حكم الرجوع في الوقف

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > حكم الرجوع في الوقف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

حكم الرجوع في الوقف - الأقوال والأدلة

حُكمُ الرُّجوعِ في الوَقفِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الواقفِ هل يَصِحُّ رُجوعُه عن الوَقفِ أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ -وعليهِ الفَتوَى عندَهُم- والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ الرُّجوعُ في الوَقفِ إذا تَمَّ؛ لأنه لازِمٌ عندَهُم إمَّا بالقَبضِ أو بالقَولِ، وقد تَقَدَّمتْ أدِلَّتُهم قبلَ قَليلٍ في حُكمِ الوَقفِ هل هو لازِمٌ أم جائِزٌ؟

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ الوَقفَ غيرُ لازِمٍ كما تَقدَّمَ، ويَبقَى الوَقفُ على مِلكِه وله الرُّجوعُ عنه وبَيعُه، إلا إذا حكَمَ به حاكِمٌ أو يُعلِّقَه بمَوتِه فيَقولُ: «إنْ مِتُّ فقدْ وقَفْتُ دارِي على كذا»، أو أنْ يَجعلَه مَسجدًا ويَفرِزَه عن مِلكِه ويَأذنَ للناسِ بالصلاةِ فيه، فعِندَئذٍ لا يَجوزُ له الرُّجوعُ فيه ويَلزمُ كما تقدَّمَ بيانُه (١).

(١) «اللباب» (١/ ٦١٧)، ويُنظَر: «المبسوط» (١٢/ ٣٤)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٩، ٢٠)، و «الهداية» (٣/ ١٩)، و «العناية» (٨/ ٣٥٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٢٥، ٣٢٦)، و «الاختيار» (٣/ ٤٩، ٥٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٩٧، ٩٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٤٥، ٢٤٦) رقم (١٠٩١)، و «المعونة» (٢/ ٤٨٩)، و «الذخيرة» (٦/ ٣٢٣)، و «الشرح الكبير مَعَ حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٧٩)، و «الإقناع» للماوردي (١١٩)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥١٥، ٥٢١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٩)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٥).

قالَ الطَّحاوِيُّ رحمة الله عليه: حدَّثَنا يُونسُ قالَ: أخبَرَنا ابنُ وَهبٍ أنَّ مالِكًا أخبَرَه عن زيادِ بنِ سَعدٍ عن ابنِ شِهابٍ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه قالَ: «لَولا أني ذَكَرتُ صَدَقتي لرَسولِ اللهِ أو نَحوَ هذا- لَردَدتُها» (١)، فلمَّا قالَ عمرُ رضي الله عنه هذا دَلَّ ذلكَ أنَّ نَفسَ الإيقافِ للأرضِ لم يَكنْ يَمنعُه مِنْ الرُّجوعِ فيها، وأنه إنَّما منَعَه مِنْ الرُّجوعِ فيها أنَّ رَسولَ اللهِ أمَرَه فيها بشيءٍ وفارَقَه على الوَفاءِ به، فكَرِهَ أنْ يَرجعَ عن ذلكَ، كما كَرهَ عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو أنْ يَرجعَ بعد مَوتِ رَسولِ اللهِ عن الصَّومِ الذي كانَ فارَقَه عليه أنْ يَفعلَه، وقد كانَ له أنْ لا يَصومَ (٢).

قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ رحمة الله عليه: واستَدلَّ الطَّحاويُّ بقَولِ عُمرَ هذا لأبي حَنيفةَ وزُفرَ في أنَّ إيقافَ الأرضِ لا يَمنعُ مِنْ الرُّجوعِ فيها، وأنَّ الذي منَعَ عُمرَ مِنْ الرُّجوعِ كَونُه ذكَرَه للنبيِّ فكَرِهَ أنْ يُفارِقَه على أمرٍ ثمَّ يُخالِفَه إلى غيرِه، ولا حُجَّةَ فيما ذكَرَه مِنْ وَجهَينِ:

أحَدُهما: أنه مُنقطِعٌ؛ لأنَّ ابنَ شِهابٍ لم يُدرِكْ عُمرَ.

ثانيهِما: أنه يَحتملُ ما قدَّمتُه، ويَحتملُ أنْ يَكونَ عُمرُ كانَ يَرى بصحَّةِ الوَقفِ ولُزومِه إلا إنْ شرَطَ الواقِفُ الرُّجوعَ فله أنْ يَرجعَ، وقد رَوى الطَّحاويُّ عن عليٍّ مثلَ ذلكَ، فلا حُجَّةَ فيه لمَن قالَ بأنَّ الوَقفَ غيرُ

(١) مُنقطِعٌ.
(٢) «شرح معاني الآثار» (٤/ ٩٦).

لازمٍ مع إمكانِ هذا الاحتِمالِ، وإنْ ثبَتَ هذا الاحتِمالُ كانَ حُجَّةً لمَن قالَ بصحَّةِ تَعليقِ الوَقفِ، وهو عندَ المالِكيةِ، وبه قالَ ابنُ سُريجٍ، وقالَ: تَعودُ مَنافعُه بعدَ المُدَّةِ المُعيَّنةِ إليه ثُمَّ إلى وَرثتِه، فلو كانَ التَّعليقُ مَآلًا صَحَّ اتِّفاقًا كما لو قالَ: «وقَفتُه على زَيدٍ سَنةً ثُمَّ على الفُقراءِ»، وحَديثُ عُمرَ هذا أصلٌ في مَشروعيةِ الوَقفِ، قالَ أحمدُ: حدَّثَنا حمَّادٌ هو ابنُ خالِدٍ: حدَّثَنا عَبدُ اللهِ هو العُمريُّ عن نافِعٍ عن ابنِ عمرَ قالَ: «أوَّلُ صَدقةٍ -أي مَوقوفةٍ- كانَتْ في الإسلامِ صَدقةُ عُمرَ»، ورَوى عُمرُ بنُ شَبَّةَ عن عَمرِو بنِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ قالَ: «سَألْنا عن أوَّلِ حَبسٍ في الإسلامِ، فقالَ المُهاجِرونَ: صَدقةُ عُمرَ، وقالَ الأنصارُ: صَدقةُ رَسولِ اللهِ »، وفي إسنادِه الواقِديُّ، وفي مَغازِي الواقِديِّ أنَّ أولَ صَدقةٍ مَوقوفةٍ كانَتْ في الإسلامِ أَراضِي مُخَيريقٍ -بالمُعجَمةِ مُصغَّرٌ- التي أَوصَى بها إلى النبيِّ فوقَفَها النبيُّ ، قالَ التِّرمِذيُّ: لا نَعلمُ بينَ الصَّحابةِ والمُتَقدِّمينَ مِنْ أهلِ العِلمِ خِلافًا في جَوازِ وَقفِ الأرَضينَ، وجاءَ عن شُريحٍ أنه أنكَرَ الحَبسَ، ومِنهم مَنْ تَأوَّلَه، وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَلزمُ، وخالَفَه جَميعُ أصحابِه إلا زُفرَ بنُ الهُذيلِ، فحَكى الطَّحاويُّ عن عيسَى بنُ أبانَ قالَ: كانَ أبو يُوسفَ يُجيزُ بَيعَ الوَقفِ، فبلَغَه حَديثُ عُمرَ هذا فقالَ: مَنْ سَمِعَ هذا مِنْ ابنِ عَونٍ؟ فحدَّثَه به ابنُ عُليَّةَ، فقالَ: هذا لا يَسعُ أحَدًا خِلافُه، ولو بلَغَ أبا حَنيفةَ لَقالَ به، فرجَعَ عن بَيعِ الوَقفِ حتى صارَ كأنه لا خِلافَ فيهِ بينَ أحَدٍ. اه

ومع حِكايةِ الطَّحاويِّ هذا فقدِ انتَصرَ كعادَتِه فقالَ: قَولُه في قصَّةِ عُمرَ: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ» لا يَستلزِمُ التَّأبيدَ، بل يَحتملُ أنْ يَكونَ أرادَ مدَّةَ اختِيارِه لذلك. اه

ولا يَخفَى ضَعفُ هذا التَّأويلِ، ولا يُفهَمُ مِنْ قَولِه: «وَقَفتُ وحَبَّستُ» إلا التَّأبيدُ حتى يُصرِّحَ بالشرطِ عندَ مَنْ يَذهبُ إليه، وكأنه لم يَقِفْ على الرِّوايةِ التي فيها «حَبيسٌ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرضُ»، قالَ القُرطبيُّ: رَدُّ الوَقفِ مُخالِفٌ للإجماعِ فلا يُلتفَتُ إليهِ، وأحسَنُ ما يُعتذَرُ به عمَّن رَدَّه ما قالَ أبو يُوسفَ، فإنه أعلَمُ بأبي حَنيفةَ مِنْ غَيرِه، وأشارَ الشافِعيُّ إلى أنَّ الوَقفَ مِنْ خَصائِصِ أهلِ الإسلامِ -أيْ وَقفُ الأراضِي والعَقارِ- قالَ: ولا نَعرفُ أنَّ ذلكَ وقَعَ في الجَاهليةِ، وحَقيقةُ الوَقفِ شَرعًا ورُودُ صِيغةٍ تَقطعُ تَصرُّفَ الواقفِ في رَقبةِ المَوقوفِ الذي يَدومُ الانتفاعُ بهِ وتُثبِتُ صَرْفَ مَنفعتِه في جِهةِ خَيرٍ (١).

وقالَ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه: والحاصِلُ أنه لا خِلافَ في صحَّتِه، وإنَّما الخِلافُ في لُزومِه، فقالَ بعَدمِه وقالَا به، فلا يُباعُ ولا يُورثُ، ولَفظُ الواقفِ يَنتظمُهما، والتَّرجيحُ بالدَّليلِ.

وقدْ أكثَرَ الخَصَّافُ مِنْ الاستدلالِ لهُمَا بوُقوفِ النبيِّ وأصحابِه رضي الله عنهم، وقد كانَ أبو يُوسفَ مع الإمامِ حتى حَجَّ مع الرَّشيدِ ورَأى وُقوفَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم بالمَدينةِ ونَواحيها، رجَعَ وأَفتَى بلُزومِه.

(١) «فتح الباري» (٥/ ٤٠٢، ٤٠٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 75 - 78

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده