رابعا: وقف المشاع

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > رابعا: وقف المشاع

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

رابعا: وقف المشاع - الأقوال والأدلة

رابِعًا: وَقفُ المَشاعِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في وَقفِ المَشاعِ هل يَصحُّ أم لا؟ بعدَ اتِّفاقِهِم على صِحَّةِ وَقفِ المَشاعِ إنْ حكَمَ به حاكِمٌ.

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ -على تَفصيلٍ سَيَأتي عندَهُم- والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى جَوازِ وَقفِ المَشاعِ مِنْ عَقارٍ أو مَنقولٍ ولا يَسرِي إلى الباقي؛ لأنها مِنْ خَواصِّ العِتقِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بما رَواهُ النَّسائيُّ وابنُ ماجَه عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: قالَ عُمرُ للنبيِّ : «إنَّ المِائةَ سَهمٍ التي لي بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أعجَبَ إليَّ منها، قد أرَدْتُ أنْ أتَصدَّقَ بها، فقالَ النَّبيُّ : احبِسْ أصلَهَا وسَبِّلْ ثَمرَتَها» (١)، وهذا صِفةُ المَشاعِ؛ لأنَّ المِائةَ سَهمٍ التي كانَتْ لعُمرَ بخَيبَرَ لم تَكنْ مُنقسمةً، ولأنه عَقدٌ يَجوزُ على بَعضِ الجُملةِ مُفرَزًا، فَجازَ عليه مَشاعًا كالبَيعِ، أو عَرْصَةً يَجوزُ بَيعُها، فَجازَ وَقفُها كالمُفرَزةِ، ولأنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ المَنفعةِ، وهذا يَحصلُ في المَشاعِ كحُصولِه في المُفرَزِ، ولا نُسلِّمُ اعتِبارَ القَبضِ، وإنْ سَلَّمْنا فإذا صَحَّ في البَيعِ صَحَّ في الوَقفِ.

واستَدلُّوا أيضًا بما رَواهُ البُخاريُّ: بابٌ: إذا أوقَفَ جمَاعَةٌ أَرضًا مَشاعًا فهو جائِزٌ:

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٦٠٣)، وابن ماجه (٢٣٩٧).

٢٦١٩ - حدَّثَنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا عَبدُ الوَارثِ عن أبي التَّيَّاحِ عن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: «أمَرَ النبيُّ ببِناءِ المَسجدِ فقالَ: يا بَني النجَّارِ ثامِنوني بحائِطِكُم هذا، قالوا: لا واللهِ لا نَطلبُ ثَمنَه إلا إلى اللهِ».

فبَنُو النجَّارِ جَعَلوا حائِطَهُم لمَكانِ المَسجدِ، وقالوا: «لا نَطلبُ ثَمنَه إلَّا إلى اللهِ تعالى»، وأجازَ النَّبيُّ ذلكَ مِنْ فِعلِهم، وكانَ ذلكَ وَقفًا للمَشاعِ، والحُجَّةُ في السُّنةِ لا في خِلافِها (١).

قالَ المالِكيةُ: يَصحُّ وَقفُ المَشاعِ إنْ كانَ ممَّا يَقبلُ القِسمةَ، ويُجبَرُ عليها الواقفُ إنْ أرادَها الشَّريكُ، ولا يقالُ: «القِسمةُ بَيعٌ وهو غَيرُ جائزٍ في الوَقفِ»؛ لأنَّا نَقولُ: الرَّاجحُ أنَّ القِسمةَ تَمييزُ حقٍّ لا بَيعٌ، وعلى القَولِ بأنها

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٥٩)، و «الاختيار» (٣/ ٥١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠٠)، و «اللباب» (١/ ٦١٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١٢، ٢١٣)، و «درر الحكام» (٦/ ١٢٣)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٧٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٤٨، ٣٥٣، ٣٦٢)، و «شرح صحيح البخاري لابن بطال» (٨/ ١٩١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٧٦)، و «شرح ميارة» (٢/ ٢٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٧٩)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥١٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٤، ٤٥٥)، وتحفة المحتاج» (٧/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤١٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥٨)، و «الديباج» (٢/ ٥١٧)، و «المغني» (٥/ ٣٧٥)، و «الكافي» (٢/ ٤٤٨)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٨٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٠٥)، و «الإنصاف» (٧/ ٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٩٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٣)، و «فتح الباري» (٥/ ٣٨٦، ٣٩٩، ٤٠٤)، و «عمدة القاري» (١٢/ ٥٢).

بَيعٌ فيُقالُ: المَمنوعُ بَيعُه مِنْ الوَقفِ ما كانَ مُعيَّنًا لا المَعروضُ للقَسمِ؛ لأنه كالمَأذونِ في بَيعهِ لمَن يُحبِّسُه؛ لأنَّ الواقفَ لَمَّا عَلِمَ أنَّ لشَريكِه البَيعَ فكأنهُ أَذِنَ له فيهِ.

وإنْ كانَ مِمَّا لا يَقبلُ القِسمةَ فهل يَصحُّ أم لا؟ ففي صِحتِه وعَدمِها قَولانِ مُرجَّحانِ، وعلى القَولِ بالصِّحةِ يُجبَرُ الواقفُ على البَيعِ إنْ أرادَه الشَّريكُ، ويَجعلُ الثَّمنَ في مِثلِه، وهل يُجبَرُ على جَعلِ الثَّمنِ في مِثلِ وَقفِهِ أو لا يُجبَرُ على ذلكَ؟ قَولانِ مُرجَّحانِ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ وَقفُ المَشاعِ مِنْ عَقارٍ ومَنقولٍ وإنْ جَهلَ قَدْرَ حِصَّتِه أو صِفتَها؛ لأنَّ وقْفَ عُمرَ رضي الله عنه وهو أوَّلُ وَقفٍ في الإسلامِ- كانَ مَشاعًا، ولا يَسري للباقي وإنْ كانَ مَسجدًا، ويَجبُ قِسمتُه؛ لتَعيُّنِها طَريقًا إلى الانتفاعِ بالمَوقوفِ، ويَحرمُ المُكثُ فيهِ للجُنبِ؛ تَغليبًا للمَنعِ، ولا فَرْقَ بينَ أنْ يَكونَ المَوقوفُ مَسجدًا هو الأقلَّ أو الأكثَرَ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ وَقفُ المَشاعِ كنِصفٍ أو سَهمٍ مِنْ عَينٍ يَصحُّ وَقفُها؛ لحَديثِ ابنِ عمرَ السَّابقِ، ولأنه يَجوزُ على بَعضِ الجُملةِ مُنفرِدًا، فجازَ عليها مَشاعًا كالبَيعِ، ويُعتبَرُ أنْ يَقولَ: كذا سَهمًا مِنْ كذا سَهمٍ.

(١) «شرح مختصر خليل» (٧/ ٧٩)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٣٤٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٧٦)، و «شرح ميارة» (٢/ ٢٢٨).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٤، ٤٥٥)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤١٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥٨)، و «الديباج» (٢/ ٥١٧).

ولو وقَفَ المَشاعَ مَسجدًا ثبَتَ فيهِ حُكمُ المَسجدِ في الحالِ عندَ التلفُّظِ بالوَقفِ، فيُمنَعُ مِنْ الجُنبِ والسَّكرانِ ومَن عليه نَجاسةٌ تَتعدَّى.

ثُمَّ القِسمةُ مُتعيِّنةٌ هُنا؛ لتَعيُّنِها طَريقًا للانتِفاعِ بالمَوقوفِ (١).

وذهَبَ الإمامُ مُحمدُ بنُ الحَسَنِ إلى عَدمِ صِحةِ وَقفِ المَشاعِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ صِحةِ الوَقفِ عندهُ تَسليمُه، والشُّيوعُ يُخلُّ بالقَبضِ والتَّسليمِ.

قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وَقفُ المَشاعِ جائِزٌ عندَ أبي يُوسفَ، وعند مُحمدٍ لا يَجوزُ، والخِلافُ مَبنيٌّ على الخِلافِ في اشتِراطِ تَسليمِ الوَقفِ، فلمَّا شرَطَه مُحمدٌ قالَ بعدمِ صِحةِ المَشاعِ؛ لأنَّ القِسمةَ مِنْ تَمامِ القَبضِ، ولا بُدَّ مِنْ القَبضِ، فوجَبَ، وعندَ أبي يُوسفَ لا يُشترطُ قَبضِ المُتولِّي، فلا يُشترطُ ما هو مِنْ تَمامِه، فمَن أخَذَ بقَولِ أبي يُوسفَ في خُروجِه بمُجرَّدِ اللَّفظِ -وهُم مَشايخُ بَلخٍ- أخَذَ بقَولِه في هذهِ، ومَن أخَذَ بقَولِ مُحمدٍ في تلكَ -وهُم مَشايخُ بُخارَى- أخَذَ بقَولِه في وَقفِ المَشاعِ.

وأمَّا إلحاقُ مُحمدٍ رحمة الله عليه بالهِبةِ والصَّدقةِ المُنفذةِ -أي المُنجَّزةِ- في الحالِ فإنها لا تَكونُ مَشاعًا، فكذا الصَّدقةُ المُستمِرَّةُ، ففرَّقَ أبو يُوسفَ بأنَّ اشتِراطَ القَبضِ في تَينِكَ لِما فيهِما مِنْ التَّمليكِ للغَيرِ، وأمَّا الوَقفُ فليسَ فيه

(١) «المغني» (٥/ ٣٧٥)، و «الكافي» (٢/ ٤٤٨)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٨٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٠٥)، و «الإنصاف» (٧/ ٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٩٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٣).

تَمليكٌ مِنْ الغَيرِ حتى يُشترطَ قَبضُه، وإنَّما هو إسقاطٌ المِلكِ بلا تَمليكٍ، فلا يُرَدُّ كالعِتقِ والطلاقِ، فلا مُوجِبَ لاشتِراطِ القِسمةِ فيهِ.

والحاصِلُ أنَّ المَشاعَ إمَّا أنْ يَحتملَ القِسمةَ أو لا يَحتملَها، ففيما يَحتملُها أجازَ أبو يُوسفَ وقْفَه إلَّا المَسجدَ والمَقبرةَ والخانَ والسِّقايةَ، ومنَعَه مُحمدٌ رحمة الله عليه مُطلقًا.

وفيما لا يَحتملُها -كالحمَّامِ والبِئرِ والرَّحى- اتَّفقُوا على إجازةِ وَقفِه إلا المَسجدَ والمَقبرةَ، فصارَ الاتِّفاقُ على عَدمِ جَعلِ المَشاعِ مَسجدًا أو مَقبرةً مُطلَقًا -أي: سَواءٌ كانَ ممَّا يَحتملُ القِسمةَ أو لا يَحتملُها-، والخِلافُ مَبنيٌّ على اشتِراطِ القَبضِ والتَّسليمِ وعَدَمِه، فلمَّا لم يَشترطْ أبو يُوسفَ أجازَ وقْفَه، ولمَّا شرَطَه مُحمدٌ منَعَه؛ لأنَّ الشُّيوعَ وإنْ لم يَمنعْ مِنْ التَّسليمِ والقَبضِ -ألَا تَرَى أنَّ الشَّائِعَ كانَ مَقبوضًا لمالِكِه قبلَ أنْ يَقفَه؟ - لكنْ يَمنعُ مِنْ تَمامِ القَبضِ، فلِذا منَعَه مُحمدٌ رحمة الله عليه عند إمكانِ تَمامِ القَبضِ، وذلكَ فيما يَحتملُ القِسمةَ، فإنه يُمكِنُ أنْ يَقسمَ أولًا ثمَّ يَقفَه، وإنَّما أسقَطَ اعتِبارَ تَمامِ القَبضِ عند عَدمِ الإمكانِ وذلكَ فيما لا يَحتملُها، لأنه لو قَسمَ قبل الوَقفِ فاتَ الانتفاعُ كالبَيتِ الصَّغيرِ والحمَّامِ، فاكتَفى بتَحقُّقِ التَّسليمِ في الجُملةِ.

وإنَّما اتَّفقُوا على مَنعِ وَقفِ المَشاعِ مُطلَقًا مَسجدًا ومَقبرةً؛ لأنَّ الشُّيوعَ يَمنعُ خُلوصَ الحَقِّ للهِ تعالى، ولأنَّ جَوازِ وَقفِ المَشاعِ فيما لا يَحتملُ القِسمةَ؛ لأنه يُحتاجُ فيه إلى التَّهايُؤِ، والتَّهايؤُ فيهِ يُؤدِّي إلى أمرٍ مُستقبَحٍ

وهو أنْ يَكونَ المَكانُ مَسجدًا سَنةً واصطَبلًا للدَّوابِّ سَنةً، ومَقبرةً عامًا ومَزرعةً عامًا، أو مِيضَأةً عامًا، وأمَّا النَّبشُ فليسَ بلازمٍ مِنْ المُهايَأةِ، بل ليسَ للشَّريكِ ذلكَ.

ثُمَّ فيما يَحتملُ القِسمةَ إذا قَضى القاضي بصِحتِه وطلَبَ بَعضُهم القِسمةَ لا يَقسمُ عندَ أبي حَنيفةَ ويَتهايَؤُونَ، وعندَهُما يَقسمُ، وأجمَعوا أنَّ الكُلَّ لو كانَ وَقفًا على الأربابِ وأرادُوا القِسمةَ لا تَجوزُ، وكذا التَّهايؤُ …

ولو اقتَسَما -أعني الواقفَ للمَشاعِ وشَريكَه- على القَولِ بلُزومِ القِسمةِ بعد القَضاءِ أو قبلَه على قَولِ أبي يُوسفَ فوقَعَ نَصيبُ الواقفِ في مَحلٍّ مَخصوصٍ كانَ هو الوَقفَ ولا يَجبُ عليه أنْ يَقفَه ثَانيًا (١).

وقالَ في «الإسْعَاف»: اتَّفقَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ -رحمهما الله- على جَوازِ وَقفِ مَشاعٍ لا يُمكِنُ قِسمتُه كالحمَّامِ والبئرِ والرَّحى، واختَلَفا في المُمكِنِ، فأجازَه أبو يُوسفَ وبه أخَذَ مَشايخُ بَلخٍ، وأبطَلَه مُحمدٌ؛ بناءً على اختِلافِهما المُتقدِّمِ، فنَقولُ تَفريعًا على قَولِ أبي يُوسفَ رحمة الله عليه: إذا وقَفَ أحَدُ الشَّريكَينِ حِصتَه مِنْ أرضٍ جازَ، وإذا اقتَسَماها بعد ذلكَ فما وقَعَ في نَصيبِ

(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢١٠، ٢١٢)، ويُنظَر: «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٥٩)، و «الاختيار» (٣/ ٥١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠٠)، و «اللباب» (١/ ٦١٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١٢، ٢١٣)، و «درر الحكام» (٦/ ١٢٣)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٧٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٤٨، ٣٥٣، ٣٦٢)، و «عمدة القاري» (١٢/ ٥٢).

الواقفِ كانَ وَقفًا، ولا يَحتاجُ إلى إعادةِ الوَقفِ فيهِ، وإنْ وقَفَه ثانيًا كانَ أحوَطَ؛ لارتِفاعِ الخِلافِ حِينئذٍ، ولو وقَفَ نِصفَ أرضِه مثلًا يَنبَغي أنْ يَبيعَ نِصفَها ثمَّ يُقاسِمَ المُشتريَ.

ولو رفَعَ الأمرَ إلى القاضي فأمَرَ رَجلًا بالمُقاسَمةِ معَه جازَ، وليسَ له أنْ يُقاسِمَ نفسَه؛ لأنها مأخوذةٌ مِنْ «المُفاعَلةِ»، فتَقتَضي المُشارَكةَ بينَ اثنَينِ فما فوقَهُما، ولو قَضى بجَوازِ الوَقفِ المَشاعِ ارتَفعَ الخِلافُ، ثمَّ أذا طَلَبا مِنْ القاضي القِسمةَ، قالَ أبو حَنيفةَ: لا تُقسَمُ، ويَأمرُهما بالمُهايَأةِ، وقالَا: يُقسَمُ إذا كانَ البَعضُ مِلكًا والبَعضُ وَقفًا، ولو كانَ الكلُّ وَقفًا فأرادَ أربابُه قِسمتَه لا يُقسَمُ، حتى لو وقَفَ ضَيعةً على ولَدَيهِ مثلًا فأرادَ أحَدُهُما قِسمتَها ليَدفَعَ نَصيبَه مُزارَعةً لا يَجوزُ، بل يَدفعُ القيِّمُ كُلَّها مُزارَعةً، وليس ذلكَ إلى أربابِه، وإنَّما هو للقيِّمِ، ولو قَسمَه الواقفُ بينَ أربابِه ليَزرعَ كلُّ واحِدٍ مِنهم نَصيبَه وليَكونَ المَزروعُ له دونَ شُركائِه تَوقَّفَ على رِضاهُم، ولو فعَلَ أهلُ الوَقفِ ذلكَ فيما بينَهُم جازَ، ولمَن أَبى مِنهم بعد ذلكَ إبطالُه.

ومَن وقَفَ دُورًا للاستِغلالِ ليسَ له أنْ يُسكِنَها أحَدًا بغيرِ أجرٍ، ولو وقَفَ دارَه لسُكنى ولَدَيهِ فطلَبَ أحَدُهُما المُهايَأةَ وأبَى الآخَرُ يَسكنُ كلٌّ نِصفًا بلا مُهايَأةٍ (١).

والشُّيوعُ المانِعُ للقِسمةِ فيما يَحتملُ القِسمةَ إنَّما يَكونُ مانِعًا مِنْ الوَقفِ عند مُحمدٍ إذا كانَ الشُّيوعُ وَقتَ القَبضِ لا وَقتَ العَقدِ.

(١) «الإسعاف» ص (٢٥).

قالَ في «الإسْعَاف»: لو كانَتِ الأرضُ بينَ رَجلينِ فتَصدَّقا بها جُملةً صَدقةً مَوقوفةً على المَساكينِ ودَفَعاها مَعًا إلى قيِّمٍ واحِدٍ جازَ اتِّفاقًا؛ لأنَّ المانعَ مِنْ الجَوازِ عند مُحمدٍ هو الشُّيوعُ وقتَ القَبضِ لا وَقتَ العَقدِ، ولم يُوجدْ هاهُنا؛ لوُجودِهما مَعًا مِنهُما، ولو وقَفَ كُلٌّ مِنهُما نَصيبَه على جِهةٍ وجَعلَا القيِّمَ واحِدًا وسَلَّماهُ معًا جازَ اتِّفاقًا؛ لعَدمِ الشُّيوعِ وَقتَ القَبضِ، ولو اختَلَفا في وَقفَيهِما جِهةً وقيِّمًا واتَّحدَ زَمانُ تَسليمِهما لهُما، أو قالَ كُلٌّ مِنهُما لقَيِّمِه: «اقبِضْ نَصيبي مع نَصيبِ صاحِبي» جازَ أيضًا اتِّفاقًا؛ لأنهما صارَا كمُتولٍّ واحِدٍ، بخِلافِ ما لو وقَفَ كلُّ واحِدٍ وحدَهُ وسلَّمَ لقيِّمِه وحدَه، فإنه لا يَصحُّ الوَقفُ عند مُحمدٍ؛ لوُجودِ الشُّيوعِ وَقتَ العَقدِ وتَمكُّنِه وَقتَ القَبضِ.

ولو قالَ: «وَقَفتُ نَصيبي مِنْ هذه الأرْضِ وهو ثُلثُها» فوجدَ أكثَرَ مِنْ ذلكَ كانَ نَصيبُه كلُّه وَقفًا كالوَصيةِ، بخِلافِ البَيعِ؛ فإنَّ الزَّائدَ يَكونُ للبائِعِ (١).

(١) «الإسعاف» ص (٢٦)، ويُنظَر: «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٤٨)، و «درر الحكام» (٦/ ١١٩)، و «الهندية» (٢/ ٣٦٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الشرائط التي ترجع إلى الموقوف

ثُمَّ التَّسْلِيمُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ قَيِّمًا وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بِإِذْنِهِ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمة الله عليه فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَصَلَّى وَاحِدٌ كَانَ تَسْلِيمًا، وَيَزُولُ مِلْكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَشْرُطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ شَيْئًا، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ شَرْطٌ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذَا إخْرَاجُ الْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعْلُهُ خَالِصًا لَهُ، وَشَرْطُ الِانْتِفَاعِ لِنَفْسِهِ يَمْنَعُ الْإِخْلَاصَ فَيَمْنَعُ جَوَازَ الْوَقْفِ، كَمَا إذَا جَعَلَ أَرْضَهُ أَوْ دَارِهِ مَسْجِدًا وَشَرَطَ مِنْ مَنَافِعِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ خِدْمَتَهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ وَقَفَ وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَكَانَ يَلِي أَمْرَ وَقْفِهِ بِنَفْسِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ بَيْعَ الْوَقْفِ وَصَرْفَ ثَمَنِهِ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ شَرْطٌ لَا يُنَافِيهِ الْوَقْفُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ بَابُ الْمَسْجِدِ إذَا خَلِقَ، وَشَجَرُ الْوَقْفِ إذَا يَبِسَ (وَمِنْهَا) أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهُ بِجِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 379 - 386

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله