ب- أن يكون الموقوف مما ينتفع به مع بقاء عينه

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > ب- أن يكون الموقوف مما ينتفع به مع بقاء عينه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

ب- أن يكون الموقوف مما ينتفع به مع بقاء عينه - الأقوال والأدلة

ب- أنْ يَكونَ المَوقوفُ ممَّا يُنتفَعُ به مع بَقاءِ عَينِه:

اشتَرطَ عامَّةُ الفُقهاءِ في المَوقوفِ أنْ يَكونَ مِمَّا يُنتفعُ به مع بَقاءِ عَينِه، فلا يَصِحُّ وَقفُ الطَّعامِ ولا الدَّراهمِ والدَّنانيرِ.

وبَيانُه في مَسألتَينِ:

المَسألةُ الأُولى: وَقفُ الطَّعامِ والشَّرابِ والرَّياحينِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَقفِ الطَّعامِ والشَّرابِ والرَّياحينِ وما لا يُنتفعُ به إلا بذَهابِ عَينِه، هل يَصحُّ أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ في المَوقوفِ أنْ يَكونَ ممَّا يُنتفعُ به مع بَقاءِ عَينِه، فلا يَصحُّ وَقفُ ما يُستهلكُ كالطَّعامِ والشَّرابِ إلا الماءَ؛ لأنَّ مَنفعتَه في استِهلاكِه، وشَأنُ الوَقفِ بَقاءُ العينِ؛ لأنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ الثَّمرةِ، وما لا يُنتفعُ به إلا بالإتلافِ لا يَصحُّ فيهِ ذلكَ (١).

قالَ الحَنفيةُ: وَقفُ ما لا يُنتفعُ به إلَّا بالإتلافِ كالمَأكولِ والمَشروبِ غَيرُ جائِزٍ.

(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١٩)، و «الذخيرة» (٣١٥)، و «جامع الأمهات» (٤٤٨)، و «شرح ميارة» (٢/ ٢٢٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٣٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٤)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٤٤٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤١٤)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٤٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥٧)، و «الديباج» (٢/ ٥١٦)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٦)، و «المغني» (٥/ ٣٧٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٩١).

قالوا: ولو وقَفَ بَقرةً على أنَّ ما يَخرجُ مِنْ لَبنِها وسَمنِها يُعطَى لأبناءِ السَّبيلِ، قالَ محمد: إنْ كانَ ذلكَ في مَوضعٍ غلَبَ ذلكَ في أوقافِهِم رَجَوتُ أنْ يَكونَ ذلكَ جائزًا.

وعنِ الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ- فيمَن وقَفَ الطَّعامَ أو ما يُكالُ أو يُوزَنُ أيجوزُ؟ قالَ: نعم، قيلَ: وكيفَ؟ قالَ: ما يُكالُ وما يُوزَنُ يُباعُ ويُدفعُ ثَمنُهُ مُضارَبةً أو بِضاعةً، قالَ: فعَلى هذا القِياسِ إذا وقَفَ هذا الكُرَّ مِنْ الحِنطةِ على شَرطِ أنْ يُقرَضَ للفُقراءِ الذينَ لا بَذرَ لهُم ليَزرَعوهُ لأنفُسِهِم ثمَّ يُؤخَذُ مِنهم بعد الإدراكِ قَدرُ القَرضِ ثمَّ يُقرَضُ لغَيرهِم مِنْ الفُقراءِ أبَدًا على هذا السَّبيلِ يَجبُ أنْ يَكونَ جائزًا (١).

قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: وبهذا ظهَرَ صِحَّةُ ما ذكَرَه المُصنِّفُ مِنْ إِلحاقِها بالمَنقولِ المُتعارَفِ على قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به، وإنَّما خصُّوها بالنَّقلِ عن زُفرَ لأنها لم تَكنْ مُتعارَفةً إذْ ذاكَ، ولأنه هو الذي قالَ بها ابتِداءً، قالَ في «النَّهْر»: ومُقتَضى ما مَرَّ عن مُحمدٍ عَدمُ جَوازِ ذلكَ -أي وَقفِ الحِنطةِ في الأقطارِ المِصريةِ-؛ لعَدمِ تَعارُفِه بالكُلِّيةِ …

ثُمَّ قالَ: مَطلَبٌ في التَّعاملِ والعُرفِ:

(قَولُه: لأنَّ التَّعاملَ يُتركُ به القِياسُ)؛ فإنَّ القِياسَ عَدمُ صِحةِ وَقفِ المَنقولِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ الوَقفِ التأبيدَ، والمَنقولُ لا يَدومُ، والتعاملُ كما في

(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١٩)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٨٠)، و «درر الحكام» (٦/ ١٣١)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٣٦٢).

«البَحر» عن «التَّحرِير» هو الأكثَرُ استِعمالًا، وفي «شَرح البِيريِّ» عن «المَبسوط» أنَّ الثَّابتَ بالعُرفِ كالثابتِ بالنصِّ. اه، وتَمامُ تَحقيقِ ذلكَ في رسَالتِنا المُسمَّاةِ: «نَشرُ العُرفِ في بِناءِ بَعضِ الأحكامِ على العُرفِ»، وظاهِرُ ما مَرَّ في مَسألةِ البَقرَةِ اعتِبارُ العُرفِ الحادِثِ، فلا يَلزمُ كَونُه مِنْ عَهدِ الصَّحابةِ، وكذا هو ظاهرُ ما قَدَّمناهُ آنِفًا مِنْ زِيادةِ بَعضِ المَشايخِ أشياءَ جَرَى التَّعاملُ فيها، وعلى هذا فالظَّاهرُ اعتِبارُ العُرفِ في المَوضعِ أو زَمانِ الذِي اشتُهرَ فيه دونَ غَيرِه، فوَقفُ الدَّراهمِ مُتعارَفٌ في بلادِ الرُّومِ دونَ بِلادِنا، وَقفُ الفَأسِ والقَدُومِ كانَ مُتعارَفًا في زَمنِ المُتقدِّمينَ ولم نَسمعْ به في زَمانِنا، فالظاهرُ أنه لا يَصحُّ الآنَ، ولَئِنْ وُجدَ نادرًا لا يُعتبَرُ؛ لِما عَلِمْت مِنْ أنَّ التَّعاملَ هو الأكثرُ استِعمالًا، فتأمَّلْ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لا يَصحُّ وَقفُ ما لا يَدومُ الانتفاعُ به كالمَطعومِ والرَّياحينِ المَشمومةِ؛ لسُرعةِ فَسادِها، ولأنَّ نَفْعَه في إهلاكِه، وأمَّا الرَّيحانُ المَزروعُ فيَصحُّ وَقفُهُ للشَّمِّ؛ لأنه يَبقَى مدَّةً وفيه نَفعٌ آخَرُ وهو التَّنزهُ.

وقالَ الخَوارِزميُّ وابنُ الصَّلاحِ: يَصحُّ وَقفُ المَشمومِ الدَّائِمِ نَفعُه كالمِسكِ والعَنبَرِ والعُودِ، ويُطلَقُ الرَّيحانُ على كُلِّ نَبتٍ رَطبٍ غَضٍّ طَيِّبِ الرِّيحِ، فيَدخلُ الوَردُ لِريحِه (٢).

(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٦٤).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ١٣٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٤)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٤٤٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤١٤)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٤٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥٧)، و «الديباج» (٢/ ٥١٦).

قالَ الحَنابلةُ: لا يَصحُّ وَقفُ مَطعومٍ ومَشروبٍ غيرِ الماءِ، ولا وَقفُ دُهنٍ وشَمعٍ؛ لأنَّ ما لا يُنتفعُ به إلا بإتلافِه لا يَصِحُّ وَقفُه؛ لأنه يُرادُ للدَّوامِ؛ ليَكونَ صَدقةً جارِيةً، ولا يُوجَدُ ذلكَ فيما لا تَبقى عَينُه، لأنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ الثَّمرةِ، وما لا يُنتفعُ به إلَّا بالإتلافِ لا يَصحُّ فيهِ ذلكَ.

أمَّا الماءُ فيَصحُّ وَقفُه.

قالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (والمَطعومُ والرَّياحِينُ) يَعني: لا يَصحُّ وَقفُها، وهو صَحيحٌ، وهو المَذهبُ وعليه الأصحابُ.

وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: لو تَصدَّقَ بدُهنٍ على مَسجدٍ ليُوقدَ فيهِ جازَ، وهو مِنْ بابِ الوَقفِ، وتَسميتُه وَقفًا بمعنَى أنه وَقفٌ على تِلكَ الجِهةِ لا يُنتفعُ به في غَيرِها لا تَأباهُ اللُّغةُ، وهو جارٍ في الشَّرعِ.

وقالَ أيضًا: يَصحُّ وَقفُ الرَّيحانِ ليَشمَّه أهلُ المَسجدِ، قالَ: وطيبُ الكَعبةِ حُكمُه حُكمُ كِسوَتِها، فعُلِمَ أنَّ التَّطيبَ مَنفعةٌ مَقصودَةٌ، لِكنْ قد تَطولُ مُدةُ التطيُّبِ وقد تَقصرُ ولا أثَرَ لذلكَ.

قالَ الحارِثيُّ: وما يَبقَى أثَرُه مِنْ الطِّيبِ كالنِّدِّ (١) والصَّندَلِ (٢) وقِطَعِ الكافورِ لشَمِّ المَريضِ وغَيرِه فيَصحُّ وَقفُه على ذلكَ؛ لبَقائِه مع الانتفاعِ، وقد صحَّتْ إجارتُه لذلكَ، فصَحَّ وَقفُهُ. انتهى، وهذا ليسَ داخِلًا في

(١) النِّدُّ: طِيبٌ مَعروفٌ، أو العَنبَرُ. «القاموس المحيط»: (ندّ).
(٢) الصَّندلُ: خَشبٌ مَعروفٌ، أجوَدُه الأحمَرُ أو الأبيضُ. «القاموس المحيط»: (صَنْدَل).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الغصب]
[فصل زرع غاصب أو متعد أرضا فاستحقت]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

منح الجليل

بَعْدَ رَفْوِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ فَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي أَنْ يَغْرَمَ إلَّا مَا نَقَصَ بَعْدَ أَنْ يُدَاوِيَ الدَّابَّةَ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا يُنْفَقُ عَلَى الْمُدَاوَاةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَا يُعْلَمُ هَلْ تَرْجِعُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَالرَّفْوُ وَالْخِيَاطَةُ مَعْلُومٌ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِمَا وَيَرْجِعَانِ إلَى مَا كَانَا. ابْنُ يُونُسَ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي الْفَسَادِ الْكَثِيرِ فِي الثَّوْبِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ وَمَا نَقَصَهُ بَعْدَ الرَّفْوِ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِهِمْ، وَوَجْهُ فَسَادِهِ أَنَّهُ يَغْرَمُ فِي رَفْوِ الثَّوْبِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ صَحِيحًا، وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

فَصْلٌ زَرَعَ غَاصِبٌ أَوْ مُتَعَدٍّ أَرْضًا فَاسْتُحِقَّتْ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 389 - 392

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل