بيع الوقف إذا خرب أو تعطلت منافعه

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > بيع الوقف إذا خرب أو تعطلت منافعه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

بيع الوقف إذا خرب أو تعطلت منافعه - الأقوال والأدلة

وهذه قَضيةٌ انتَشرَتْ ولم تُنكَرْ فكانَ كالإجماعِ، ولأنه مالٌ للهِ تعالى لم يَبْقَ له مَصرفٌ، فصُرِفَ إلى المَساكينِ، ولأنَّ نفْعَ المَسجدِ عامٌّ، والفُقراءُ كذلكَ، وخَصَّه أبو الخطَّابِ والمَجدُ بفُقراءِ جيرانِه؛ لأنهُم أحَقُّ بمَعروفِه، وعنهُ: لا يُصرَفُ لهما، وعنهُ: بَلى لمِثلِه، واختارَهُ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، وقالَ أيضًا: وفي سائرِ المَصالِحِ وبِناءِ مَساكِنَ لمُستحِقِّ رَيعِه القائِمِ بمَصلَحتِه، قالَ: وإنْ عُلِمَ أنَّ رَيعَه يَفضلُ عنهُ دائِمًا وجَبَ صَرفُه؛ لأنَّ بَقاءَه فَسادٌ وإعطاؤُه فَوقَ ما قَدَّرَه الواقفُ؛ لأنَّ تَقديرَه لا يَمنعُ استِحقاقَه كغَيرِ مَسجِدِه، وقالَ: ومِثلُه وَقفُ غَيرِه، ولا يَجوزُ لغَيرِ النَّاظِرِ صَرفُ الفاضِلِ (١).

بَيعُ الوَقفِ إذا خَرِبَ أو تَعَطَّلَتْ مَنافِعُه:

الوَقفُ إذا خَرِبَ أو تَعطَّلتْ مَنافعُه فلا يَخلُو: إمَّا أنْ يَكونَ مَنقولًا غيرَ عَقارٍ، وإمَّا أنْ يَكونَ عَقارًا:

الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكونَ مَنقولًا غيرَ عَقارٍ:

وهذا لا يَخلُو مِنْ أمرَينِ: إمَّا أنْ يَكونَ حَيوانًا، وإمَّا أنْ يَكونَ غَيرَ حَيوانٍ:

أ- أنْ يَكونَ حَيَوانًا كالفَرسِ الحَبيسِ:

اتَّفقَ الفُقَهاء على أنَّ الوَقفَ لو كانَ فَرسًا حَبيسًا على الغَزوِ ولم تَصلحْ للغَزوِ وأمكَنَ الانتفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ أنه يَجوزُ بَيعُها.

(١) «المبدع» (٥/ ٣٥٧).

قالَ أبو بَكرٍ الخَلَّالُ: أجمَعُوا على جَوازِ بَيعِ الفَرَسِ الحَبيسِ -يَعني: المَوقوفةِ- على الغَزوِ إذا كَبرتْ فلمْ تَصلحْ للغَزوِ وأمكَنَ الانتفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ، مثل أنْ تَدورَ في الرَّحى أو يُحمَلَ عليها تُرابٌ أو تَكونَ الرَّغبةُ في نِتاجِها، أو حِصانًا يُتَّخذُ للطِّراقِ، فإنه يَجوزُ بَيعُها ويُشترى بثَمنِها ما يَصلحُ للغَزوِ، نَصَّ عليه أحمَدُ (١).

وقالَ ابنُ قاضي الجَبَلِ رحمة الله عليه: جَوَّزَ الأئمَّةُ الكِبارُ بل أجمَعَ العُلماءُ على جَوازِ بَيعِ دَوابِّ الحَبسِ إذا لم تَعُدْ صالِحةً لِما وُقفَتْ له (٢).

وقالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وفي «الخُلاصَة»: قالَ مُحمدٌ في الفَرسِ إذا جعَلَه حَبيسًا في سَبيلِ اللهِ فصارَ بحَيثُ لا يُستطاعُ أنْ يُركبَ: يُباعُ ويُصرَفُ ثَمنُه إلى صاحِبِه أو وَرثتِه كما في المَسجدِ، وإنْ لم يُعلمْ صاحِبُه يُشترى بثَمنِه فَرسٌ آخَرُ يُغزَى عليه، ولا حاجةَ إلى الحاكِمِ (٣).

وقالَ ابنُ بَطَّالٍ رحمة الله عليه: أجازَ رَبيعةُ ومالِكٌ بَيعَ الفَرسِ الحَبسِ إذا لم يَبْقَ فيه قوَّةٌ للغَزوِ، ويُجعلُ ثَمنُه في آخَرَ، قالَ ابنُ القاسمِ: فإنْ لم يَبلغْ شُورِكَ به فيهِ (٤).

وقالَ المالِكيةُ: الفَرسُ المَوقوفُ إذا أصابَه الكَلَبُ -وهو شيءٌ يَعتَري الخَيلَ كالجُنونِ- وصارَ بحَيثُ لا يُنتفعُ به في خُصوصِ ما وُقفَ فيهِ - وهو

(١) «المغني» (٥/ ٣٦٨)، و «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢١٤).
(٢) «المناقلة بالأوقاف» ص (٤٨).
(٣) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٧).
(٤) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ١٩٩).

الغَزوُ مثلًا- لَكنْ يُمكِنُ أنْ يُنتفعَ به في نَحوِ الطَّاحونِ فإنه يُباعُ ويُجعلُ ثَمنُه في مِثلِه أو شِقصِه.

ومِثلُ الكَلَبِ الهَرَمُ والمَرضُ، ومِثلُ الفَرَسِ الكَلِبِ الكَبيرةُ مِنْ الإناثِ المَوقوفةُ لنَسلِها أو لعَملِها والزَّائدُ مِنْ الذُّكورِ على ما يُحتاجُ إليه في الغَزوِ، وإذا بِيعَ الفَرسُ الكَلِبُ وما ذكَرْناهُ فإنه يَجبُ أنْ يُجعلَ ثَمنُه في مِثلِه ممَّا يُنتفعُ به، كالنَّفعِ الذي كانَ في المُباعِ إذا بَلَغَ ثَمنُه ثمَنَ شيءٍ مُماثِلٍ للأولِ، أو يُعانُ به فيهِ، أي في شِراءِ مِثلِه.

فمَن وقَفَ شيئًا مِنْ الأنعامِ على فُقراءَ أو مُعيَّنينَ ليُنتفعَ بألبانِها وأصوافِها وأوبارِها فنَسلُها كأصلِها في التَّحبيسِ، فإذا ولَدَتِ البَقراتُ المُحبَّسةُ لأَكلِ لَبنِها أو الإبِلُ أو الغَنمُ ذُكورًا وإناثًا فما زادَ مِنْ الذُّكورِ عمَّا يُحتاجُ إليهِ للنَّزوِ وما كَبُرَ مِنْ الإناثِ وانْقطعَ لَبنُه فإنه يُباعُ ويُشتَرى بثَمنِه إناثٌ صِغارٌ تُحبسُ كأصلِها؛ تَحصيلًا لغَرضِ الواقفِ (١).

وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ ما ضَعُفَ مِنْ الدَّوابِّ المُحبَّسةِ في سَبيلِ اللهِ أو بَلِيَ مِنْ الثِّيابِ، كيفَ يُصنَعُ بها في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: أمَّا ما ضَعُفَ مِنْ الدَّوابِّ حتى لا يَكونُ فيه قوَّةٌ للغَزوِ فإنه يُباعُ ويُشتَرى بثَمنِه غيرُه مِنْ الخَيلِ، فيُجعلُ في سَبيلِ اللهِ، قالَ ابنُ

(١) «البيان والتحصيل» (١٢/ ٢٣٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٧)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٥)، و «منح الجليل» (٨/ ١٥٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
جواز الوقف وكيفيته

ثُمَّ نَقُولُ: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى انْتَهَى بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ بِالطَّلَبِ بَقِيَ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَغْصُوبُ مَضْمُونُ الرَّدِّ حَالَ قِيَامِهِ وَمَضْمُونُ الْقِيمَةِ حَالَ هَلَاكِهِ، وَعِنْدَنَا إذَا هَلَكَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ضَمِنَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ فَنَعَمْ، لَكِنْ قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَمَعَ الْإِذْنِ أَوْلَى.

وَالْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْقَبْضِ بَلْ بِالْعَقْدِ بِطَرِيقِ التَّعَاطِي، بِشَرْطِ الْخِيَارِ الثَّابِتِ دَلَالَةً لِمَا عُلِمَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ هَرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَّنَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ حُنَيْنًا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ مِنْ السِّلَاحِ فَقَالَ: عَارِيَّةً أَوْ غَصْبًا فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : عَارِيَّةً، فَأَعَارَهُ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الضَّمَانَ، وَالْحَادِثَةُ حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا يَكُونُ الثَّابِتُ إلَّا إحْدَاهُمَا فَتَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ، مَعَ مَا أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ فَيَحْتَمِلُ ضَمَانَ الرَّدِّ، وَبِهِ نَقُولُ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى ضَمَانِ الْغَيْرِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا، مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» .

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ حَالِ الْمُسْتَعَارِ مِنْ الْأَمَانَةِ إلَى الضَّمَانِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 453 - 455

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل