الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > حكم انتزاع ملكية الوقف للمصلحة العامة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 25 دقيقة قراءةحُكمُ انتِزاعِ مِلكيَّةِ الوَقفِ للمَصلحةِ العامَّةِ:
المَصلحةُ العامَّةُ: هي المَنفعةُ التي يَنتفعُ بها عامَّةُ الناسِ وتَسُدُّ حاجَتَهم في مَجالٍ مُعيَّنٍ، كإقامةِ المَساجدِ والمَقابرِ والطُّرقِ والآبارِ ونَحوِ ذلكَ.
فإذا احتاجَ الناسُ أخْذَ وَقفٍ ما وتَحويلَه عن كَونِه وَقفًا في المَجالِ الذي أرادَهُ الواقفُ إلى مَجالٍ مِنْ مَجالاتِ الانتفاعِ العامِّ، كأنْ يَحتاجَ الناسُ إلى تَوسِعةِ مَسجدٍ أو تَوسِعةِ طَريقٍ أو مَقبرةٍ، ويَكونُ ذلكَ على حِسابِ وَقفٍ لجِهةٍ مُعيَّنةٍ أو لأفرادٍ، فيُضطَرُ إمامُ المُسلِمينَ إلى انتِزاعِ مِلكيةِ هذا الوَقفِ بثَمنِه، ومِن ثَمَّ يَدخلُ هذا الوَقفُ في المَسجدِ أو في تَوسِعةِ الطَّريقِ أو المَقبرةِ أو نَحوِ ذلكَ.
والأصلُ أنه لا يَجوزُ انتِزاعُ مِلكيَّةِ الوَقفِ إلَّا في حالاتٍ مُعيَّنةٍ وللضرورةِ أوِ الحاجةِ ذكَرَها الفُقهاءُ.
وقد نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ على جَوازِ انتِزاعِ مِلكيةِ الوَقفِ للمَصلحةِ العامَّةِ؛ لِما ورَدَ عن الصَّحابةِ رضي الله عنهم أنهُم لمَّا ضاقَ المَسجدُ الحَرامُ أخَذُوا أرضَينِ بكُرهٍ مِنْ أصحابِها بالقِيمةِ، وزادُوا في المَسجدِ الحَرامِ (١).
قالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه في الدُّورِ التي كانَتْ حَولَ مَسجدِه ﷺ وهي مُحبَّسةٌ إنها اشتُرِيتْ وزِيدَتْ فيهِ (٢).
(١) «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٣١)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٧٦)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٧٩).
(٢) «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٥).
ولأنَّ النَّفعَ العامَّ كنَفعِ المَسجدِ والمَقبرةِ والطَّريقِ أكثَرُ مِنْ نَفعِ الوَقفِ، فهو قَريبٌ لغَرضِ الواقفِ (١).
قالَ الحَنفيةُ: ولو ضاقَ المَسجدُ وبجَنبِه أرضُ وَقفٍ عليه أو حانوتٌ جازَ أنْ يُؤخذَ ويُدخلَ فيهِ، ولو كانَ مِلكَ رَجلٍ أُخِذَ بالقيمةِ كَرهًا، فلو كانَ طَريقًا للعامةِ أُدخِلَ بَعضُه، بشَرطِ ألَّا يَضُرَّ بالطريقِ، وفي كِتابِ الكَراهِيةِ مِنْ «الخُلاصَة» عن الفَقيهِ أبي جعفرٍ عن هِشامٍ عن مُحمدٍ أنه يَجوزُ أنْ يُجعلَ شيءٌ مِنْ الطَّريقِ مَسجدًا، أو يُجعلَ شيءٌ مِنْ المَسجدِ طَريقًا للعامَّةِ. اه، يَعني إذا احتاجُوا إلى ذلكَ (٢).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (وإنْ جُعِلَ شيءٌ مِنْ الطريقِ مَسجدًا صَحَّ كعَكسِه) يَعني: إذا بَنى قَومٌ مَسجدًا واحتاجوا إلى مَكانٍ ليَتَّسعَ فأدخَلُوا شيئًا مِنْ الطَّريقِ ليَتَّسعَ المَسجدُ وكانَ ذلكَ لا يَضرُّ بأصحابِ الطَّريقِ جازَ ذلكَ، وكذا إذا ضاقَ المَسجدُ على الناسِ وبجَنبِه أرضٌ لرَجلٍ تُؤخذُ أرضُه بالقيمَةِ كَرهًا؛ لِما رُويَ عن الصَّحابةِ رضي الله عنهم لمَّا ضاقَ المَسجدُ الحَرامُ أخَذُوا أرضَينِ بكُرهٍ مِنْ أصحابِها بالقِيمةِ، وزادوا في المَسجدِ الحَرامِ.
ومعنَى قَولِه: (كعَكسِه): أنه إذا جعَلَ في المَسجدِ مَمرًّا فإنه يَجوزُ؛ لتَعارُفِ أهلِ الأمصارِ في الجَوامعِ، وجازَ لكُلِّ أحَدٍ أنْ يَمُرَّ فيهِ حتى الكافِرُ،
(١) «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٥)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٣٤٩).
(٢) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٣٥).
إلا الجُنبَ والحائِضَ والنُّفساءَ؛ لِما عُرِفَ في مَوضِعِه، وليسَ لهم أنْ يُدخِلوا فيهِ الدَّوابَّ، كذا ذكَرَه الشارِحُ رحمة الله عليه.
وفي «الخانِيَّة»: طريقٌ للعامَّةِ وهي واسِعةٌ فبَنَى فيه أهلُ المَحلَّةِ مَسجدًا للعامَّةِ ولا يَضُرُّ ذلكَ بالطريقِ، قالوا: لا بَأسَ به، وهكذا رُويَ عن أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ الطَّريقَ للمُسلمينَ، والمَسجدُ لهُم أيضًا، وإنْ أرادَ أهلُ المَحَلَّةِ أنْ يُدخِلوا شيئًا مِنْ الطَّريقِ في دُورِهم وذلكَ لا يَضرُّ بالطريقِ لا يَكونُ لهُم ذلكَ، ولأهلِ المَحلَّةِ تَحويلُ بابِ المَسجدِ مِنْ مَوضعٍ إلى مَوضعٍ آخَرَ.
قَومٌ بَنَوا مَسجدًا واحتاجوا إلى مَكانٍ ليَتَّسعَ المَسجدُ، فأخَذُوا مِنْ الطريقِ وأدخَلُوهُ في المَسجدِ، إنْ كانَ ذلكَ يَضرُّ بالطَّريقِ لا يَجوزُ، وإلَّا فلا بَأسَ به.
ولو ضاقَ المَسجدُ على الناسِ وبجَنبِه أرضٌ لرَجلٍ تُؤخَذُ أرضُه بالقِيمةِ كَرهًا، ولو كانَ بجَنبِ المَسجدِ أرضُ وَقفٍ على المَسجدِ فأرادُوا أنْ يَزيدوا شَيئًا في المَسجدِ مِنْ الأرضِ جازَ ذلكَ بأَمرِ القاضِي. اه (١).
وجاءَ في «الدُّر المُختَار»: (جُعِلَ شَيءٌ) أي: جعَلَ الباني شيئًا (مِنْ الطريقِ مَسجدًا) لضِيقِه ولم يَضُرَّ بالمارِّينَ (جازَ)؛ لأنهما للمُسلِمينَ (كعَكسِه) أي: كجَوازِ عَكسِه، وهو ما إذا جُعِلَ في المَسجدِ مَمَرٌّ لتَعارُفِ
(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٧٦)، ويُنظَر: «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٣٢).
أهلِ الأمصارِ في الجَوامعِ، وجازَ لكلِّ أحَدٍ أنْ يَمرَّ فيهِ حتى الكافِرُ، إلا الجُنبَ والحائِضَ والدَّوابَّ، زَيلَعِيٌّ، (كما جازَ جَعلُ) الإمامِ (الطَّريقَ مَسجدًا، لا عَكسُه)؛ لجَوازِ الصلاةِ في الطريقِ لا المُرورِ في المَسجدِ، (تُؤخذُ أرضٌ) ودارٌ وحانوتٌ (بجَنبِ مَسجدٍ ضاقَ على الناسِ بالقيمَةِ كَرهًا) «دُرَرٌ» و «عِمادِيةٌ».
وقالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه في حاشِيَتِه «رَد المُحتارِ على الدُّرِّ المُختارِ»: مَطلبٌ في جَعلِ شيءٍ مِنْ المَسجدِ طَريقًا:
قَولُهُ: (مِنَ الطَّريقِ) أطلَقَ في الطَّريقِ، فعَمَّ النافِذَ وغيرَه، وفي عِبارتِهم ما يُؤيِّدُه، (ط)، وتَمامُه فيهِ.
قَولُه: (لضِيقِه ولم يَضُرَّ بالمارِّينَ) أفادَ أنَّ الجَوازَ بهذَينِ الشَّرطَينِ (ط).
قَولُه: (جازَ) ظاهِرُه أنه يَصيرُ له حُكمُ المَسجدِ، وقد قالَ في «جامِع الفُصولَيْنِ»: المَسجدُ الذي يُتَّخذُ مِنْ جانِبِ الطريقِ لا يَكونُ له حُكمُ المَسجدِ، بل هو طَريقٌ، بدَليلِ أنه لو رفَعَ حَوائِطَه عادَ طَريقًا كما كانَ قبلَه. اه «شُرنبُلاليةٌ».
قلتُ: الظاهِرُ أنَّ هذا في مَسجِدٍ جُعِلَ كلُّه مِنْ الطَّريقِ، والكَلامُ فيما أُدخِلَ مِنْ الطريقِ في المَسجدِ، وهذا لا مانِعَ مِنْ أخذِه حُكمَ المَسجدِ حَيثُ جُعِلَ منه، كمَسجدِ مَكةَ والمَدينةِ، وقد مَرَّ قُبيلَ الوِترِ والنَّوافلِ في بَحثِ أحكامِ المَسجدِ أنَّ ما أُلحِقَ بمَسجدِ المَدينةِ مُلحَقٌ به في الفَضيلةِ، نعم تَحرِّي الأوَّلِ أَولَى. اه، فافهَمْ.
قولُه: (كعَكسِه) فيهِ خلافٌ كما يَأتي تَحريرُه، وهذا عندَ الاحتِياجِ كما قَيَّدَه في «الفَتح»، فافهَمْ.
قولُه: (لتَعارُفِ أهلِ الأمصارِ في الجَوامعِ) لا نَعلمُ ذلكَ في جَوامعِنا.
نعمْ، تَعارَفَ الناسُ المُرورَ في مَسجدٍ له بابانِ، وقد قالَ في «البَحر»: وكذا يُكرَهُ أنْ يُتَّخذَ المَسجدُ طَريقًا وأنْ يَدخلَه بلا طَهارةٍ. اه
نعم، يُوجَدُ في أطرافِ صَحنِ الجَوامِعِ رِواقاتٌ مَسقوفةٌ للمَشيِ فيها وَقتَ المَطرِ ونَحوِه لأجلِ الصلاةِ أو للخُروجِ مِنْ الجامِعِ، لا لمُرورِ المارِّينَ مُطلَقًا كالطريقِ العامِّ، ولعَلَّ هذا هو المُرادُ، فمَن كانَ له حاجةٌ إلى المُرورِ في المَسجدِ يَمُرُّ في ذلكَ المَوضعِ فقط، ليكونَ بَعيدًا عن المُصلِّينَ وليَكونَ أعظَمَ حُرمةً لمَحَلِّ الصلاةِ، فتَأمَّلْ.
قولُه: (حتى الكافِرُ) اعتُرِضَ بأنَّ الكافِرَ لا يُمنَعُ مِنْ دُخولِ المَسجدِ حتى المَسجد الحَرامِ، فلا وَجهَ لجَعلِه غايةً هُنا.
قلتُ: في «البَحر» عن «الحاوي»: ولا بَأسَ أنْ يَدخل الكافِرُ وأهلُ الذِّمةِ المَسجدَ الحَرامَ وبَيتَ المَقدِسِ وسائرَ المَساجِدِ لمَصالحِ المَسجدِ وغَيرِها مِنْ المهمَّاتِ. اه
ومَفهومُه أنَّ في دُخولِه لغَيرِ مهمَّةٍ بَأسًا، وبه يَتَّجهُ ما هُنا، فافهَمْ.
قولُه: (كما جازَ … إلخ) قالَ في «الشُّرنبُلالية»: فيه نَوعُ استِدراكٍ بما تقدَّمَ، إلا أنْ يُقالَ ذاكَ في اتِّخاذِ بَعضِ الطريقِ مَسجدًا، وهذا في اتِّخاذِ جَميعِها، ولا بُدَّ مِنْ تَقييدِه بما إذا لم يَضُرَّ كما تقدَّمَ، ولا شَكَّ أنَّ الضَّررَ
ظاهِرٌ في اتِّخاذِ جَميعِ الطريقِ مَسجدًا؛ لإبطالِ حقِّ العامَّةِ مِنْ المُرورِ المُعتادِ لدَوابِّهم وغَيرِها، فلا يُقالُ به إلا بالتَّأويلِ، بأنْ يُرادَ بَعضُ الطريقِ لا كلُّه، فليُتأمَّلْ. اه
وأُجيبَ بأنَّ صُورتَه ما إذا كانَ لمَقصدٍ طَريقانِ واحتاجَ العامَّةُ إلى مَسجدٍ فإنه يَجوزُ جَعلُ أحَدِهم مَسجدًا وليسَ فيه إبطالُ حقِّهِم بالكُلِّيةِ.
قولُه: (لا عَكسُه) يَعني: لا يَجوزُ أنْ يُتَّخذَ المَسجدُ طَريقًا، وفيهِ نَوعُ مُدافَعةٍ لِما تقدَّمَ، إلا بالنَّظرِ للبَعضِ والكلِّ. «شُرنبُلالية».
قلتُ: إنَّ المُصنِّفَ قد تابَعَ صاحِبَ «الدُّرَر» مع أنه في «جامِع الفُصولَيْنِ» نقَلَ أولًا: جعَلَ شيئًا مِنْ المَسجدِ طَريقًا ومِن الطَّريقِ مَسجدًا جازَ، ثمَّ رمَزَ لكِتابٍ آخَرَ: لو جعَلَ الطريقَ مَسجدًا يَجوزُ لا جَعلُ المَسجدِ طَريقًا؛ لأنه لا تَجوزُ الصلاةُ في الطريقِ، فجازَ جَعلُه مَسجدًا، ولا يَجوزُ المُرورُ في المَسجدِ، فلم يَجُزْ جَعلُه طَريقًا. اه
ولا يَخفَى أنَّ المُتبادَرَ أنهما قَولانِ في جَعلِ المَسجدِ طَريقًا بقَرينةِ التَّعليلِ المَذكورِ، ويُؤيِّدُه ما في «التَّتارخانِية» عن فتاوى أبي اللَّيثِ: وإنْ أرادَ أهلُ المَحَلَّةِ أنْ يَجعلوا شيئًا مِنْ المَسجدِ طَريقًا للمُسلمينَ فقدْ قيلَ: ليسَ لهم ذلكَ وأنهُ صَحيحٌ، ثمَّ نُقلَ عن «العَتَّابية» عن «خُوَاهر زادَه» إذا كانَ الطريقُ ضَيِّقًا والمَسجدُ واسِعًا لا يَحتاجونَ إلى بَعضِه تَجوزُ الزيادةُ في الطريقِ مِنْ المَسجدِ؛ لأنَّ كُلَّها للعامَّة. اه
والمُتونُ على الثاني، فكانَ هو المُعتمَدَ، لكنْ كَلامُ المُتونِ في جَعلِ شيءٍ منه طَريقًا، وأمَّا جَعلُ كلِّ المَسجدِ طَريقًا فالظاهِرُ أنه لا يَجوزُ قَولًا واحِدًا، نعم في «التَّتارْخانِية»: سُئلَ أبو القاسِمِ عن أهلِ مَسجدٍ أرادَ بَعضُهم أنْ يَجعلُوا المَسجدَ رَحبةً والرَّحبةَ مَسجدًا، أو يَتَّخِذوا له بابًا أو يُحوِّلوا بابَه عن مَوضِعِه وأبَى البَعضُ ذلكَ، قالَ: إذا اجتَمعَ أكثَرُهم وأفضَلُهم ليسَ للأقلِّ مَنعُهم. اه
قُلتُ: ورَحبةُ المَسجدِ: ساحَتُه، فهذا إنْ كانَ المُرادُ به جعْلَ بَعضِه رَحبةً فلا إشكالَ فيهِ، وإنْ كانَ المُرادُ جعْلَ كلِّه فليسَ فيهِ إبطالُه مِنْ كُلِّ جِهةٍ؛ لأنَّ المُرادَ تَحويلُه بجَعلِ الرَّحبةِ مَسجدًا بدَلَه، بخِلافِ جَعلِه طَريقًا، تأمَّلْ.
ثمَّ ظاهِرُ ما نقَلْناهُ أنَّ تَقييدَ الشارحِ أولًا بالباني وثانيًا بالإمامِ غَيرُ قَيدٍ؛ نعمْ في «التَّتارخانِية»: وعن مُحمدٍ في مَسجدٍ ضاقَ بأهلِه لا بَأسَ بأنْ يُلحَقَ به مِنْ طَريقِ العامَّةِ إذا كانَ واسِعًا، وقيلَ: يَجبُ أنْ يَكونَ بأمرِ القاضي، وقيلَ: إنَّما يَجوزُ إذا فُتِحَتِ البَلدةُ عُنوةً لا صُلحًا (١).
وقد نَصَّ المالِكيةُ على جَوازِ بَيعِ الوَقفِ وانتِزاعِه ممَّن وُقِفَ عليهِم، سَواءٌ كانَ على مُعيَّنٍ أو جِهةٍ عامَّةٍ، قالوا: لا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ إلا في ثَلاثِ حالاتٍ ولو غيرَ خَرِبٍ:
(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٧٦، ٣٧٩).
١ - لتَوسيعِ مَسجدٍ إذا ضاقَ المَسجدُ بأهلِه واحتاجَ إلى تَوسِعةٍ وبجانِبِه عَقارٌ حَبسٌ أو مِلكٌ، فإنه يَجوزُ بَيعُ الحَبسِ لأجلِ تَوسِعةِ المَسجدِ.
٢ - وتَوسِعةِ طَريقِ المُسلمينَ.
٣ - وتَوسيعِ مَقبرةٍ للمُسلمينَ؛ لأنه نَفعٌ عامٌّ للمُسلمينَ، ونَفعُ ذلكَ أعَمُّ مِنْ بَيعِ الدارِ المُحبَّسةِ، وسَواءٌ كانَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ أو غيرِ مُعيَّنٍ …
وإنْ أبَى صاحِبُ الحَبسِ أو الناظِرُ أو صاحِبُ المِلكِ عن بَيعِ ذلكَ فالمَشهورُ أنهم يُجبَرونَ على بَيعِ ذلكَ.
وإذا باعَ أربابُ الدُّورِ المُحبَّسةِ لأجلِ تَوسِعةِ المَسجدِ أو المَقبرةِ أو الطَّريقِ فأخَذوا الثَّمنَ فإنهُم يُؤمَرونَ بأنْ يَجعلوهُ في حَبسٍ غيرِه (١).
قالَ الخرشِيُّ عندَ قَولِ خَليلٍ: (ص): إلَّا لتَوسيعٍ كمَسجدٍ ولو جَبْرًا، (ش): تقدَّمَ أنَّ الحَبسَ لا يَجوزُ بَيعُه ولو صارَ خَرِبًا إلا العَقارَ، وفي هذه المَسألةِ وهيَ ما إذا ضاقَ المَسجدُ بأهلِه واحتاجَ إلى تَوسِعةٍ وبجانِبِه عقَارٌ حَبسٌ أو مِلكٌ فإنه يَجوزُ بَيعُ الحَبسِ لأجلِ تَوسِعةِ المَسجدِ، وإنْ أبَى صاحِبُ الحَبسِ أو صاحِبُ المِلكِ عن بَيعِ ذلكَ فالمَشهورُ أنهمْ يُجبَرونَ على بَيعِ ذلكَ، ويُشتَرى بثَمنِ الحَبسِ ما يُجعلُ حَبسًا كالأولِ، ومثلُ تَوسِعةِ المَسجدِ تَوسِعةُ
(١) «المنتقى» (٦/ ١٣١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٨٠، ٤٨١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٢، ٥٨٣)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٤، ٩٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٧)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٤)، و «منح الجليل» (٨/ ١٥٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٨١).
طَريقِ المُسلمينَ ومَقبرتِهم، وأخَلَّ المُؤلِّفُ بتَقييدِ المَسجدِ بكَونِه للجَماعةِ، وظاهِرُه كانَ المَسجدُ مُتقدِّمًا أو مُتأخِّرًا، واحتَرزَ بقَولِه: كمَسجدٍ مِنْ المِيضأةِ.
(ص): وأُمِروا بجَعلِ ثَمنِه لغيرِه، (ش): يَعني أنَّ العَقارَ الحَبسَ إذا بِيعَ لأجْلِ تَوسِعةِ مَسجدٍ أو طَريقٍ أو مَقبرةٍ كما مَرَّ فإنَّ ثمَنَه يُشترى به عَقارٌ مِثلُه يُجعلُ حَبسًا مَكانَه، وهل يُجبَرُ البائِعُ على البَدلِ أو لا يُجبرُ؟ فيه خِلافٌ، والمَشهورُ عَدمُ الجَبْرِ على جَعلِ الثَّمنِ في غَيرِهِ؛ لأنه لمَّا جازَ لهم البَيعُ اختَلَّ حُكمُ الوَقفيةِ المُتعلِّقةِ به، فقَولُه: «وأُمِروا» أي: المُحبَّسُ عليهم (١).
وقالَ النَّفراويُّ في «الفَواكِه الدَّواني»: وكذا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ لتَوسِعةِ مَسجدِ الجُمعةِ، قالَ خَليلٌ: إلا لتَوسُّعٍ كمَسجدٍ، ويُؤجَّر ويُشتَرى بثَمنِه ما يُجعلُ حَبسًا كالأولِ، ومِثلُ تَوسِعةِ المَسجدِ تَوسِعةُ طَريقِ المُسلِمينَ ومَقبرتِهم، لأنَّ نفْعَ المَسجدِ والمَقبرةِ والطريقِ أكثَرُ مِنْ نَفعِ الوَقفِ، فهو قَريبٌ لغَرضِ الواقفِ، وأيضًا يُستبدلُ بالثَّمنِ خِلافُه، فإنِ امتَنعَ البائِعونَ مِنْ جَعلِ الثمنِ في مِثلِه لا يُقضَى عليهم بذلكَ على المُعتمَدِ، واختِلالُ أمرِ الوَقفِ يُحِلُّ بَيعَه، وهذا غَيرُ مُنافٍ لجَبرهِم على البَيعِ كما قالَه مالكٌ رضي الله عنه في الدُّورِ التي كانَتْ حَولَ مَسجدِه ﷺ وهي مُحبَّسةٌ فإنها اشتُرِيتْ وزِيدَتْ فيهِ، وقيَّدْنا بمَسجدِ الجُمعةِ لإخراجِ غَيرِه، فلا يُباعُ الوَقفُ لتَوسِعتِه كما لا يُباعُ لتَوسِعةِ نحوِ المِيضأةِ (٢).
(١) «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٥، ٩٦).
(٢) «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٥).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: ونقَلَ صالِحٌ: يَجوزُ نَقلُ المَسجدِ لمَصلحةِ الناسِ، وهو مِنْ المُفرَداتِ …
وأطلَقَ في القاعِدةِ الثالثةِ والأربَعينَ بعدَ المِائةِ في جَوازِ إبدالِ الوَقفِ مع عِمارتِه رِوايَتينِ …
وعنه: يَجوزُ شِراءُ دُورِ مَكةَ لمَصلحةٍ عامَّةٍ، قالَ في «الفُرُوع»: فيَتوجَّهُ هنا مِثلُه.
قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: جَوَّزَ جُمهورُ العُلماءِ تَغييرَ صُورتِه لمَصلحةٍ، كجَعلِ الدُّورِ حَوانيتَ، والحُكورةِ المَشهورةِ، فلا فرْقَ بينَ بناءٍ ببِناءٍ وعَرصةٍ بعَرصةٍ، هذا صَريحُ لَفظِه.
وقالَ أيضًا فيمَن وقَفَ كُرومًا على الفُقراءِ يَحصلُ على جِيرانِها به ضَررٌ: يُعوَّضُ عنه بما لا ضرَرَ فيهِ على الجِيرانِ، ويَعودُ الأولُ مِلكًا والثاني وَقفًا. انتهى (١).
(١) «الإنصاف» (٧/ ١٠١، ١٠٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في شرائط جواز الوقف وبعضها يرجع إلى الواقف
يَزُولُ بِدُونِ ذَلِكَ، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِنَفْسِ الْقَوْلِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِوَاسِطَةِ التَّسْلِيمِ وَذَلِكَ بِسُكْنَى الْمُجْتَازِينَ فِي الرِّبَاطِ وَالْخَانِ وَسِقَايَةُ النَّاسِ مِنْ السِّقَايَةِ وَالدَّفْنِ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ جَعَلَ دَارِهِ أَوْ أَرْضَهُ مَسْجِدًا يَجُوزُ، وَتَزُولُ الرَّقَبَةُ عَنْ مِلْكِهِ لَكِنَّ عَزْلَ الطَّرِيقِ وَإِفْرَازَهُ وَالْإِذْنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ شَرْطٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَزُولُ الرَّقَبَةُ عَنْ مِلْكِهِ بِنَفْسِ قَوْلِهِ: جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.