الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > شروط الواقفين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةأو يُؤجِّرَ بَيتَه لمن يُصَلِّي فيه ويَأخذَ الأُجرةَ على هذا، وإجارَتُهما لذلكَ غيرُ جائِزةٍ؛ لأنَّ ذلكَ ليس مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ (١).
شُروطُ الواقِفِينَ:
الوَقفُ قُربةٌ مِنْ القُرَبِ الاختيارِيَّةِ التي يَتقرَّبُ بها العَبدُ إلى اللهِ تعالى، يَضَعُها فيمَن يَشاءُ وبالطَّريقةِ التي يَختارُها، وله أنْ يضَعَ مِنْ الشُّروطِ عند ابتِداءِ الوَقفِ ما يَشاءُ ما لم تُخالِفْ تلكَ الشُّروطُ أحكامَ الشَّريعةِ الإسلاميةِ أو تُنافي مُقتضَى الوَقفِ، ويَجبُ الرُّجوعُ والعملُ بكُلِّ ما يَشترطُه الواقفُ، ولا يَجوزُ مُخالَفتُها إذا لم تُخالِفْ نَصًّا أو تُنافي مُقتضَى الوَقفِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ.
قالَ الحَنفيةُ: إنَّ شَرائطَ الواقفِ مُعتبَرةٌ إذا لم تُخالِفِ الشَّرعَ، وهو مالِكٌ، فله أنْ يَجعلَ مالَه حيثُ شاءَ ما لم يَكُنْ مَعصيةً، وله أنْ يَخُصَّ صِنفًا مِنْ الفُقراءِ ولو كانَ الوَضعُ في كُلِّهم قُربةً (٢).
وقالَ المالِكيةُ: يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ وُجوبًا إنْ جازَ، والمُرادُ بالجَوازِ: ما قابَلَ المَمنوعَ، فيَشمَلُ المَكروهَ، فإنْ لم يَجُزِ اتِّفاقًا بأنْ شرَطَ شَرطًا
(١) «المدونة» (١١/ ٤٢٣)، و «الإشراف» (٣/ ٢٢٢) رقم (١٠٧١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٤٩، ٣٦١)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٠٤، ٤١٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٧٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١١، ٢٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٥٨، ٥٦٧).
(٢) «ابن عابدين» (٤/ ٣٤٣).
فيهِ مَعصيةٌ أو شَرطًا يُنافي المَصلحةَ لم يُتَّبعْ، أمَّا المُختلَفُ فيهِ -كاشتِراطِ إخراجِ البَناتِ مِنْ وَقفِه إذا تَزوَّجْنَ- فهذا لا يَجوزُ الإقدامُ عليه، فإذا وقَعَ مَضَى (١).
وقالَ الشافِعيةُ: تُتَّبعُ شُروطُ الواقفِ في غَيرِ حالةِ الضَّرورَةِ، ويَجبُ مُراعاتُها نظَرًا للوَفاءِ بغَرضِهِ الذي مَكَّنَه الشَّارعُ فيه، ما لم يَكنْ فيها ما يُنافي الوَقفَ، فإذا تَلفَّظَ الواقفُ في صيغةِ وَقفِه بحَرفِ عَطفٍ يَقتَضي تَشريكًا أو تَرتيبًا عُمِلَ به كسائِرِ شُروطِه التي لم تُخالِفِ الشَّرعَ؛ وذلكَ لِما فيهِ مِنْ وُجودِ المَصلحةِ العائِدةِ على الواقفِ.
أمَّا ما خالَفَ الشَّرعَ -كشَرطِ العُزوبةِ في سُكَّانِ المَدرسةِ مثلًا- فلا يَصحُّ؛ لأنه مُخالِفٌ للكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، أي: مِنْ الحَضِّ على التَّزوجِ وذمِّ العُزوبةِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: يَجبُ مُراعاةُ شُروطِ الواقفِ والعَملُ بها؛ لأنَّ عُمرَ رضي الله عنه وقَفَ وَقفًا وشرَطَ فيهِ شُروطًا، ولو لم يَجبِ اتِّباعُ شَرطِه لم يَكنْ في اشتِراطِه فائِدةٌ، ما لم تُفضِ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ أو تَكونَ مَكروهةً أو حَرامًا.
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٩٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٧٨)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٣)، و «شرح ميارة» (٢/ ٢٣٤)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٥٤)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٦٧).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦٩)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٣١٩).
ولا تَجوزُ المُحافَظةُ على بَعضِها مع فَواتِ المَقصودِ بها إنْ كانَ الوَقفُ يَحتاجُ إلى عِمارةٍ لا تَحصلُ إلَّا بأنْ يُزادَ على المُدَّةِ المَشروطةِ مُدَّةٌ أُخرى جازَ أنْ يُزادَ عليها بقَدرِ ما يُحتاجُ إليهِ فقط، ككَونِ العِمارةِ تَحتاجُ إلى استِلافِ دَراهِمَ ولم يَحصلْ مَنْ يُسلِفُهم إلا مَنْ يَستأجِرُ أكثَرَ مِنْ هذه المُدَّةِ، وأنْ تَكونَ عِمارتُه مع الخَرابِ ليُعمَرَ بما يَحصلُ مِنْ الأُجرةِ، ولا تُمكِنُ إلَّا مع الزِّيادةِ، فإنه يَجوزُ أنْ يُزادَ بقَدْرِ الحاجةِ، فإنَّ عِمارةَ الوَقفِ واجِبةٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا به فلا بُدَّ مِنْ فِعلِه، وهذا واجِبٌ بالشَّرعِ.
ويُرجَعُ إلى شَرطِ الواقفِ في قَسمِه على المَوقوفِ عليه، وفي التَّقديمِ والتَّأخيرِ والجَمعِ والتَّرتيبِ والتَّسوِيةِ والتَّفضيلِ، وإخراجِ مَنْ شاءَ بصِفةٍ وإدخالِه بصِفةٍ، وفي النَّاظِرِ فيهِ والإنفاقِ عليه وسائِرِ أحوالِه، وكذا لو شرَطَ عدَمَ إيجارِه أو قدَّرَ مُدَّةً.
قالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: تَنبيهٌ: ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ وغَيرِه أنَّ الشَّرطَ المُباحَ الذي لا يَظهرُ قَصدُ القُربةِ منه يَجبُ اعتِبارُه في كَلامِ الواقفِ.
قالَ الحارِثيُّ: وهو ظاهِرُ كَلامِ الأصحابِ، والمَعروفُ في المَذهبِ الوُجوبُ، قالَ: وهو الصَّحيحُ.
وقالَ في «الفائِق»: وقالَ شَيخُنا -يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ رحمة الله عليه: يُخَرَّجُ مِنْ شَرطِ كَونِه قُربةً اشتِراطُ القُربةِ في الأصلِ، يَلزمُ الشُّروطَ المُباحةَ. انتهى
وقالَ في «الفُرُوع»: واختارَ شَيخُنا -يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ- لُزومَ العملِ بشَرطٍ مُستحَبٍّ خاصَّةً، وذكَرَهُ صاحِبُ «المَذهَب»؛ لأنه لا يَنفعُه ويُعذرُ عليه، فبَذلُ المالِ فيهِ سَفهٌ ولا يَجوزُ. انتهى
قالَ الحارِثيُّ: ومِن مُتأخِّري الأصحابِ مَنْ قالَ: لا يَصحُّ اشتِراطُه -يَعني المُباحَ- في ظاهِرِ المَذهبِ وعلَّلَه، قالَ: وهذا له قوَّةٌ على القَولِ باعتِبارِ القُربةِ في أصلِ الجِهةِ كما هو ظاهِرُ المَذهبِ، وإياه أرادَ بقَولِه: «في ظاهِرِ المَذهبِ» فيما أَرى، ويُؤيِّدُه مِنْ نَصِّ الإمامِ أحمَدَ، وذكَرَ النَّصَّ في الوَصيةِ. انتهى
والظاهِرُ أنه أرادَ بقَولِه: «مِنْ مُتأخِّري الأصحابِ» الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ رحمة الله عليه، وكانَ في زَمنِه، وفي كَلامِ صاحِبِ «الفُرُوع» إيماءٌ إلى ذلكَ.
وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ أيضًا: مَنْ قدَّرَ له الواقفُ شيئًا فله أكثَرُ منه إنْ استَحقَّه بمُوجبِ الشَّرعِ.
وقالَ أيضًا: الشَّرطُ المَكروهُ باطِلٌ اتِّفاقًا (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: إنَّما يَلزمُ الوَفاءُ بالشُّروطِ إذا لم يُفْضِ ذلكَ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ الشَّرعيِّ الذي هو إمَّا واجِبٌ
(١) «الإنصاف» (٤/ ٥٣، ٥٥)، ويُنظَر: «الفروع» (٤/ ٤٥٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٥٢، ٣٥٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٨١، ٣٨٢)، و «الروض المربع» (٢/ ١٧٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣١٦، ٣٢٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٣١، ٣٣٢).
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.