الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > ثالثا: وقف المنفعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو وقَفَ أشجارًا (١) قائِمةً، فالقِياسُ ألَّا يَجوزَ؛ لأنه وقَفَ المَنقولَ، وفي الاستِحسانِ يَجوزُ؛ لتَعامُلِ الناسِ ذلكَ.
وأمَّا وَقفُ الكُتبِ فلا يَجوزُ على أصلِ أبي حَنيفةَ، وأمَّا على قَولِهما فقدِ اختَلفَ المَشايخُ فيهِ، وحُكِيَ عن نَصرِ بنِ يَحيى أنه وقَفَ على الفُقهاءِ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ (٢).
ثالثًا: وَقفُ المَنفعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَنفعةِ، هل يَجوزُ وَقفُها دونَ الرَّقبةِ كمَن استَأجرَ دارًا وأوقَفَها؟ أم لا يَجوزُ وَقفُها إلا مع الرَّقبةِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى عَدمِ جَوازِ وَقفِ المَنفعةِ دونَ الرَّقبةِ، مُؤقَّتةً كانَتْ كالإجارةِ أو مُؤبَّدةً كالوَصيةِ؛ لأنَّ الرَّقبةَ أصلٌ والمَنفعةَ فَرعٌ، والفَرعُ يَتبعُ الأصلَ، ولأنَّ مِنْ شَرطِ الوَقفِ أنْ تَكونَ عَينًا يُنتفعُ بها مع بَقاءِ عَينِها، وأنْ تَكونَ مُؤبَّدةً (٣).
(١) قالَ ابنُ عابدِينَ في «الحامدية» (٢/ ٢٠٧): والشَّجرُ مِنْ قَبيلِ المَنقولِ كما صرَّحَ به في «البَحْر».
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢٠).
(٣) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٣)، و «العناية شرح الهداية» (٨/ ٣٣١، ٣٣٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠١)، و «اللباب» (١/ ٦٢١)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٤، ٢١٢)، و «ابن عابدين» (٤/ ١٤١)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥١٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٦٠)، و «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٣/ ٣٥٨)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٠).
وذهَبَ المالِكيةُ -خِلافًا لابنِ الحاجِبِ- إلى جَوازِ وَقفِ المَنفعةِ، فليسَ مِنْ شَرطِ الوَقفِ أنْ تَكونَ رَقبَتُه مَملوكَةً للواقِفِ، بل يَجوزُ استِئجارُ دارٍ مُدَّةً مَعلومةً لوَقفِ مَنفعتِها في تلكَ المدَّةِ، ويَنقضَي الوَقفُ بانقِضائِها؛ لأنه لا يُشترطُ فيهِ التَّأبيدُ ولو كانَتِ الدارُ المُستأجَرةُ مَوقوفةً، فمَن استَأجَرَ دارًا مُحبَّسةً مدَّةً فله تَحبيسُ مَنفعتِها على مُستحِقٍّ آخَرَ غيرِ الأوَّلِ في تلكَ المُدَّةِ، وأمَّا المُحبَّسُ عليه فليسَ له تَحبيسُ المَنفعةِ التي يَستحِقُّها؛ لأنه لا يَمتلِكُها؛ لأنَّ المَوقوفَ عليه إنما يَملكُ الانتفاعَ لا المَنفعةَ (١).
وسَببُ اختِلافِهم: هل يُشترَطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ أم لا؟
فمَن قالَ: يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ -وهُم الجُمهورُ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ كما تقدَّمَ- قالوا: لا يَجوزُ وَقفُ العينِ المُؤجَّرةِ.
ومَن قالَ أنه لا يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ -وهُم المالِكيةُ- قالوا: يَصحُّ وَقفُ المَنفعةِ، بأنْ يَستأجِرَ دارًا مُدَّةً مَعلومةً ويُوقِفَ مَنفعتَها في تلكَ المدَّةِ، ويَنقضِي الوَقفُ بانقِضائِها.
وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بتَمامِها في وَقفِ العينِ المُؤجَّرةِ.
(١) «المختصر الفقهي» (١٣/ ١٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٦)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٧٨، ٤٧٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٦١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٧٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.