الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > شروط الصيغة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةشُروطُ الصِّيغةِ:
يُشترطُ في الصِّيغةِ عدَّةُ شُروطٍ منها ما يَلي:
الشَّرطُ الأوَّلُ: التَّنجيزُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الصِّيغةِ هل يُشترطُ فيها التَّنجيزُ؟ أم تَصحُّ مُعلَّقةً على شَرطٍ؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ أنْ يُعلِّقَه في حالِ الحَياةِ أو يُعلِّقَه إلى ما بعد المَوتِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الصِّيغةِ أنْ تَكونَ مُنجَّزةً، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ.
قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «إذا جاءَ غَدٌ، أو إذا جاءَ رَأسُ الشَّهرِ، أو قالَ: إذا كَلَّمتُ فُلانًا، أو إذا تَزوَّجتُ فُلانةَ -وما أشبَهَه- فأَرضِي هذهِ صَدقةٌ مَوقوفةٌ» يَكونُ الوَقفُ باطِلًا؛ لأنه تَعليقٌ، والوَقفُ لا يَحتملُ التَّعليقَ بالخَطرِ؛ لكونِه ممَّا لا يُحلَفُ به، فلا يَصحُّ تَعليقُه كما لا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ، بخِلافِ النَّذرِ؛ لأنه يَحتملُ التَّعليقَ ويُحلَفُ به، فلو قالَ: «إنْ كَلَّمتُ فُلانًا إذا قَدِمَ، أو إنْ بَرَأتُ مِنْ مَرَضي هذا فأَرضِي هذهِ صَدقةٌ مَوقوفةٌ» يَلزمُه التَّصدقُ بعَينِها إذا وُجدَ الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا بمَنزلةِ النَّذرِ واليَمينِ.
ولو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ على أنَّ لي أصْلَها، أو على أنه لا يَزولُ مِلكِي عن أصْلِها، أو على أنْ أبِيعَ أصْلَها وأتصدَّقَ بثَمنِها» كانَ الوَقفُ باطلًا، ولو قالَ: «هي صَدقةٌ مَوقوفةٌ إنْ شِئتَ، أو إنْ أحبَبْتَ، أو هَوَيتَ» كانَ الوَقفُ باطِلًا؛ لأنَّ هذا تَعليقُ الوَقفِ بشَرطٍ، وتَعليقُه باطِلٌ في قَولِهم.
ولو قالَ: «إنْ كانَتْ هذهِ الأرضُ في مِلكِي فهي صَدقةٌ مَوقوفةٌ» فإنه يُنظَرُ؛ إنْ كانَتْ في مِلكِه وَقتَ التَّكلُّمِ صَحَّ الوَقفُ وإلا فلا؛ لأنَّ التَّعليقَ بالشَّرطِ الكائنِ تَنجيزٌ، ولو علَّقَ وقْفَها على شِرائِها فاشتَراها لا تَصيرُ وَقفًا، بخِلافِ تَعليقِ العِتقِ به للقَبولِ وعَدمِه (١).
وَقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ في الوَقفِ أنْ يَكونَ مُنجَّزًا، فلا يَجوزُ ولا يَصحُّ تَعليقُ الوَقفِ فيما لا يُضاهي التَّحريرَ، كقَولِه: «إذا جاءَ زيدٌ فقدْ وَقَفتُ كذا على كذا»؛ لأنه عَقدٌ يَقتَضي نقْلَ المِلكِ في الحالِ إمَّا للهِ تعالى أو للمَوقوفِ عليه حالًا، ولم يُبْنَ على التَّغليبِ والسِّرايةِ، فلمْ يَصحَّ تَعليقُه على شَرطٍ كالبَيعِ والهبةِ.
أمَّا ما يُضاهي التَّحريرَ ك: «جَعلْتُه مَسجدًا إذا جاءَ رَمضانُ» فإنه يَصحُّ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ في المذهبِ: يُشترطُ في الوَقفِ أنْ يَكونَ ناجِزًا غيرَ مُعلَّقٍ ولا مُؤقَّتٍ ولا مَشروطٍ فيه خيارٌ أو نَحوُه، فلا يَصحُّ تَعليقُ الوَقفِ، سَواءٌ كانَ التَّعليقُ لابتِدائِه ك: «إذا قَدِمَ زَيدٌ، أو وُلدَ لي وَلدٌ فهذا وَقفٌ عليهِ، أو إذا جاءَ رَمضانُ فهذا وَقفٌ على كذا» ونحوَه، أو لانتِهائِه ك: «دارِي وَقفٌ على
(١) «أحكام الوقف» (١٥٤، ١٥٥)، و «الإسعاف» (٣٠)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٠٨)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٣، ٢٠٨)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٤١)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٧١)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٣٥٥).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣٠)، و «كنز الراغبين مع حاشية قليوبي وعميرة» (٣/ ٢٥٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٤).
زَيدٍ إلى أنْ يَحضُرَ عَمرٌو، أو يُولدَ لي وَلدٌ» ونحوَه؛ لأنه نَقلٌ للمِلكِ فيما لم يُبْنَ على التَغليبِ والسِّرايةِ، فلمْ يَجُزْ تَعليقُه بشَرطٍ في الحَياةِ كالهِبةِ (١).
إلا أنَّ الحَنفيةَ والشافِعيةَ والحَنابلةَ القائِلينَ بعَدمِ صحَّةِ تَعليقِ الوَقفِ استَثنَوا مِنْ ذلكَ التَّعليقَ بالمَوتِ، فإنْ علَّقَه به كقَولِه: «وَقَفتُ دارِي بعد مَوتي على الفُقراءِ» فإنه يَصحُّ -وَقفًا أو وَصيةً على خِلافٍ بينَهُم-؛ لأنه تَبرعٌ مَشروطٌ بالمَوتِ أشبَهَ ما لو قالَ: «قِفُوا دارِي على جِهةِ كذا بعد مَوتي»، واحتَجَّ الإمامُ أحمدُ بأنَّ عُمرَ رضي الله عنه وَصَّى فكانَ في وَصيَّتِه: «هذا ما أَوصَى به عَبدُ اللهِ عُمرُ أميرُ المُؤمِنينَ إنْ حَدَثَ به حَدثُ المَوتِ أنَّ ثَمغًا (٢) صَدقةٌ» وذكَرَ بَقيةَ الخبَرِ، ووَقفُه هذا كانَ بأمرِ النبيِّ ﷺ واشتَهرَ في الصَّحابةِ ولمْ يُنكَرْ فكانَ إجماعًا، ويُفارِقُ التَّعليقَ بشَرطٍ في الحياةِ؛ لأنَّ هذا وَصيةٌ، وهي أوسَعُ مِنْ التَّصرفِ في الحياةِ، بدَليلِ جَوازِها بالمَجهولِ والمَعدومِ.
ويَكونُ حُكمُ الوَقفِ المُعلَّقُ بالمَوتِ حُكمَ الوَصيةِ مِنْ ثُلثِ مالِه، فإنْ كانَ قدْرَ الثُّلثِ فأقلَّ لَزمَ، وإنْ زادَ عن الثُّلثِ تَوقَّفَ لُزومُ الوَقفِ في الزَّائدِ على إجازةِ الوَرثةِ.
(١) «الشرح الكبير» (٦/ ١٩٨، ١٩٩)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٣)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٣)، وشرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٢)، و «مطالب أولي النهي» (٤/ ٢٩٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٢٧).
(٢) ثمَغٌ -بفتحِ المِيمِ-: مالٌ بالمَدينةِ لعُمرَ وقَفَه، قالَه في «القامُوس المحيط».
قالَ الحَنابلةُ: ويَلزمُ الوَقفُ المُعلَّقُ بالمَوتِ مِنْ حينِ صُدورِه منه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن وقَفَ في مَرضِه الذي ماتَ فيه أو قالَ: «هو وَقفٌ بعد مَوتي» ولمْ يَخرجْ مِنْ الثُّلثِ وُقِفَ منه بقَدرِ الثُّلثِ إلا أنْ تُجيزَ الوَرثةُ).
وجُملتُه أنَّ الوَقفَ في مَرضِ المَوتِ بمَنزلةِ الوَصيةِ في اعتِبارِه مِنْ ثُلثِ المالِ؛ لأنه تَبرعٌ، فاعتُبِرَ في مَرضِ المَوتِ مِنْ الثُّلثِ كالعِتقِ والهِبةِ، وإذا خرَجَ مِنْ الثلثِ جازَ مِنْ غيرِ رِضا الوَرثةِ ولَزمَ، وما زادَ على الثلثِ لَزمَ الوَقفُ منه في قَدرِ الثلثِ، ووُقفَ الزائِدُ على إجازةِ الوَرثةِ، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا عند القائِلينَ بلُزومِ الوَقفِ؛ وذلك لأنَّ حقَّ الوَرثةِ تَعلَّقَ بالمالِ بوُجودِ المَرضِ، فمُنعَ التَّبرعُ بزيادةٍ على الثلثِ كالعَطايا والعِتقِ.
فأمَّا إذا قالَ: «هو وَقفٌ بعد مَوتي» فظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنه يَصحُّ، ويُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ كَسائرِ الوَصايا، وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ.
وقالَ القاضِي: لا يَصحُّ هذا؛ لأنهُ تَعليقٌ للوَقفِ على شَرطٍ، وتَعليقُ الوَقفِ على شَرطٍ غيرُ جائزٍ؛ بدَليلِ ما لو علَّقَه على شَرطٍ في حَياتِه، وحمَلَ كَلامَ الخِرقيِّ على أنه قالَ: «قِفُوا بعد موتي»، فيكونُ وَصيةً بالوَقفِ لا
(١) «المغني» (٥/ ٣٦٥، ٣٦٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٩٨، ١٩٩)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٣)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٣)، وشرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٢)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٩٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٢٧)، و «العقود» لشيخ الإسلام ابن تيمية ص (٣٠١).
إيقافًا، وقالَ أبو الخطَّابِ: قَولُ الخِرقِيِّ هذا يَدلُّ على جَوازِ تَعليقِ الوَقفِ على شَرطٍ.
ولنا: على صحَّةِ الوَقفِ بالمُعلَّقِ بِالمَوتِ ما احتَجَّ به الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه أنَّ عُمرَ وَصَّى فكانَ في وَصيَّتِه: «هذا ما أَوصَى به عَبدُ اللهِ عُمرُ أميرُ المُؤمِنينَ إنْ حدَثَ به حَدثٌ أنَّ ثَمْغًا صَدقةٌ» وذكَرَ بَقيَّةَ الخبَرِ، وقد ذكَرْناهُ في غيرِ هذا المَوضعِ، ورَواهُ أبو داودَ بنَحوٍ مِنْ هذا، وهذا نَصٌّ في مَسألتِنا، ووَقفُه هذا كانَ بأمرِ النبيِّ ﷺ؛ لأنه اشتَهرَ في الصَّحابةِ فلم يُنكَرْ، فكانَ إجماعًا، ولأنَّ هذا تَبرعٌ مُعلَّقٌ بالمَوتِ، فصَحَّ كالهِبةِ والصَّدقةِ المُطلَقةِ، أو نَقولُ: صَدقةٌ مُعلَّقةٌ بالمَوتِ، فأشبَهتْ غيرَ الوَقفِ، ويُفارِقُ هذا التَّعليقَ على شَرطٍ في الحَياةِ؛ بدَليلِ الهِبةِ المُطلَقةِ والصَّدقةِ وغيرِهما؛ وذلكَ لأنَّ هذا وَصيةٌ والوَصيةُ أوسَعُ مِنْ التصرُّفِ في الحَياةِ؛ بدَليلِ جَوازِها بالمَجهولِ والمَعدومِ وللمَجهولِ وللحَملِ وغيرِ ذلكَ، وبهذا يَتبيَّنُ فَسادُ قِياسِ مَنْ قاسَ على هذا الشَّرطِ بَقيةَ الشروطِ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فيَرَونَ أنه كالوَصيةِ، له الرُّجوعُ فيها.
قالَ شَمسُ الدِّينِ الرَّمليُّ رحمة الله عليه: فإنْ علَّقَه بالمَوتِ ك: «وَقَفتُ دارِي بعد مَوتِي على الفُقراءِ» فإنهُ يَصحُّ، قالَه الشَّيخانِ، وكأنه وَصيةٌ؛ لقَولِ القَفَّالِ: لو عرَضَها للبَيعِ كانَ رُجوعًا، ويُفرَّقُ بينَه وبينَ المُدبَّرِ بأنَّ الحَقَّ المُتعلِّقَ به -وهو العِتقُ- أَقوَى، فلمْ يَجُزِ الرُّجوعُ عنهُ إلا بنَحوِ البَيعِ
(١) «المغني» (٥/ ٣٦٥، ٣٦٦).
دونَ نحوِ العَرضِ عليه، ونقَلَ الزَّركشيُّ عن القاضِي أنهُ لو نجَّزَه وعلَّقَ إعطاءَه للمَوقوفِ عليه بالمَوتِ جازَ كالوَكالةِ، وعليهِ فهو كالوَصيةِ أيضًا فيما يَظهرُ (١).
أمَّا الحَنفيةُ فقالُوا: لا يَصحُّ أنْ يَكونَ الوَقفُ مُضافًا إلى ما بعدَ المَوتِ، فقدْ نَصَّ مُحمدٌ في «السَّير الكَبيرِ» أنه إذا أُضيفَ إلى ما بعدَ المَوتِ يكونُ باطِلًا عند أبي حَنيفةَ اه. إلا أنه يَكونُ وَصيةً لازِمةً مِنْ الثُّلثِ بالمَوتِ لا قبلَه.
وأمَّا لو قالَ: «إذا مِتُّ فاجعَلُوها وَقفًا» فإنه يَجوزُ؛ لأنهُ تَعليقُ التَّوكيلِ لا تَعليقُ الوَقفِ نَفسِه.
قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: والحاصِلُ أنه إذا علَّقَه بمَوتِه كما إذا قالَ: «إذا مِتُّ فقدْ وقَفْتُ دارِي على كذا» فالصَّحيحُ أنه وَصيةٌ لازِمةٌ، لَكنْ لم تَخرجْ عن مِلكِه، فلا يُتصوَّرُ التَّصرفُ فيه ببَيعٍ ونحوِه بعد مَوتِه؛ لِمَا يَلزمُ مِنْ إبطالِ الوَصيةِ، وله أنْ يَرجعَ قبلَ مَوتِه كسائرِ الوَصايا، وإنَّما يَلزمُ بعدَ مَوتِه.
وإنَّما لم يَكُنْ وَقفًا لِمَا قدَّمْنا مِنْ أنه لا يَقبلُ التَّعليقَ بالشَّرطِ، وكذا إذا قالَ: «إذا مِتُّ مِنْ مَرَضي هذا فقدْ وَقَفتُ أَرضي على كذا» فماتَ لم تَصِرْ وَقفًا، وله أنْ يَبيعَها قبلَ المَوتِ، بخِلافِ ما إذا قالَ: «إذا مِتُّ فاجعَلوها وَقفًا»
(١) «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٣٠)، ويُنظَر: «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٦)، و «كنز الراغبين مع حاشية قليوبي وعميرة» (٣/ ٢٥٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٤).
فإنه يَجوزُ؛ لأنهُ تَعليقُ التَّوكيلِ لا تَعليقُ الوَقفِ نَفسِه؛ وهذا لأنَّ الوَقفَ بمَنزلةِ تَمليكِ الهِبةِ مِنْ المَوقوفِ عليهِ، والتَّمليكُ غيرُ الوَصيةِ لا تَتعلَّقُ بالخَطرِ.
ونَصَّ مُحمدٌ في «السَّيْر الكَبير» أنَّ الوَقفَ إذا أُضيفَ إلى ما بعدَ المَوتِ يَكونُ باطِلًا أيضًا عندَ أبي حَنيفةَ، وعلى ما عَرَفْت بأنَّ صحَّتَه إذا أُضيفَ إلى ما بعدَ المَوتِ يَكونُ باعتِبارِه وَصيةً.
وفي «المُحيط»: لو قالَ: «إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضي هذا فقدْ وَقَفتُ أَرضي هذه» لا يَصحُّ الوَقفُ، بَرئَ أو ماتَ؛ لأنه تَعليقٌ.
وفي «الخَانيَّة»: لو قالَ: «أَرضِي بعدَ مَوتي مَوقوفةٌ سَنةً» جازَ، وتَصيرُ الأرضُ مَوقوفةً أبدًا؛ لأنه في معنَى الوَصيةِ، بخِلافِ ما إذا لمْ يُضِفْ إلى ما بعدَ المَوتِ بأنْ قالَ: «أَرضِي مَوقوفةٌ سَنةً»؛ لأنَّ ذاكَ ليسَ بوَصيةٍ، بل هو مَحْضُ تَعليقٍ أو إضافةٍ، فالحاصِلُ أنهُ على قَولِ هِلالٍ إذا شرَطَ في الوَقفِ شَرطًا يَمنعُ التَّأبيدَ لا يَصحُّ الوَقفُ. اه
وفي «التَّبيين»: لو علَّقَ الوَقفَ بمَوتِه ثُمَّ ماتَ صَحَّ ولَزمَ إذا خرَجَ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنَّ الوَصيةَ بالمَعدومِ جَائزةٌ كالوَصيةِ بالمَنافعِ، ويَكونُ مِلكُ الواقفِ باقِيًا فيهِ حُكمًا يَتصدَّقُ منهُ دائمًا، وإنْ لم يَخرجْ مِنْ الثُّلثِ يَجوزُ بقَدرِ الثُّلثِ ويَبقى الباقي إلى أنْ يَظهرَ له مالٌ أو تُجيزَ الوَرثةُ، فإنْ لم يَظهرْ له مالٌ ولم تُجِزِ الوَرثةُ تُقسَمُ الغلَّةُ بينَهُما أثلاثًا: ثُلثُه للوقفِ وثُلثاهُ للوَرثةِ. اه (١).
(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٨)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٤١)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٧١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٩٨).
وذهبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ -وهو اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنه يَصحُّ تَعليقُ الوَقفِ على شَرطٍ، ولا يُشترطُ فيهِ التَّنجيزُ حِينَ وَقفيَّتِه، بل يَصحُّ إذا كانَ لأجَلِ كالعِتقِ، فإذا قالَ: «إذا جاءَ اليومُ الفُلانِيُّ، أو الشَّهرُ، أو العامُ الفلانِيُّ فدارِي مَثلًا وَقفٌ على كذا» فإنه يَلزمُ إذا جاءَ ذلكَ الأجَلُ، كما إذا قالَ لعَبدِه: «أنتَ حُرٌّ إلى أجَلِ كذا» فإنهُ يَكونُ حُرًّا إذا جاءَ الأجَلُ الذي عيَّنَه، ولا إشكالَ في لُزومِ العَقدِ بالنِّسبةِ إليهِما إذا جاءَ الأجَلُ.
فإنْ حدَثَ دَينٌ على الواقفِ أو على المُعتِقِ في ذلكَ الأجَلِ فإنه لا يَضرُّ عقْدَ العِتقِ؛ لأنَّ الشَّارعَ مُتَشوِّفٌ إلى الحُريةِ، ويَضرُّ عقْدَ الحَبسِ إذا لم يُحَزْ عن الواقفِ في ذلكَ الأجَلِ، أمَّا إنْ حِيزَ عنه أو كانَتْ مَنفعتُه لغَيرِ الواقفِ في ذلكَ الأجَلِ فإنهُ لا يَضرُّ حُدوثُ الدَّينِ، كما لو آجَرَ الدارَ في ذلكَ الأجَلِ وحازَها المُستأجِرُ أو جعَلَ مَنفعتَها لغيرهِ فخزَّنَ ذلكَ الغيرُ فيها والمِفتاحِ بيَدِه (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ رحمة الله عليه: الوَقفُ في الصِّحةِ مِنْ رأسِ المالِ، وفي المَرضِ أو الوَصيةِ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنَّ الصَّحيحَ لا يَتعلَّقُ عليه حَجْرٌ لأحَدٍ في مالِه ولا الوارِثِ ولا غيرِه، فكانَتْ عَطاياهُ وهِباتُه مِنْ رأسِ المالِ،
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٣، ٤٧٤)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٩٢)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٧٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٣)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٣٩)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٣).
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.