تغيير الوقف بمثله

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > تغيير الوقف بمثله

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

تغيير الوقف بمثله - الأقوال والأدلة

تَغييرُ الوَقفِ بمِثلِه:

قَدْ تقدَّمَ كَلامُ جُمهورِ الفُقهاءِ مُفصَّلًا في عَدمِ جَوازِ إبدالِ الوَقفِ بخَيرٍ منه وإنْ كانَ في ذلكَ مَصلحةٌ للوَقفِ وللمَوقوفِ عليهمْ.

وحتَّى شَيخُ الإسلامِ الذي أجازَ إبدالَ الوَقفِ للمَصلحةِ قالَ بعَدمِ جَوازِ إبدالِ الوَقفِ بمِثلِه، قالَ: (ولا يَجوزُ أنْ يُبدَلَ الوَقفُ بمِثلِه؛ لفَواتِ التَّعيينِ بلا حاجةٍ) (١)، فشَرطُ الجَوازِ عندَه وُجودُ المَصلحةِ، أمَّا إبدالُ الوَقفِ بمِثلِه فلمْ يَقلْ بجَوازِه أحَدٌ مِنْ الفُقهاءِ.

تَغييرُ الوَقفِ عن هَيئتِه:

مِثالُ تَغييرِ الوَقفِ عن هَيئتِه أنْ يَجعلَ الدارَ بُستانًا أو العَكسُ، أو يَجعلَ المَدرسةَ مَسجِدًا، أو أنْ يَجعلَ الدارَ دُكَّانًا أو العَكسُ.

وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في هذا، هل يَجوزُ تَغييرُ هَيئةِ الوَقفِ مُطلَقًا أم لا يَجوزُ؟ أم يَجوزُ أنْ يُغيَّرَ نَوعُه دونَ جِنسِه؟ أقوالٌ للعُلماءِ …

فذهَبَ الحَنابلةُ وبَعضُ المالِكيةِ وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ إلى أنه يَجوزُ تَغييرُ صُورةِ الوَقفِ للمَصلحةِ.

قالَ الحَطَّابُ بعدَما ذكَرَ كَلامَ البَرزليِّ في مَسألةِ مُراعاةِ قَصدِ المُحبِّسِ لا لَفظِه: ومِثلُه ما فَعلتُه أنا في مَدرسةِ الشَّيخِ التي بالقَنطرةِ، غَيَّرتُ بَعضَ أماكِنِها مثلَ المِيضأةِ، ورَدَدتُها بَيتًا ونَقلتُها إلى مَحلِّ البِئرِ لانقِطاعِ الساقيةِ

(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥١٤).

التي كانَتْ تَأتيها، ورَدَدتُ العُلوَّ المُحبَّسَ على عَقبةِ المَذكورِ بُيوتًا لسُكنى الطَّلبةِ بعدَ إعطاءِ عُلوٍّ مِنْ المُحبَّسِ يَقومُ مَقامَه في المَنفعةِ بمُوجَبِ مَذكورٍ في مَحلِّهِ، وكزِيادةٍ في رَواتبِ طَلبةٍ لمَّا أنْ كَثُروا يَدخلُ شيءٌ مِنْ خَراجِها، بحَيثُ لو كانَ المُحبِّسُ حاضِرًا لارتَضاهُ، وكان ذلكَ كلُّه برِضَا الناظِرِ في الحبسَ النَّظرَ التَّامَّ كيفَ ظهَرَ له الصَّوابُ يُعطِي حَسبَما ذلكَ مَذكورٌ في كِتابِ التَّحبيسِ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وللناظِرِ أنْ يُغيِّرَ صُورةَ الوَقفِ مِنْ صُورةٍ إلى صُورةٍ أصلَحَ منها، كما غيَّرَ الخُلفاءُ الراشِدونَ صُورةَ المَسجدينِ اللَّذينِ بالحَرَمينِ الشَّريفَينِ، وكما نقَلَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ مَسجدَ الكُوفةِ مِنْ مَوضعٍ إلى مَوضعٍ وأمثالِ ذلكَ (٢).

وقالَ أيضًا رحمة الله عليه: وجوَّزَ جُمهورُ العُلماءِ تَغييرَ صُورةِ الوَقفِ للمَصلحةِ، كجَعلِ الدُّورِ حَوانيتَ والحاكورةِ (٣) مَشهورةً، ولا فرْقَ بينَ بناءٍ

(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٤٩٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٦٠).
(٣) الحاكُورةُ: أرضٌ تُحبسُ لزَرعِ الأشجارِ قُربَ الدُّورِ، والحَكرُ: العَقارُ المَحبوسُ. «المُعجَم الوسيط» (١/ ١٨٩)، و «هي في الاصطِلاحِ: عَقدُ إجارةٍ يُقصَدُ بها استِبقاءُ الأَرضِ مُقرَّرةً للبناءِ والغَرسِ أو لأحدِهِما. «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٣٢)، فالحِكرُ: هو الأُجرةُ المُقرَّرةُ على عقارِ الوقفِ ونَحوِه تُؤخذُ ممَّن له فيهِ بناءٌ أو غِراسٌ، وإذا انتَقلَ العَقارُ مِنْ يَدٍ إلى يَدٍ انتَقلَ الحِكرُ معه يُدفَعُ لحَظِّ مُستحقِّي الوَقفِ. قال الشَّيخُ عليشٌ: مَنْ استَولى على الخلو يَكونُ عليهِ لجِهةِ الوَقفِ أجرةٌ للذي يَؤولُ إليه الوَقفُ، يُسمَّى عندَنا بمِصرَ حِكرًا؛ لئلَّا يَذهبَ الوقفُ باطِلاً، ولا يَصِحُّ الاحتِكارُ إلَّا إذا كانَ بأُجرةِ المِثلِ، ولا تَبقَى على حالٍ واحِدةٍ، بل تَزيدُ الأُجرةُ وتَنقصُ باختِلافِ الزَّمانِ. «فَتح العَليِّ المالكِ - فتاوى الشَّيخِ عليشٍ» (٢/ ٢٤٣).

ببِناءٍ وعَرصةٍ بعَرصةٍ أوَّلًا، ولو وقَفَ كُرومًا على الفُقراءِ ويَحصلُ على جِيرانِها ضَررٌ يُعوَّضُ عَنها بما لا ضرَرَ فيهِ على الجيرانِ، ويَعودُ الأولُ مِلكًا والثاني وَقفًا، ومع الحاجةِ يَجبُ إبدالُ الوَقفِ بمِثلِه، وبلا حاجةٍ يَجوزُ بخَيرٍ منه لظُهورِ المَصلحةِ، وهو قِياسُ الهَديِ، وهو وَجهٌ في المُناقَلةِ (١).

قالَ ابنُ قُندُسٍ: يُريدُ بذلكَ أنَّ كَثيرًا مِنْ الأوقافِ كانَتْ بَساتينَ فأَحْكَروهَا وجُعِلتْ بُيوتًا وحَوانيتَ، ولم يُنكِرْ ذلكَ العُلماءُ الأعيانُ. انتهى (٢).

والحَنابلةُ يُجوِّزونَ تَغييرَ صُورةِ الوَقفِ إذا كانَ لمَصلحةِ الوَقفِ لا لمَصلحةِ الواقفِ …

قالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ قِسمةُ المَسجدِ مَسجدَينِ ببابَينِ إلى دَربَينِ مُختلِفينِ؛ لأنه تَغييرٌ لغَيرِ مَصلحةٍ له (٣).

وقالَ ابنُ مُفلِحٍ رحمة الله عليه: ولا يُغيِّرُه لمَصلحةِ نَفسِه، بل إذا غيَّرَه لمَصلحةِ نَفسِه أُلزِمَ بإعادتِه إلى مِثلِ ما كانَ، وبضَمانِ ما فوَّتَه مِنْ غَيرِ مَنفعةٍ، وعلى وُلاةِ الأُمورِ إلزامُه بما يَجبُ عليه، فإنْ أبَى عُوقِبَ بحَبسٍ وضَربٍ

(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥١٤).
(٢) «منار السبيل» (٢/ ٣٤٣).
(٣) «كشاف القناع» (٤/ ٣٥٥).

ونَحوِه، فإنَّ المَدينَ يُعاقَبُ بذلكَ، فكيفَ بمَن امتَنعَ مِنْ فِعلِ واجِبٍ مع تَقدُّمِ ظُلمٍ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ عندَهُم إلى عَدمِ جوازِ تَغييرِ الوَقفِ عن هَيئتِه.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ تَغييرُ الوَقفِ عن هَيئتِه، فلا تُجعَلُ الدَّارُ بُستانًا ولا حَمَّامًا ولا بالعَكسِ، إلَّا إذا جعَلَ الواقفُ إلى الناظِرِ ما يَرى فيه مَصلحةً للوَقفِ.

وفي «فَتاوى القَفَّالِ» أنه يَجوزُ أنْ يَجعلَ حانوتَ القَصَّارينَ للخَبَّازينَ، فكأنه احتَملَ تَغييرَ النَّوعِ دونَ الجِنْسِ (٢).

وقالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتميُّ رحمة الله عليه: وحاصِلُ كلامِ الأئمَّةِ في التَّغييرِ أنه لا يَجوزُ تَغييرُ الوَقفِ عن هَيئتِه، فلا يَجعلُ الدارَ بُستانًا ولا حَمَّامًّا ولا بالعَكسِ، إلَّا إذا جعَلَ الواقفُ إلى الناظِرِ ما يَرى فيهِ مَصلحةَ الوَقفِ.

وفي «فَتاوى القَفَّالِ» أنه يَجوزُ أنْ يَجعلَ حانوتَ القَصَّارينَ للخبَّازينَ، قالَ الشَّيخانِ: وكأنه احتَملَ تَغييرَ النَّوعِ دونَ الجِنسِ. اه

وظاهِرُ كَلامِهما جَوازُ التَّغييرِ حيثُ بَقيَ الاسمِ والجِنسِ، سَواءٌ أكانَ يَسيرًا أو كَثيرًا، وسَواءٌ اقتَضَتْه المَصلحةُ أم لا، وسَواءٌ كانَ فيهِ إذهابُ شيءٌ

(١) «الفروع» (٤/ ٤٤١).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ١٧٥).

مِنْ عَينِ الوَقفِ أم لا، والظاهِرُ أنَّ ذلكَ غيرُ مُرادٍ لهما كالأصحابِ؛ إذْ يَلزمُ عليه خَرقٌ عَظيمٌ ومَفاسِدُ لا تَخفَى، ومِن ثَمَّ اشتَرطَ السُّبكيُّ ما سَأذكرُه عنه وأقَرُّوه عليه، وفي «الخادِم»: والضابِطُ في المَنعِ تَبدُّلُ الاسمِ -أي مع الجِنسِ-؛ لما تَقرَّرَ، قالَ الأذرَعيُّ: وذكَرَ الغَزاليُّ في عِلةِ مَنعِ تَزويجِ الأمَةِ المَوقوفةِ أنه يُنقِصُ الوَقفَ ويُخالِفُ غرَضَ الواقفِ.

قالَ ابنُ الرِّفعةِ: وهذا يُفهِمُ أنَّ أغراضَ الواقِفينَ وإنْ لم يُصرَّحْ بها يُنظَرُ إليها. اه

وقد صرَّحَ بذلكَ القَفَّالُ فقالَ: لا بُدَّ مِنْ النَّظرِ إلى مَقاصِدِ الواقفينَ، ثمَّ قالَ ابنُ الرِّفعةِ: ولهذا كانَ شَيخُنا عِمادُ الدِّينِ رحمة الله عليه يَقولُ: إذا اقتَضَتِ المَصلحةُ تَغييرَ بَعضِ بِناءِ الوَقفِ في صُورتِه لزيادةِ رَيعِه جازَ ذلكَ وإنْ لم يَنصَّ عليه الواقفُ بلَفظِه؛ لأنَّ دَلالةَ الحالِ شاهِدةٌ بأنَّ الواقِفَ لو ذكَرَه في حالةِ الوَقفِ لَأثبَتَه في كِتابِ وَقفِه.

وقُلتُ لشَيخِ الإسلامِ في وَقتِه تَقيِّ الدِّينِ القُشيريِّ -أي ابنُ دَقيق العِيدِ رحمة الله عليه عن فِعلِ القُضاةِ مِنْ تَغييرِ بابٍ مِنْ مَكانٍ إلى مَكانٍ، وذكَرَ عنه كَلامًا أشعَرَ برِضاهُ بذلكَ، وبيَّنَ في «الخادِم» ذلكَ الكَلامَ فقالَ عن ابنِ الرِّفعةِ بعد قَولِه في كِتابِ وَقفِه: «وقد قَضى بذلكَ قاضي القُضاةِ تاجُ الدِّينِ ووَلدُه قاضي القُضاةِ صَدرُ الدِّينِ في تَغييرِ بابٍ مِنْ مكانٍ إلى مَكانٍ، وهُمَا في العِلمِ والدِّينِ بالمَحلِّ الأعلى»، وقُلتُ ذلكَ لابنِ دَقيق العيدِ فقالَ: كانَ والِدي -يَعني الشَّيخَ مَجدَ الدِّينِ- يقولُ: كانَ شَيخي المَقدسيُّ يَقولُ

بذلكَ وبأكثَرَ منه، قالَ ابنُ الرِّفعةِ: فأشعَرَ هذا الكَلامُ مِنْ ابنِ دَقيق العيدِ برِضاهُ، قالَ في «التَّوسُّط»: قالَ السُّبكيُّ: وكانَ هذا الرَّجلُ قُدوةَ زَمانِه في العِلمِ والدِّينِ، فلذلكَ اغتَبطَ بما استَشعرَهُ مِنْ رِضاهُ بذلكَ، وكانَ بحَيثُ يُكتفَى منه بدونِ ذلكَ.

قالا -أعني الأذرَعيَّ في «التَّوسُّط» والزَّركشيَّ في «الخادِم» -: قالَ السُّبكيُّ: والذي أرَاهُ في ذلكَ الجَوازُ بشَرطينِ، هذه عِبارةُ «التَّوسُّط»، وعِبارةُ «الخادِم»: بثَلاثةِ شُروطٍ:

أحَدُها: أنْ يَكونَ يَسيرًا لا يُغيِّرُ مُسمَّى الوَقفِ.

الثاني: ألا يُزيلَ شيئًا مِنْ عَينِه، بل يَنقلُ بَعضَه مِنْ جانِبٍ إلى جانِبٍ، فإن اقتَضى زَوالَ شيءٍ مِنْ العينِ لم يَجُزْ؛ لأنَّ الأصلَ الذي نَصَّ الواقفُ -ووقَعَ في بَعضِ نُسخِ «الخادِم» «الشارعُ» وهو تَحريفٌ- على جِنسِه تَجبُ المُحافَظةُ عليه، زادَ في «التَّوسُّط»: وهو العَينُ والرَّقبةُ، وهي مادَّةُ الوَقفِ وصُورتُه المُسمَّاةُ مِنْ دارٍ أو حَمَّامٍ أو نَحوِهما، فيَجبُ المُحافَظةُ على إبقاءِ المادَّةِ والصُّورةِ وإنْ وقَعَ التَّسمُّحُ في بَعضِ الصِّفاتِ، واستَندَ إلى ما سبَقَ عن «فَتاوى القَفَّالِ» في حانوتِ الحدَّادِ.

الثالثُ: أنْ يَكونَ فيهِ مَصلحةٌ للوَقفِ، وعلى هذا ففَتحُ شُبَّاكِ الطَّبرسيةِ في جِدارِ الجامِعِ الأزهَرِ لا يَجوزُ؛ إذْ لا مَصلحةَ للجامِعِ فيهِ، وكذلكَ فَتحُ أبوابِ سَطحِ الحَرَمِ المَكِّيِّ لا حاجةَ للحَرمِ بها، وإنَّما هي لمَصلحةِ ساكِنيها، فلهذا لا تَجوزُ.

ثُمَّ قالَ ابنُ حَجرٍ: قالَ الأذرَعيُّ: والمُختارُ الأقوَى الجَوازُ، وإنْ لم يَشتَرطِ الواقفُ التَّغييرَ، ما لم يَصُدَّ عنه نَصٌّ أو إجماعٌ؛ إذْ غَرضُ الواقفِ الاستِعمالُ وتَكثيرُ الرَّيعِ على المَوقوفِ عليه بلا شَكٍّ لا مُسمَّى البُستانِ ونحوُه.

وقد قالَ القفَّالُ: إنه لا بُدَّ مِنْ النَّظرِ إلى مَقاصدِ الواقِفينَ، وكلُّ أحَدٍ يَجزمُ بأنَّ غرَضَه تَوفيرُ الرَّيعِ على جِهةِ الوَقفِ، وقد يَحدثُ على تَعاقُبِ الأزمانِ مَصالحُ لم تَظهرْ في الزَّمنِ الماضي وتَظهرُ الغِبطةُ في شيءٍ يُقطَعُ بأنَّ الواقفَ لو أُطلِعَ عليه لم يَعدِلْ عنه، فيَنبغي للناظِرِ أو الحاكِمِ فِعلُه، واللهُ يَعلَمُ المُفسِدَ مِنْ المُصلِحِ، ولا سِيَّما إذا عَظُمَتِ الأجرةُ وتَضاعفَتِ الفائِدةُ، والتَّسميةُ بالدارِ أو البُستانِ إنَّما يُقصدُ به غالبًا التَّعريفُ لإبقاءِ الاسمِ مع ظُهورِ المَصلحةِ الظاهِرةِ في غَيرِه ظُهورًا عَظيمًا، كدارٍ ظَهرُها مُجاوِرٌ لسوقٍ أُخِذتْ أجرَتُها في الشَّهرِ عَشرةٌ مثلًا، ولو عُمِلتْ حَوانيتُ فبلَغَتْ مِائةً أو مِائتينِ مع خِفَّةِ عِمارتِها ومَرمَّتِها فيما يُستقبلُ، وحِينئذٍ فلا معنى للجُمودِ على بَقاءِ اسمِ الدارِ مِنْ غيرِ تَنصيصٍ مِنْ الواقفِ عليه، وقَولُ الشُّروطيِّ: «وَقفُ جَميعِ الدارِ أو البُستانِ» للتَّعريفِ، والمُختارُ مِنْ وَجهَي القاضي حُسينٍ الأولُ عندَ ظُهورِ المَصلحةِ في الغَرسِ، وعليه العملُ ببلادِ الشامِ في قُرى الاستِغلالِ مِنْ غيرِ نَكيرٍ، فهذا ما ظهَرَ لي، فإنْ يَكنْ صَوابًا فمِن اللهِ وتَوفيقِه، وإلا فهو مِنِّي، وأكثَرُ الواقِفينَ يَقولُ في شَرطِه: وعلى الناظِرِ فِعلُ ما فيه النَّماءُ والمَزيدُ لغَلَّاتِه ونَحوُ ذلكَ. اه كَلامُ الأذرَعيِّ.

وهو مُصرَّحٌ فيهِ كما تَرى بأنَّ اختِيارَه هذا خارجٌ عن المَذهبِ؛ إذِ المَذهبُ كما عُلِمَ ممَّا مَرَّ أنه مَتى أدَّى التَّغييرُ إلى تَغييرِ الاسمِ مع الجِنسِ كأنْ يَجعلَ الدارَ بُستانًا أو حَمَّامًا امتَنعَ، بخِلافِ جَعلِ حانوتِ الحَدَّادِ حانوتَ قَصَّارٍ؛ لبَقاءِ الاسمِ، وإنَّما المُتغيِّرُ النَّوعُ دونَ الجِنسِ، وبهذا يُعلَمُ أنَّ الأرجَحَ مِنْ وَجهَي القاضي المُختلَفِ فيهما تَرجيحُ السُّبكيِّ والأذرَعيِّ كما عَلِمتَ (١).

وأمَّا الحَنفيةُ فجاءَ في «الفَتاوى «الهِنديَّة»: ولا يَجوزُ تَغييرُ الوَقفِ عن هَيئتِه، فلا يَجعلُ الدارَ بُستانًا ولا الخانَ حَمَّامًا ولا الرِّباطَ دُكَّانًا، إلا إذا جعَلَ الواقفُ إلى الناظِرِ ما يَرَى فيهِ مَصلحةَ الوَقفِ، كذا في «السِّراج الوَهَّاج» (٢).

(١) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٣/ ١٥٣، ١٥٦)، ويُنظَر: «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٠)، و «حاشية عميرة على كنز الراغبين» (٣/ ٢٦٥).
(٢) «الفتاوى الهندية» (٢/ ٤٩٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 530 - 537

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله