الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > دخول أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةإلا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا في الوَلدِ الحادِثِ بعدَ الوَقفِ، بأنْ وُلدَ له وَلدٌ بعدَ أنْ وقَفَ على أولادِه، هل يَدخلُ في الاستِحقاقِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ رجَّحَه كَثيرٌ مِنهم إلى أنَّ الواقفَ إذا وُلدَ له وَلدٌ بعدَ الوَقفِ استَحقَّ كالمَوجودينَ حالَ الوَقفِ تَبعًا لهمْ.
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَلدَ الحادِثَ بعدَ الوقفِ لا يَدخلُ في الاستِحقاقِ (١).
دُخولُ أَولادِ الأَولادِ في الوَقفِ على الأولادِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الواقِفُ: «أوقَفْتُ على أولادي»، هل يَدخلُ أولادُ الأولادِ في الوَقفِ والاستِحقاقِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والقاضي وأصحابُه مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه لا يَدخلُ أولادُ الأولادِ في الوَقفِ إذا قالَ الواقفُ: «أوقَفْتُ على أولادي، أو على وَلدِي»، سَواءٌ في ذلكَ وَلدُ البَنينَ ووَلدُ البَناتِ؛
(١) «الإنصاف» (٧/ ٧٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٣٦)، ويُنظَر: «المَصادِر السَّابِقة.
لأنه لا يَقعُ عليه اسمُ الوَلدِ حَقيقةً؛ إذْ يَصحُّ أنْ يُقالَ في وَلدِ وَلدِ الشَّخصِ: ليس وَلدَه، بل وَلدُ وَلدِه.
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ أولادَ الابنِ وإنْ سَفَلوا يَدخلونَ فقطْ دونَ أولادِ الإناثِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فدخَلَ فيه وَلدُ البَنينَ وإنْ سَفَلوا، وللإجماعِ على أنَّ وَلدَ البَناتِ لا مِيراثَ لهُم.
وكذلكَ كلُّ مَوضعٍ ذكَرَ اللهُ فيه الوَلدَ دخَلَ فيهِ وَلدُ البَنينَ، فالمُطلَقُ مِنْ كلامِ الآدَميِّ إذا خَلا عن قَرينةٍ يَنبغي أنْ يُحمَلَ على المُطلَقِ مِنْ كَلامِ اللهِ تعالَى ويُفسَّرَ بما يُفسَّرُ به.
ولأنَّ وَلدَ وَلدِه وَلدٌ له؛ بدليلِ قَولِه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ و: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وقَولِه ﷺ: «ارْمُوا بَني إسماعِيلَ فإنَّ أباكُم كانَ رامِيًا» (١)، وقَولِه ﷺ: «نَحنُ بَنو النَّضرِ بنِ كِنانةَ» (٢)، والقَبائلِ كلُّها تَنتسِبُ إلى جُدودِها، وقالَ ﷺ: «أنَا ابنُ عَبدِ المُطَّلبِ» (٣).
ومحَلُّه ما لم يَقلْ: «على ولَدِي لصُلبي، أو على أولادي الذينَ يَلونَني»، فإنْ قالَه لم يَدخلْ وَلدُ الوَلدِ بلا خِلافٍ.
ولا يَدخلُ وَلدُ البَناتِ في وَلدِه ولا في أولادِه إذا وقَفَ عليهم، كما
(١) أخرجه البخاري (٢٧٤٣).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٦١٢)، وأحمد (٢١٨٨٨).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن حبان في «صحيحه» (٥٧٧١).
لو وَصَّى لوَلدِ زَيدٍ أو أولادِه، فيَدخلُ فيها أولادُ بَنيهِ دونَ أولادِ بَناتِه وأولادِ بناتِ بَنيهِ وبَناتِ بَني بَنيهِ، فليسَ لهم شَيءٌ في الوَقفِ ولا في الوَصيةِ؛ لأنهم مِنْ رَجلٍ آخَرَ، ولعَدمِ دُخولِهم في قَولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وكذا كلُّ وَلدٍ ذُكِرَ في القُرآنِ في الإرثِ أو الحَجبِ لا مَدخلَ لهم فيهِ، ولأنَّ أولادَ البَناتِ يَنتسِبونَ إلى آبائِهم على ما قالَه الشاعِرُ:
بَنُونَا بَنو أبنائِنا وبَناتُنا بَنوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
قالَ المَرُّوذيُّ رحمة الله عليه: قُلتُ لأبي عَبدِ اللهِ: ما تَقولُ في رَجلٍ وقَفَ ضَيعةً على وَلدِه فماتَ الأولادُ وتَرَكوا النِّسوةَ حَواملَ؟ فقالَ: كلُّ ما كانَ مِنْ أولادِ الذُّكورِ بَناتٍ كُنَّ أو بَنينَ فالضَّيعةُ مَوقوفةٌ عليهم، وما كانَ مِنْ أولادِ البَناتِ فليسَ لهم فيهِ شيءٌ؛ لأنهم مِنْ رَجلٍ آخَرَ (١).
وفي قَولٍ ثالثٍ للشافِعيةِ وللحَنابلةِ اختارَه أبو بَكرٍ ابنُ حامِدٍ يَدخلُ الأولادُ مُطلقًا، سَواءٌ كانوا أولادَ البَنينَ أو أولادَ البَناتِ؛ لأنَّ أولادَ البَناتِ أولادُه، وأولادُهنَّ أولادُ أولادِه؛ لقَولِهِ تعالى في شَأنِ إبراهيمَ عليه السلام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَولِه: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] وهو وَلدُ ابنَتِه، وقَولِه ﷺ: «إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ» يَعني الحَسنَ (٢).
(١) «المغني» (٥/ ٣٥٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٤٥، ٣٤٦).
(٢) يُنظَر: «الإسعاف» ص (٩٦)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٩)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٣٧١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٨٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٦٢)، و «المهذب» (١/ ٤٤٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٥٤، ١٥٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧١)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣٦)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٥٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٩٤، ٤٩٥)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢١٥)، و «الإنصاف» (٧/ ٧٤، ٧٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٦٧، ٣٦٨)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٤٥، ٣٤٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٣٧)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٥، ١٧٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.