الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > دخول أولاد البنت في الوقف على الأولاد وأولاد الأولاد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةدُخولُ أَولادِ البِنتِ في الوَقفِ على الأولادِ وأولادِ الأولادِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي»، هل يَدخلُ وَلدُ البِنتِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ إلى أنَّ أولادَ البَناتِ يَدخُلونَ.
قالَ في «الإسْعَاف»: لو قالَ: «على وَلدي ووَلدِ وَلدِي» ولمْ يَزدْ عليه تَكونُ الغَلةُ بينَ أولادِه وأولادِ ابنِه؛ لأنه سَوَّى بينَهُما في الذِّكرِ.
وهَل يَدخلُ وَلدُ البنتِ؟ قالَ هِلالٌ: يَدخلُ.
ولو قالَ: «على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي الذُّكورِ» قالَ هِلالٌ: يَدخلُ فيهِ الذُّكورُ مِنْ وَلدِ البَنينَ والبَناتِ.
وقالَ عليٌّ الرَّازيُّ: لو وقَفَ على وَلدِه ثمَّ وَلدِ وَلدِه يَدخلُ فيه الذُّكورُ والإناثُ مِنْ وَلدِه، فإذا انقَرَضوا فهو لوَلدِ ابنِ الواقفِ دونَ وَلدِ ابنَتِه، ولو قالَ: «على أولادي وأولادِهم» كانَ ذلكَ لكُلِّهم، يَدخلُ فيهِ وَلدُ الابنِ ووَلدُ البنتِ.
والصَّحيحُ ما قالَ هِلالٌ رحمة الله عليه؛ لأنَّ اسمَ وَلدِ الوَلدِ كما يَتناوَلُ أولادَ البَنينَ يَتناوَلُ أولادَ البَناتِ، ذكرَ في «السِّيَرِ»: إذا قالَ أهلُ الحَربِ: «أمِّنونَا على أولادِنا» يَدخلُ فيه أولادُ البَنينَ وأولادُ البَناتِ.
قالَ شَمسُ الأئمَّةِ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: لأنَّ وَلدَ الوَلدِ اسمٌ لمَن وَلَدَهُ وَلَدُهُ، وَابْنَتُهُ وَلَدُهُ، فمَن ولَدَتْه ابنَتُه يَكونُ وَلدَ وَلدِه حَقيقةً، بخِلافِ ما إذا قالَ: «على وَلدِي» فإن ثَمَّة وَلدَ البنتِ لا يَدخلُ في الوَقفِ في ظاهرِ الرِّوايةِ؛ لأنَّ اسمَ الوَلدِ يَتناوَلُ وَلدَه لصُلبِه، وإنَّما يَتناولُ وَلدَ الابنِ لأنه يُنسَبُ إليه عُرفًا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو وقَفَ على أولادِه وأولادِ أولادِه دخَلَ فيهِ أولادُ البَنينَ والبَناتِ، والدَّليلُ على أنْ أولادَ بَناتِه هُمْ خَيرُ أولادِ أولادِه هو أنَّ البَناتِ لمَّا كُنَّ مِنْ أولادِه كانَ أولادُهنَّ أولادَ أولادِه، وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ في الحَسنِ: «إنَّ ابنِي هذا سَيِّدٌ»، فسمَّاهُ ابنًا.
ولقَولِه تعالَى في شَأنِ إبراهيمَ عليه السلام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَولِه: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] وهو وَلدُ ابنَتِه.
فإنْ قالَ: «على مَنْ يَنتسبُ إليَّ مِنْ أولادِ أولادي لم يَدخلْ أولادُ البَناتِ على الصَّحيحِ (٢).
(١) «الإسعاف» ص (٩٧)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٣٩)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٣٧١)، «ابن عابدين» (٤/ ٤٦٤)، و «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (٦/ ١٤٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٢٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٥٥)، و «المهذب» (١/ ٤٤٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧١)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣٦)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٥٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٩٤، ٤٩٥).
وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ والحَنابلةُ إلى أنَّ أولادَ البَناتِ لا يَدخلونَ في الوَقفِ إذا قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ على أولادي وأولادِهم».
قالَ المالِكيةُ: لو قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ على نَسلِي وعَقبِي ووَلدِي ووَلدِ وَلدِي وأولادِ أولادِي وبَنيَّ وبَني بَنيَّ» فإنَّ أولادَ البَناتِ لا يَدخلونَ في شيءٍ مِنْ هذهِ الألفاظِ الثَّمانيةِ على الصَّحيحِ.
قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: لا فرْقَ عندَ أحَدٍ مِنْ العُلماءِ بينَ لَفظِ العَقبِ والوَلدِ في المعنى.
فإذا قالَ المُحبِّسُ: «حَبسْتُ على وَلدِي أو على أولادي» ولم يَزدْ على ذلكَ فيَكونُ الحَبسُ على أولادِه الذُّكرانِ والإناثِ وعلى أولادِ بَنيهِ الذُّكرانِ دونَ الإناثِ، ولا يَدخلُ في ذلكَ أولادُ البناتِ على مَذهبِ مالكٍ؛ للإجماعِ على أنَّ وَلدَ البَناتِ لا مِيراثَ لهُم.
وإذا قالَ: «حَبسْتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي، أو على أولادي وأولادِ أولادِي» فذهَبَ جَماعةٌ مِنْ الشُّيوخِ إلى أنَّ وَلدَ بَناتِ المُحبِّسِ يَدخلونَ فيها على مَذهبِ مالكٍ بظاهِرِ اللَّفظِ؛ لأنَّ لفْظَ الوَلدِ يَعُمُّ الذَّكرَ والأُنثى، فلا فرْقَ بينَ أنْ يَقولَ: «على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي» أو يَقولَ: «على وَلدِي ذُكورِهم وإناثِهِم وعلى أولادِهم كُلِّهم» فيما يُوجِبُه الحُكمُ.
وعلى هذا جرَى العَملُ عندَنا، وبه كانَ يُفتي شَيخُنا الفَقيهُ أبو جعفرٍ ابنِ رزقٍ رحمة الله عليه.
وقد رُويَ عن مالِكٍ رحمة الله عليه فيمَن حَبسَ على وَلدِه ووَلدِ وَلدِه: أنَّ وَلدَ البَناتِ لا يَدخلونَ في ذلكَ، فيُحتملُ أنْ يُريدَ بوَلدِ البَناتِ وَلدَ بَناتِ أبناءِ المُحبِّسِ لا وَلدَ بناتِ المُحبِّسِ، ويُحتملُ أيضًا أنْ يَكونَ لم يَتكلَّمْ على أنَّ المُحبِّسَ نَصَّ على أنه حَبسَ على وَلدِه ووَلدِ وَلدِه، وإنَّما أرادَ الحَبسَ الذي يَكونُ على الوَلدِ ووَلدِ الوَلدِ بقَولِ الحابِسِ: حَبسْتُ على وَلدِي فقط.
وتأوَّلَ قَومٌ أنه إنَّما قالَ ذلكَ لأنَّ الناسَ كانوا بعَهدِه يُخرِجونَ البَناتِ مِنْ أحباسِهم، فحَمَلَ الأمرَ على المُتعارَفِ عندهُم، ولمْ يَلتفِتْ إلى لَفظِ المُحبِّسِ في قَولِه: «وَلدِي ووَلدِ وَلدِي» وما يُوجِبُه بحَقِّ عُمومِه.
وإنْ حُمِلَتِ الرِّوايةُ على ظاهِرِها -في أنَّ وَلدَ البَناتِ لا يَدخلونَ فيها، كانوا بَناتِ المُحبِّسِ أو بَناتِ أبنائِهِ، مع نَصِّ المُحبِّسِ على أنه حَبسٌ على وَلدِه ووَلدِ وَلدِه- فلها وَجهانِ:
أحَدُهما: أنَّ وَلدَ البَناتِ وإنْ كانوا وَلدَ وَلدِه فإنهم لا يَنتسبونَ إليه ولا يُوارِثونَه، فحُمِلَ على المُحبِّسِ أنه أرادَ مِنْ وَلدِ وَلدِه مَنْ يُنسَبُ إليه مِنهم ويُوارِثُه، دونَ مَنْ لا يَنتسبُ إليه منهم ولا يُوارِثُه؛ لأنَّ الميراثَ والنَّسبَ هو المعنَى الذي يُرادُ الوَلدُ له ويُرغبُ فيه مِنْ أجلِه، قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥، ٦]، وكانَ لفظُ وَلدِ الوَلدِ لا يَقعُ عندَه بإطلاقِه إلا على مَنْ يَرجعُ نَسبُه إليهِ.
والثَّاني: أنَّ وَلدَ الابنةِ وإنْ كانَ وَلدَ وَلدِه فإنه لا يَعلمُ ذلكَ إلَّا الخاصُّ مِنْ الناسِ، وأكثَرُهم يَعتقدونَ أنَّ الوَلدَ لا يَقعُ إلَّا على الذَّكرِ دونَ الأُنثى، وإذا سَألتَ أحَدَهم هل له وَلدٌ ولا ابنَ له ذَكرٌ قالَ لكَ: «ليس لي وَلدٌ، وإنَّما ليَ ابنةٌ»، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ لفظُ المُحبِّسِ على ما يُعرَفُ مِنْ مَقاصدِ الناسِ بألفاظِهم وإنْ خالَفَ ذلكَ مُوجَبَ اللَّفظِ في اللِّسانِ العرَبيِّ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ حلَفَ ألا يَأكلَ لَحمًا أو بَيضًا لا يَحنثُ بأكلِ الحِيتانِ وبَيضِها وإنْ كانَ ذلكَ لَحمًا في اللِّسانِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: لا يَدخلُ وَلدُ البَناتِ في الوَقفِ على وَلدِه أو أولادِه أو ذُرِّيتِه ونَحوِه؛ لأنهُم لم يَدخُلوا في قَولِه تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، ولأنهُم إنَّما يُنسَبونَ إلى قَبيلةِ آبائِهِم دونَ قَبيلةِ أمَّهاتِهِم، وقالَ تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [لقمان: ٥]، وقالَ الشاعِرُ:
بَنُونَا بَنو أبنائِنا وبَناتُنا بَنوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
وأمَّا قَولُه ﷺ: «إنَّ ابنِي هذا سَيِّدٌ» (٢) ونحوُه فمِن خَصائِصِه انتِسابُ أولادِ فاطِمةَ إليهِ.
(١) «المقدمات الممهدات» (٢/ ٤٢٧، ٤٢٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٨٦)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٥٠٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٦٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٠٤).
ولا يَدخلونَ إلا بصَريحٍ كقَولِه: «وَقَفتُ على وَلدِي وأولادِهم على أنَّ لوَلدِ الإناثِ سَهمًا ولوَلدِ الذُّكورِ سَهمَينِ» ونحوِه.
أو بقَرينةٍ كقَولِه: «مَنْ ماتَ منهم عن وَلدِه فنَصيبُه لوَلدِه، أو قالَ: وَقَفتُ على وَلدي فُلانٍ وفُلانٍ وفُلانةَ وأولادِهم، أو قالَ: فإذا خَلَتِ الأرضُ ممَّن يُنسَبُ إليَّ مِنْ قِبَلِ أبٍ أو أمٍّ فللمَساكينِ»، أو قالَ: «على البَطنِ الأولِ مِنْ أولادي ثمَّ على الثَّاني والثالثِ وأولادِهِم» والبَطنُ الأولُ بَناتٌ، ونحوِ ذلكَ ممَّا يَدلُّ على دُخولِ أولادِ البَناتِ، فيَدخلونَ بلا خِلافٍ.
فإنَّ قيَّدَ الواقفُ بما يَقتضِي عَدمَ دُخولِ أولادِ البَناتِ فقالَ: «وَقَفتُ على أولادي لصُلبِي، أو على مَنْ يَنتسبُ إليَّ» لم يَدخلُوا -أي: وَلدُ البَناتِ- بلا خِلافٍ (١).
(١) «كشاف القناع» (٤/ ٣٤١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٦٨)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٤٧)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.