الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > رد الموقوف عليه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةأصلِ مالكٍ، فإنها لا يُصلِّيها أربابُ الحَوانيتِ في حَوانيتِهم لأجْلِ المِلكِ والحَجرِ، فلا يَجْري في المَساجدِ القَولانِ (١).
رَدُّ المَوقوفِ عَليهِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ كما تقدَّمَ أنَّ القَبولَ لا يُشترطُ إذا كانَ على جِهةٍ عامَّةٍ غيرِ مُعيَّنةٍ، وأمَّا إذا كانَ على جِهةٍ مُعيَّنةٍ كزَيدٍ مثلًا أو جَماعةٍ مَحصورةٍ فجُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ في المَذهبِ على اشتِراطِ قَبولِه.
إلا أنهُم اختَلفُوا هُنا فيما لو رَدَّ المَوقوفُ عليهِ المُعيَّنُ ما وُقِفَ عليهِ، هل يَرتدُّ بالرَّدِّ ويَعودُ إلى مِلكِ الواقفِ؟ أم يَخرجُ إلى جِهةٍ أُخرى؟
قالَ الحَنفيةُ: لو كانَ الوَقفُ لشَخصٍ بعَينِه وآخِرُه للفُقراءِ اشتُرطَ قَبولُه في حقِّه، فإنْ قَبِلَه فالغلَّةُ له، وإنْ رَدَّه تَكونُ للفُقراءِ ويَصيرُ كأنه ماتَ، ومَن قَبِلَ ما وُقفَ عليه ليسَ له الرَّدُّ بعدَه، ومَن رَدَّه أوَّلَ مَرَّةٍ ليسَ له القَبولُ بعدَه.
فلو قالَ: «وقَفْتُ أَرضِي هذه على أولادِ زَيدٍ ونَسلِه وعَقبِه ومِن بَعدِهم على المَساكينِ» فقَبِلَه بعضُهم ورَدَّه بعضُهم فتَكونُ الغلَّةُ كلُّها لمَن قَبِلَ مِنهم، وإنْ رَدَّه كلُّهم تكونُ للمَساكينِ، وإنْ قَبِلَ كلُّ واحِدٍ منهم بعضَه ورَدَّ الباقي يَكونُ ما رَدُّوه للمَساكينِ، فإنْ حدَثَ لزَيدٍ ولَدٌ أو نَسلٌ وقَبِلَه كلُّهم أو بعضُهم رجَعَ لمَن قَبِلَه مِنهم، وإنْ رَدَّه كلُّهم كانَ للمَساكينِ، وهكذا إلى أنْ يَنقرِضوا.
(١) «الفروق» (٢/ ٢٠٣).
ولو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ ﷿ أبدًا على زَيدٍ وعَمرٍو ما عاشَا ومِن بَعدِهما على المَساكينِ» ثمَّ ماتَ أحَدُهما أو رَدَّ تَكونُ حصَّتُه للمَساكينِ ولا يَستحقُّها الآخَرُ؛ لأنه جعَلَ الوَقفَ للهِ ﷿ ابتِداءً ثمَّ أوجَبَه لهُما، وما كانَ للهِ تعالى فهو للمَساكينِ، فمَن قَبِلَ منهُما وبَقيَ حَيًّا تقدَّمَ عليهم بحصَّتِه فقط، بخِلافِ المَسألةِ الأُولى؛ فإنه أوجَبَه لهم أوَّلًا ثمَّ جعَلَه مِنْ بَعدِهم للمَساكينِ، فلا يَكونُ لهم شيءٌ ما لم يَرُدَّ الكلُّ أو يَنقرِضوا.
ولو قالَ: «وقَفتُ أَرضي هذه على زَيدٍ وأولادِه ومِن بَعدِهم على المَساكينِ» فقالَ زَيدٌ: «لا أقبَلُ لنَفسي ولا لأولادي» يَصحُّ رَدُّه في حِصَّتِه فقط، وأمَّا أولادُه فإنْ كانوا كِبارًا فالرَّدُّ والقَبولُ إليهم، وإنْ كانوا صِغارًا تَكونُ حِصَّتُهم لهم.
ولو قالَ: «وَقَفتُ أَرضي هذه على زَيدٍ ومِن بَعدِه على المَساكينِ» فقالَ زَيدٌ: «قَبِلتُ غلَّةَ هذه السَّنةِ ورَدَدتُ ما بعدَها، أوْ قالَ: قَبِلتُ ثُلثَها أو نِصفَها ورَدَدتُ الباقيَ» استَحقَّ ما قَبِلَه وكانَ الباقي للمَساكينِ.
ولو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ ﷿ أبدًا على زَيدٍ وعَمرٍو ما عاشَا إنْ قَبِلا ومِن بَعدِهما على المَساكينِ» فقَبِلَ أحَدُهما ورَدَّ الآخَرُ استَحقَّ القابِلُ حِصَّتَه، وتَكونُ حصَّةُ الرادِّ للمَساكينِ.
ولو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ ﷿ أبدًا على زَيدٍ
وعَمرٍو ومِن بَعدِهما على المَساكينِ» وكانَ أحَدُهما مَيتًا تكونُ الغلَّةُ كلُّها للحَيِّ منهُما؛ لعدمِ جَوازِ الوَقفِ على المَيتِ، فإذا ماتَ الحيُّ تَصيرُ الغلَّةُ للمَساكينِ (١).
وعندَ المالِكيةِ: إنْ رَدَّ المَوقوفُ عليه المُعيَّنُ ما وقَفَه الغيرُ عليه في حَياةِ الواقفِ أو بعد مَوتِه ففيهِ ثَلاثة أقَول:
الأوَّلُ: أنَّ الوَقفَ يَرجِعُ حَبسًا على أقرَبِ فُقراءِ عَصبةِ المُحبِّسِ، ويَكونُ كالوَقفِ الذي انقَطعَ مَنْ حُبِسَ عليه.
وقيلَ: أنه يَرجعُ للفُقراءِ يُفرَّقُ عليهم ريعُه بالاجتِهادِ، ولا يَرجعُ مِلكًا لرَبِّه.
والقَولُ الثالثُ: يَرجعُ مِلكًا للمُحبِّسِ أو لوَرثتِه.
وحاصِلُه أنه إنْ قَبِلَه المُعيَّنُ الرَّشيدُ أو وَليُّ غَيرِه فالأمرُ ظاهرٌ، وإنْ رَدَّه كانَ حَبسًا على غَيرِه باجتِهادِ الحاكمِ، وهذا إذا جعَلَه الواقفُ حَبسًا مُطلَقًا قَبِلَه مَنْ عيَّنَه له أم لا، وأمَّا إنْ قصَدَ المُعيَّنَ بخُصوصِه فإنْ رَدَّهُ عادَ مِلكًا للمُحبِّسِ (٢).
(١) «الإسعاف» ص (١٧، ١٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٤٢).
(٢) «التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب» (٧/ ٢٨١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٤، ٤٧٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٧٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٤)، و «منح الجليل» (٨/ ١٤٦)، و «الشرح الصغير» (٩/ ١٤١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو رَدَّ المَوقوفُ عليه المُعيَّنُ العينَ المَوقوفةَ بطَلَ حقُّه، سَواءٌ شرَطْنا القَبولَ مِنْ المُعيَّنِ أم لا، كالوَصيةِ والوَكالةِ، ولو رجَعَ بعد الردِّ لم يَعُدْ له.
لكنْ قالَ الرُّويانِيُّ رحمة الله عليه: إنْ رجَعَ قبلَ حُكمِ الحاكمِ برَدِّه إلى غيرِه كانَ له.
وإنْ حكَمَ به لغَيرِه بطَلَ حقُّه، قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذا في البَطنِ الأولِ، أما البَطنُ الثاني والثالثُ فنقَلَ الإمامُ والغزالِيُّ أنه لا يُشترطُ قَبولُه قَطعًا؛ لأنَّ استِحقاقَهم لا يَتَّصلُ بالإيجابِ، ونقَلَا في ارتِدادِه برَدِّهم وَجهَينِ؛ لأنَّ الوَقفَ قد ثبَتَ ولَزمَ، فيَبعدُ انقِطاعُه، وأجرَى المُتولِّي الخِلافَ في اشتِراطِ قَبولِهم وارتِدادِه برَدِّهم؛ بِناءً على أنهم يَتلقَّونَ الحَقَّ مِنْ الواقفِ أم مِنْ البَطنِ الأولِ؟ إنْ قُلنا بالأولِ فقَبولُهم ورَدُّهم كقَبولِ الأوَّلينَ ورَدِّهم، وإلا فلا يُعتبَرُ قَبولُهم ورَدُّهم كالميراثِ، وهذا أحسَنُ، ولا يَبعدُ ألا يَتصلَ الاستِحقاقُ بالإيجابِ مع اشتِراطِ القَبولِ كما في الوَصيةِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: لا يُشترطُ قَبولُه، فَعلى هذا لا يَبطلُ بالردِّ كالعتقِ، فرَدُّه وقَبولُه وعدَمُهما سَواءٌ في الحُكمِ.
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٤٢، ١٤٣)، ويُنظَر: «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٣، ٤٦٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٦، ٤٢٨)، و «كنز الراغبين مع حاشية قليوبي وعميرة» (٣/ ٢٤٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٠، ٤٨١)، و «الديباج» (٢/ ٥٢١، ٥٢٢).
قالَ في «الإنصَاف»: وقالَ أبو المَعالي في «النِّهايَة» أنه يَرتدُّ برَدِّه كالوَكيلِ إذا رَدَّ الوَكالةَ وإنْ لم يُشترطْ لها القَبولُ، قالَ الحارِثيُّ: وهذا أصَحُّ (١).
وعلى الرِّوايةِ الثانيةِ: أنه يُشترطُ قَبولُه، فإنْ رَدَّه بطَلَ في حقِّهِ دونَ مَنْ بعدَه، وصارَ كالوَقفِ المُنقطِعِ الابتِداءِ يُخرَّجُ في صِحَّتِه في حَقِّ مَنْ سِواهُ وبُطلانِه وَجهانِ؛ بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قُلنا بصحَّتِه فهلْ يَنتقلُ مِنْ الحالِ إلى مَنْ بعدَه؟ أو يُصرَفُ في الحالِ إلى مَصرِفٍ في الوَقفِ المُنقطِعِ إلى أنْ يَموتَ الذي رَدَّه ثمَّ يَنتقلُ إلى مَنْ بعدَه؟ على وَجهينِ (٢).
(١) «الإنصاف» (٧/ ٢٨).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٥٠)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٠)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٤)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٩٦).
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.