الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > تخصيص الوقف على أهل مذهب معين أو جهة معينة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءة٣ - تَخصيصُ الوَقفِ على أهلِ مَذهَبٍ مُعيَّنٍ أو جِهةٍ مُعيَّنةٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الواقِفَ لو شرَطَ في وَقفِه أنَّ رَيعَ وَقفِه أو السَّكنَ فيه يَكونُ لأهلِ مَذهبٍ مُعيَّنٍ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ مثلًا اختَصَّ بهم، ولا يُدخلُ فيه غَيرُهم، ومَن خرَجَ عنه خرَجَ مِنْ الوَقفِ والاستِحقاقِ.
قالَ الحَنفيةُ: لو عيَّنَ الواقفُ مَذهبًا مِنْ المَذاهبِ وشرَطَ أنه إنِ انتَقلَ عنه خرَجَ اعتُبِرَ شَرطُه، فلو شرَطَ في الوَقفِ أنَّ كلَّ مَنْ انتَقلَ مِنْ مَذهبِ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه خرَجَ مِنْ الوَقفِ فهو على ما شرَطَ، فلو خرَجَ واحِدٌ مِنهم إلى مَذهبِ الشافِعيِّ رحمة الله عليه خرَجَ مِنْ الوَقفِ، ولو ادَّعى بَعضُهم على بَعضٍ أنه انتَقلَ مِنْ مَذهبِ أبي حَنيفةَ إلى مَذهبِ الشافِعيِّ وأنكَرَ ذلكَ المُدَّعى عليه فالقَولُ في ذلكَ قَولُه، وعلى المُدَّعِي بيِّنةٌ على ذلكَ.
ولو وقَفَ على أولادِه وشرَطَ أنَّ مَنْ انتَقلَ إلى مَذهبِ المُعتزلةِ صارَ خارِجًا فانتقلَ مِنهم واحِدٌ صارَ خارِجًا، فإنِ ادَّعَى على واحِدٍ مِنهم بأنه صارَ مُعتزليًّا فالبيِّنةُ على المُدَّعِي والقَولُ للمُنكِرِ.
وكذا لو كانَ الواقفُ مِنْ المُعتزلةِ وشرَطَ أنَّ مَنْ انتَقلَ إلى مَذهبِ أهلِ السُّنةِ صارَ خارِجًا اعتُبِرَ شَرطُه، ولو شرَطَ أنَّ مَنْ انتَقلَ مِنْ مَذهبِ أهلِ السُّنةِ إلى غَيرِه فصارَ خارِجيًّا أو رَافِضيًّا خرَجَ، فلو ارتَدَّ -والعِياذُ باللهِ تعالى- عن الإسلامِ خرَجَ، المَرأةُ والرَّجلُ سواءٌ.
فلو شرَطَ أنَّ مَنْ خرَجَ مِنْ مَذهبِ الإثباتِ إلى غَيرِه خرَجَ، فخرَجَ واحِدٌ ثم عادَ إلى مَذهبِ الإثباتِ لا يَعودُ إلى الوَقفِ؛ لأنَّ مَذهبَ أهلِ الإثباتِ الإسلامُ والقَولُ بشَرائعِ الإسلامِ، فمَن خرَجَ عنه فقدْ ترَكَ الإسلامَ وشَرائعَه، والإثباتُ مِنْ شَرائِعِه، ولو رجَعَ إلى الإثباتِ بعدَما خرَجَ منه لا يَرجعُ إليهِ الوَقفُ، إلا أنْ يَكونَ الواقفُ شرَطَ أنَّ مَنْ رجَعَ إلى الإثباتِ رجَعَ حقُّه، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَنْ يَسكنُ بَغدادَ مِنْ فُقراءِ قَرابتِه فانتَقلَ منها بَعضُهم وسكَنَ الكُوفةَ ثم عادَ إليها وسكَنَ فإنه يَعودُ حقُّه؛ لأنَّ النَّظرَ هاهُنا إلى حالِهم يومَ قِسمةِ غَلةِ الوَقفِ، ألَا تَرى أنه لو وقَفَ على فُقراءِ قَرابتِه وكانَ فيهم فُقراءُ وأغنِياءُ تَكونُ الغَلَّةُ للفُقراءِ، ثُمَّ لو افتَقرَ الأغنياءِ واستَغنى الفُقراءُ تَكونُ الغَلةُ لمَن افتَقرَ دونَ مَنْ استَغنَى، ولو لم يُنظَرْ إلى حالِهم يومَ القِسمةِ لَربَّما لَزمَ دَفعُ الغَلةِ إلى الأغنياءِ دونَ الفُقراءِ، وإنه لا يَجوزُ؛ لكَونِه خِلافَ شَرطِ الواقفِ، ولو كانَ بعضُ قَرابتِه ساكِنًا في الكُوفةِ وقتَ الوَقفِ ثم انتَقلَ وسكَنَ بَغدادَ استَحقَّ مِنْ الغَلةِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لو شرَطَ الواقِفُ تَخصيصَ مَذهبٍ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ بصَرفِ غلَّتِه عليه أو بالتَّدريسِ في مَدرستِه فيُتَّبعُ شَرطُه وُجوبًا، ولا يَجوزُ العُدولُ عنهم لغَيرِهم (٢).
(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٦٦)، و «الإسعاف» (١٠٦، ١٠٧)، و «الهندية» (٢/ ٤٠٦، ٤٠٧).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٧٩)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٥).
وقالَ الشافِعيةُ: يُراعَى شَرطُ الواقفِ، فلو وقَفَ على العُلماءِ بشَرطِ كَونِهم على مَذهبِ فُلانٍ، أو على الفُقراءِ بشَرطِ الغُربةِ أو الشَّيخوخةِ اتُّبعَ شَرطُه، كالمَدرسةِ والرِّباطِ والمَقبرةِ إذا خصَّصَها بطائفةٍ فإنها تَختصُّ بهم؛ لعَودِ النَّفعِ إليهِم.
ولو شرَطَ في مُدرِّسٍ كَونَه شافِعيًّا فلا يَجوزُ تَوليةُ ذلكَ التَّدريسِ لغيرِ شافِعيٍّ، ولا يَجوزُ تَدريسُ غَيرِه أيضًا في مَكانٍ خصَّصَه به (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ خصَّصَ الواقفُ المَدرسةَ بأهلِ مَذهبٍ كالحَنابلةِ أو الشافِعيةِ تَخصَّصتْ، أو خصَّصَ المَدرسةَ بأهلِ بَلدٍ أو خصَّصَها بقَبيلةٍ تَخصَّصتْ، وكذلكَ الرِّباطُ والخانِقاهُ كالمَقبرةِ إذا خصَّصَها بأهلِ مَذهبٍ أو بَلدٍ أو قَبيلةٍ تَخصَّصتْ؛ إعمالًا للشَّرطِ، إلا أنْ يَقعَ الاختِصاصُ بنَقلةِ بِدعةٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا فضَّلَ بعضَهم على بَعضٍ فهو على ما قالَ، فلو قالَ: «وَقَفتُ على أولادي وأولادِ أولادي على أنَّ للذَّكرِ سَهمَينِ وللأُنثى سَهمًا، أو للذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثَيينِ، أو على حَسبِ ميراثِهم، أو على حَسبِ فَرائضِهم، أو بالعَكسِ مِنْ هذا، أو على أنَّ للكَبيرِ ضِعفَ ما للصَّغيرِ، أو للعامِلِ ضِعفَ ما للجاهِلِ، أو لِلعائلِ ضِعفَ ما للغَنيِّ» أو عكْسَ ذلكَ،
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٥٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣١)، و «كنز الراغبين مع حاشية قليوبي وعميرة» (٣/ ٢٥٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٩، ٤٩٠)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.