الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > د- أن يكون الموقوف مما يجوز بيعه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةد- أنْ يَكونَ المَوقوفُ مِمَّا يَجوزُ بَيعُه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَوقوفِ، هل يُشترطُ أنْ يَكونَ ممَّا يَصحُّ بَيعُه؟ أم يُشترطُ أنْ يَكونَ مَملوكًا للإنسانِ وإنْ لم يَصحَّ بَيعُه؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ -وهو مُقتضَى كَلامِ الحَنفيةِ- إلى أنه يُشترطُ في المَوقوفِ أنْ يَكونَ مِمَّا يَصحُّ بَيعُه، فلا يَصحُّ وَقفُ الكَلبِ غَيرِ المُعلَّمِ والخِنزيرِ وسائِرِ السِّباعِ التي لا تَصلحُ للصَّيدِ وجَوارحِ الطَّيرِ التي لا يُصادُ بها.
قالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ في المَوقوفِ أنْ يَكونَ عَينًا مُعيَّنةً مَملوكةً مِلكًا يَقبلُ النَّقلَ، ويَحصلُ منها مَنفعةٌ، فلا يَصحُّ وَقفُ مُستولَدةٍ؛ لأنها لا تَقبلُ النَّقلَ، فهي كالحُرِّ، وكذا المُكاتَبُ، وكذا لا يَصِحُّ وَقفُ الكَلبِ المُعلَّمِ أو قابِلٍ للتَّعليمِ على الأصَحِّ، وقيلَ: لا يَصحُّ قَطعًا، وأمَّا غيرُ المُعلَّمِ والقابلُ للتَّعليمِ فلا يَصحُّ وَقفُه جَزمًا (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يُشترطُ في المَوقوفِ أنْ يَكونَ ممَّا يَصحُّ بَيعُه، فعَلى هذا لا يَصحُّ وَقفُ ما لا يَجوزُ بَيعُه كأمِّ الوَلدِ والكَلبِ غَيرِ المُعلَّمِ والمَرهونِ، وكذلكَ الخِنزيرُ وسَائِرُ سِباعِ البَهائمِ التي لا تَصلحُ للصَّيدِ وجَوارحُ الطَّيرِ التي لا يُصادُ بها، لأنه نَقلٌ للمِلكِ فيها في الحَياةِ، فلم يَجُزْ كالبَيعِ، ولأنَّ
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٣٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٥)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٤٥٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤١٦)، و «الديباج» (٢/ ٥١٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٤٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٦٠).
الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ المَنفعةِ، وما لا مَنفعةَ فيهِ مُباحةً فلا يَحصلُ فيهِ تَسبيلُ المَنفعةِ، والكَلبُ أُبيحَ الانتفاعُ به على خِلافِ الأصلِ للضَّرورةِ، فلم يَجُزْ التوسُّعُ فيها، والمَرهونُ في وَقفِه إبطالُ حقِّ المُرتَهِنِ منه، فلم يَجُزْ إبطالُه، ولا يَصحُّ وَقفُ الحَملِ المُنفرِدِ؛ لأنه لا يَجوزُ بَيعُه، وهذا في غيرِ المُصحفِ؛ فإنه يَصحُّ وَقفُه ولا يَصحُّ بَيعُه.
وأمَّا الكَلبُ المُعلَّمُ فيَصحُّ وَقفُه؛ لأنَّ بَيعَه جائِزٌ، وفي مَعْناهُ جَوارحُ الطَّيرِ وسِباعُ البَهائمِ الصَّيَّادةِ يَصحُّ وَقفُها ويَجوزُ بَيعُها، بخِلافِ غَيرِ الصَّيَّادةِ، قالَ المِرداويُّ: ومَرَّ في المَذهبِ رِوايةٌ بامتِناعِ بَيعِها -أعني: الصَّيَّادةَ- فيَمتنعُ وَقفُها، والأولُ أصَحُّ. انتهى.
قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: يَصحُّ وَقفُ الكَلبِ المُعلَّمِ والجَوارحِ المُعلَّمةِ وما لا يُقدَرُ على تَسليمِه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه لا يُشترطُ في المَوقوفِ أنْ يَصحَّ بَيعُه، بل يَكفي أنْ يَكونَ مَملوكًا ولو كانَ ذلكَ المَملوكُ الذي أُرِيدَ وَقفُه لا يَجوزُ بَيعُه، كجِلدِ أُضحِيةٍ وكَلبِ صَيدٍ وعَبدٍ آبقٍ (٢).
(١) «الإنصاف» (٧/ ١٠)، ويُنظَر: «المغني» (٥/ ٣٧٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٩١)، و «المبدع» (٥/ ٣١٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٣٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٩٦).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٧/ ٧، ٧٩)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٤٥٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة
لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.
(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.