الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > ب- أن يشترط الغلة لنفسه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوقالَ المِرداويُّ: يَصحُّ الوَقفُ على النَّفسِ، وعليها -أي الرِّوايةِ- العَملُ في زَمنِنا وقبلَه عندَ حُكَّامِنا مِنْ أزمِنةٍ مُتطاوِلةٍ، وهو الصَّوابُ، وفيهِ مَصلحةٌ عَظيمةٌ وتَرغيبٌ في فِعلِ الخَيرِ، وهو مِنْ مَحاسنِ المَذهبِ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ويَصحُّ الوَقفُ على النَّفسِ، وهو أحَدُ الرِّوايتينِ عن أحمدَ، واختارَها طائِفةٌ مِنْ أصحابِه (٢).
ب- أنْ يَشترطَ الغَلةَ لنَفسِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشتَرطَ الواقفُ الغلَّةَ لنَفسِه في حَياتِه، أوِ اشتَرطَ أنْ يأكلَ منها، هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في المُعتمَدِ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ -وهو اختيارُ جماعةٍ منهم ابنُ سُريجٍ والزُّبيريُّ وابنُ الصَّباغِ وأكثرُ مَشايخِ خُراسانَ، وجوَّزَ الرُّويانِيُّ الإفتاءَ به- إلى أنه يَصحُّ أنْ يَشترطَ الواقفُ الغَلةَ لنَفسِه ما دامَ حَيًّا، أو أنْ يَشترطَ أنْ يَأكلَ منها.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الواقفُ إذا اشتَرطَ في الوَقفِ أنْ يُنفِقَ منه على نَفسِه صَحَّ الوَقفُ والشرطُ، نَصَّ عليه أحمَدُ، قالَ الأثرمُ: قيلَ لأبي عَبدِ اللهِ: يَشترطُ في الوقفِ: «أني أُنفِقُ على نَفسي وأهلي منه»؟ قالَ: نعمْ، واحتَجَّ، قالَ: سَمعتُ ابنَ عُيينةَ عن ابنِ طاوسَ عن أبيهِ عن حجرٍ المدرِيِّ «أنَّ في صَدقةِ رَسولِ اللهِ ﷺ أنْ يَأكلَ منها أهلُه بالمَعروفِ غيرِ المُنكَرِ».
(١) «الإنصاف» (٧/ ١٨).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٠٥).
وقالَ القاضي: يَصحُّ الوَقفُ رِوايةً واحِدةً؛ لأنَّ أحمَدَ نَصَّ عليها في رِوايةِ جَماعةٍ، وبذلكَ قالَ ابنُ أبي لَيلى وابنُ شُبرمةَ وأبو يُوسفَ والزُّبيرُ وابنُ شُريحٍ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ: لا يَصحُّ الوَقفُ؛ لأنه إزالةُ الملكِ، فلمْ يَجُزِ اشتِراطُ نَفعِه لنَفسِه كالبَيعِ والهِبةِ وكما لو أعتَقَ عَبدًا بشَرطِ أنْ يَخدمَه، ولأنَّ ما يُنفِقُه على نَفسِه مَجهولٌ، فلم يَصحَّ اشتِراطُه كما لو باعَ شيئًا واشتَرطَ أنْ يَنتفعَ به.
ولنَا: الخبَرُ الذي ذكَرَه الإمامُ أحمدُ، ولأنَّ عُمرَ رضي الله عنه لَمَّا وقَفَ قالَ: «ولا بَأسَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها أوْ يُطعِمَ صَديقًا غيرَ مُتموِّلٍ فيهِ»، وكانَ الوَقفُ في يَدِه إلى أنْ ماتَ، ولأنه إذا وقَفَ وَقفًا عامًّا كالمَساجدِ والسِّقاياتِ والرِّباطاتِ والمَقابرِ كانَ له الانتفاعُ به، فكذلكَ هاهُنا، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَشترطَ لنَفسِه الانتفاعَ به مدَّةَ حياتِه أو مدَّةً مَعلومةً مُعيَّنةْ، وسواءٌ قدَّرَ ما يَأكلُ منه أو أطلَقَه، فإنَّ عُمرَ رضي الله عنه لم يُقدِّرْ ما يأكلُ الوالي وما يُطعِمْ إلا بقَولِه: «بالمَعروفِ»، وفي حَديثِ صَدقةِ رَسولِ اللهِ ﷺ «أنه شرَطَ أنْ يَأكلَ أهلُه منها بالمَعروفِ غيرِ المُنكَرِ».
إلا أنه إذا شرَطَ أنْ يَنتفعَ به مدَّةً مُعيَّنةً فماتَ فيها فيَنبغي أنْ يَكونَ ذلكَ لوَرثتِه، كما لو باعَ دارًا واشتَرطَ أنْ يَسكُنَها سَنةً فماتَ في أثنائِها، واللهُ أعلَمُ.
وإنْ شرَطَ أنْ يَأكلَ أهلُه منه صَحَّ الوَقفُ والشَّرطُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ شرَطَ ذلكَ في صَدقتِه، وإنِ اشتَرطَ أنْ يَأكلَ مَنْ وَلِيَه منه
ويُطعِمَ صَديقًا جازَ؛ لأنَّ عُمرَ رضي الله عنه شرَطَ ذلكَ في صَدقتِه التي استَشارِ فيها رَسولَ اللهُ ﷺ، فإنْ وَلِيَها الواقفُ كانَ له أنْ يَأكلَ ويُطعمَ صديقًا؛ لأنَّ عُمرَ وَلِيَ صَدقتَه، وإنْ وَلِيَها أحدٌ مِنْ أهلِه كانَ له ذلكَ؛ لأنَّ حَفصةَ بنتَ عُمرَ كانتْ تَلي صَدقتَه بعد مَوتِه، ثمَّ وَلِيَها بعدَها عَبدُ اللهِ ابنُ عُمرَ (١).
وقالَ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: قالَ بشرٌ عن أبي يُوسفَ: ولو استَثنَى أنْ يُنفقَ منها على نَفسِه مِنْ الصَّدقةِ المَوقوفةِ حَياتَه وهي للأبَدِ فإنَّ ذلكَ جائِزٌ (٢).
واستَدلَّ الحَنفيةُ بالأدلَّةِ التي ذكَرْتُها في المَسألةِ السَّابقةِ في وَقفِ الإنسانِ على نَفسِه، ولأنَّ الوَقفَ إزالةَ المِلكِ إلى اللهِ تعالى على وَجهِ القُربةِ، فإذا شرَطَ البَعضَ أو الكلَّ لنَفسِه فقدْ جعَلَ ما صارَ مَملوكًا للهِ تعالى لنَفسِه، لا أنْ يَجعلَ مِلكَ نَفسِه لنَفسِه، وهذا جائزٌ، كما إذا بَنى خانًا أو سِقايةً أو جعَلَ أرضَه مَقبرةً وشرَطَ أنْ يَنزلَه أو يَشربَ منه أو يُدفنَ فيه، ولأنَّ مَقصودَه القُربةُ، وفي الصَّرفِ إلى نَفسِه صَدقةٌ، قالَ عليه الصلاة والسلام: «نَفقةُ الرَّجلِ على نَفسِه صَدقةٌ»، قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: رُويَ معنَى هذا الحَديثِ مِنْ طُرقٍ كثيرةٍ يَبلغُ بها الشُّهرةَ … فقدْ تَرجَّحَ قَولُ أبي يُوسفَ، قالَ الصَّدرُ
(١) «المغني» (٥/ ٣٥٢، ٣٥٣)، ويُنظَر: «الشرح الكبير» (٦/ ١٩٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٩٩)، و «الإنصاف» (٧/ ١٨)، و «الفروع» (٤/ ٤٤٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٨، ٣٣٩)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٨٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٢٦).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٦٣).
الشَّهيدُ: والفتوَى على قَولِ أبي يُوسفَ، ونحنُ أيضًا نُفتي بقَولِه؛ تَرغيبًا للناسِ في الوَقفِ، واختارَه مَشايخُ بَلخٍ، وكذا ظاهِرُ «الهِدايَة» حيثُ أخَّرَ وجْهَه ولم يَدفَعْه (١).
وقالَ في «الإسْعَاف»: لو قالَ رَجلٌ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ ﷿ على أنَّ لي غلَّتَها أبَدًا ما عِشتُ ثمَّ مِنْ بَعدي على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي ونَسلي أبدًا، أو قالَ: ثم مِنْ بَعدي على وَلدِ زَيدٍ ونَسلِه أبدًا ما تَناسَلوا ثم مِنْ بَعدِهم على المَساكينِ» يَجوزُ على قَولِ أبي يُوسفَ رحمة الله عليه، وهو قَولُ أحمَدَ وابنِ أبي لَيلى وابنِ شُبرمةَ والزُّهريِّ وابنِ سُريجٍ مِنْ أصحابِ الشافعيِّ، وبه أخَذَ مَشايخُ بَلخٍ، وذكَرَ الصَّدرُ الشَّهيدُ أنَّ الفتوَى على قَولِه؛ تَرغيبًا للناسِ في الوَقفِ، ولا يَجوزُ على قِياسِ قَولِ مُحمدٍ، وبه قالَ هِلالٌ، وهو قولُ الشافِعيِّ ومالكٍ، وكذا لا يَجوزُ وَقفُه على نَفسِه، وفرَّعَ عليه هِلالٌ فُروعًا كَثيرةً (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وَيَجوزُ أيضًا للواقفِ إذا وقَفَ شيئًا أنْ يَستثنيَ مَنفعتَه وغلَّتَه جَميعَها لنَفسِه مُدَّةَ حياتِه، كما رُويَ عن الصَّحابةِ أنهم فَعَلوا ذلكَ، ورُويَ فيهِ حَديثٌ مُرسَلٌ عن النبيِّ ﷺ (٣).
(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٢٧)، و «العناية» (٨/ ٣٤٩، ٣٥٠)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٨)، و «المحيط البرهاني» (٥/ ٧١١)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٩٧)، و «التجريد للقدوري» (٨/ ٣٧٩٦)، و «الإسعاف» ص (٩٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠٩)، و «اللباب» (١/ ٦٢٥).
(٢) «الإسعاف» ص (٩٤).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٣٤).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب العارية
فصل
كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. وَالثَّالِثُ أَنَّهُ الْمَالُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيِّ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ الزَّكَاةُ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما ومنه قول لبيد الرَّاعِي:
(قومٌ عَلَى الْإِسْلَامِ لَمَّا يَمْنَعُوا ... مَاعُونَهُمْ وَيُضَيِّعُوا التَّهْلِيلَا)
وَالْخَامِسُ أَنَّهُ الْمَنَافِعُ وَهُوَ قَوْلُ أبي جعفر الحميري استشهد عَلَيْهِ بِقَوْلِ أَعْشَى بْنِ ثَعْلَبَةَ:
(بَأجود مِنْهُ بِمَاعُونِهِ ... إِذَا مَا سَمَاؤُهُمْ لَمْ تَغِمْ)
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول العارية مؤادةٌ وَالْمِنْحَةُ مردودةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ مَضْمُونٌ وَالزَّعِيمُ غارمٌ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قرقرٍ فَتَطَأُهُ بِخِفَافِهَا كُلَّمَا مَضَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا قِيلَ فَمَا حَقُّهَا فَمَا حَقُّ الْإِبِلِ قال: يعطي الكريمة ويمنح العزيرة وَيَعْقِرُ الظَّهْرَ وَيُطْرِقُ الْفَحْلَ وَيَسْقِي اللَّبَنَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَقِّهَا إعارةٌ دَلْوِهَا وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَمِنْحَةِ لَبَنِهَا يَوْمَ وَرْدِهَا فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَارِيَةِ وَاللَّهُ أعلم.
فَصْلٌ
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.