلِّبَ لفظُ التَّذكيرِ ودخَلَ فيه الإناثُ، كلَفظِ المُسلمينَ والمُشركينَ.

ولنَا: إنَّ لفْظَ البَنينَ يَختصُّ الذُّكورَ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)[الصافات: ١٥٣]، وقالَ تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)[الزخرف: ١٦]، وقالَ تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] وقالَ تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ

(١) «الكافي» (٢/ ٤٥٩)، و «المبدع» (٥/ ٣٤٣)، و «الإنصاف» (٧/ ٨٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٤٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٧٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٣٨).

الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقد أخبَرَ أنهُم لا يَشتهونَ البَناتِ فقالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ [النحل: ٥٧، ٥٨].

وإنَّما دَخَلوا في الاسمِ إذا صاروا قَبيلةً؛ لأنَّ الاسمَ نُقلَ فيهم عن الحَقيقةِ إلى العُرفِ، ولهذا تَقولُ المَرأةُ: «أنَا مِنْ بَني فُلانٍ» إذا انتَسبَتْ إلى القَبيلةِ، ولا تَقولُ ذلكَ إذا انتَسبَتْ إلى أبيها (١).

(١) «الشرح الكبير» (٦/ ٢٢٧)، و «المغني» (٦/ ٨٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 324 - 329

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر