صرف غلة الوقف إلى جهة أخرى

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > صرف غلة الوقف إلى جهة أخرى

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

صرف غلة الوقف إلى جهة أخرى - الأقوال والأدلة

تقدَّمَ- أو بعَينِ الآلةِ، أمَّا إنْ كانَ المُرادُ: «لا يُعمَّرُ وَقفٌ مِنْ رَيعِ آخَرَ على جِهتِه» كما هو مُقتضَى كلامِهم، ففيه أنَّ الرَّيعَ مِلكٌ للمَوقوفِ عليه يَفعلُ به ما يُريدُ، اللَّهمَّ إلا أنْ يُقالَ: المُرادُ: «لا يَجبُ ذلكَ»، أو يُحمَلُ على ما إذا كانَ الوقفُ على غَيرِ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ ونَحوِهم، فإنَّ الناظِرَ يُمنَعُ مِنْ تَعميرِ أحَدِهما مِنْ رَيعِ الآخَرِ.

قَولُه: (مِنْ آخَرَ) أي: مِنْ رَيعِ آخَرَ ولو على جِهتِه.

قَولُه: (وأفتَى عُبادةُ … إلخ) هو مِنْ أئمَّةِ أصحابِنا، كما نقَلَه عنهُ ابنُ رَجبٍ في «طَبقاتِه» في تَرجَمتِه.

قَولُه: (وعليهِ العملُ) وهذا مُقابِلٌ لِما جزَمَ به المُصنِّفُ أولًا (١).

صَرفُ غلَّةِ الوَقفِ إلى جِهةٍ أُخرى:

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ويَجوزُ تَغييرُ شَرطِ الواقفِ إلى ما هو أصلَحُ منه وإنِ اختَلفَ ذلكَ باختِلافِ الزَّمانِ، حتى لو وقَفَ على الفُقهاءِ والصُّوفيةِ واحتاجَ الناسُ إلى الجِهادِ صُرِفَ إلى الجُندِ (٢).

وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: وما فضَلَ عن حاجةِ المَسجدِ مِنْ حُصرِه وزَيتِه ومُغَلِّه وأنقاضِه وآلتِه وثَمنِها إذا بِيعَتْ جازَ صَرفُه إلى مَسجدٍ آخَرَ مُحتاجٍ إليهِ؛ لانه صَرْفٌ في نَوْعِ المُعَيَّنِ، وجازَتِ الصَّدقةُ بها على فُقَراءِ المُسْلِمينَ؛

(١) «منتهى الإرادات» (٣/ ٣٨٥، ٣٨٦).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٠٩).

لأنه في معنى المُنقطعِ، قالَ الحارِثيُّ: وإنَّما لم يُرصَدْ لِما فيهِ مِنْ التعطُّلِ، فيُخالِفُ المَقصودَ، ولو توقَّعَتِ الحاجةُ في زَمنٍ آخَرَ ولا رَيعَ يَسُدُّ مَسدَّها لم يُصرَفْ في غيرِها؛ لأنَّ الأصلَ الصَّرفُ في الجِهةِ المُعيَّنةِ، وإنَّما سُومِحَ بغَيرِها حَيثُ لا حاجةَ حَذرًا مِنْ التَّعطلِ، وخَصَّ أبو الخطَّابِ والمَجدُ الفُقراءَ بفُقراءِ جِيرانِه؛ لاختِصاصِهم بمَزيدِ مُلازَمتِه والعِنايةِ بمَصلحتِه.

قالَ الحارِثيُّ: والأولُ أشبَهُ.

قالَ الشيخُ -يَعني ابنَ تَيميةَ-: يَجوزُ صَرفُ الفاضِلِ في مِثلِه وفي سائِرِ المَصالحِ وفي بناءِ مَساكِنَ لمُستحِقِّ رَيعِه القائمِ بمَصلحتِه.

وفَضلُ غَلةِ مَوقوفٍ على مُعيَّنٍ استِحقاقُه مُقدَّرٌ مِنْ الوَقفِ بتَعيُّنِ أرصادِه، ذكَرَه القاضي مُحمدٌ أبو الحُسيْنِ، واقتَصرَ عليه الحارِثيُّ، قالَ: وأمَّا فَضلُ غَلةِ المَوقوفِ على مُعيَّنٍ أو مُعيَّنينَ أو طائِفةٍ مُعيَّنةٍ فتَعيَّنَ إرصادُه، ذكَرَه القاضي أبو الحُسينِ في فَضلِ غَلةِ المَوقوفِ على نَفقةِ إنسانٍ، وإنَّما يَتأتَّى إذا كانَ الصَرفُ مُقدَّرًا، أمَّا عند عَدمِ التَّقديرِ فلا فضْلَ؛ إذِ الغَلةُ مُستغرَقةٌ، قالَ في «الإنْصَاف»: وهو واضِحٌ، وقطعَ به في «المُنتَهى».

وقالَ الشَّيخُ: إنْ عَلِمَ أنَّ رَيعَه يَفضلُ دائِمًا وجَبَ صَرفُه؛ لأنَّ بَقاءَه فَسادٌ له وإعطاؤُه -أي المُستحِقِّ- فوقَ ما قَدَّرَ له الواقفُ جائزٌ؛ لأنَّ تَقديرَه لا يَمنعُ استِحقاقَه، قالَ: ولا يَجوزُ لغَيرِ الناظرِ صَرفُ الفاضِلِ؛ لأنه افتِياتٌ على مَنْ له وِلايتُه، قلتُ: والظاهِرُ لا ضَمانَ كتَفرِقةِ هَديٍ وأُضحيةٍ.

ومَن وقَفَ على ثَغرٍ فاختَلَّ الثَّغرُ صُرِفَ المَوقوفُ في ثَغرٍ مِثلِه؛ أخذًا مِنْ مَسألةِ بَيعِ الوَقفِ إذا خَرِبَ؛ إذِ المَقصودُ الأصليُّ هُنا الصَّرفُ إلى المَرابطِ، فإعمالُ شَرطِ الثَّغرِ المُعيَّنِ مُعطِّلٌ له، فوجَبَ الصَّرفُ إلى ثَغرٍ آخَرَ.

قالَ في «التَّنقِيح»: وعلى قِياسِه مَسجدٌ ورِباطٌ ونَحوُهما، وهو ما صَرَّحَ به الحارِثيُّ.

قالَ: والشَّرطُ قد يُخالَفُ للحاجةِ كالوَقفِ على المُتفقِّهِ على مَذهبٍ مُعيَّنٍ، فإنَّ الصَّرفَ يَتعيَّنُ عندَ عَدمِ المُتفقِّهةِ على ذلكَ المَذهبِ إلى المُتفقِّهةِ على مَذهبٍ آخَرَ؛ أخذًا مِنْ مَسألةِ بَيعِ الوقفِ إذا خَرِبَ.

قالَ: ولو وقَفَ على مَسجدٍ أو حَوضٍ وتَعطَّلَ الانتفاعُ بهمَا صُرِفَ إلى مِثلِهما، ولو نذَرَ التَّصدقَ بمالٍ في يَومٍ مَخصوصٍ مِنْ السَّنةِ وتَعذَّرَ فيهِ وجَبَ متى أمكَنَ، ونَصَّ أحمدُ فيمَن وقَفَ على قَنطرةٍ فانحَرفَ الماءُ أو انقَطعَ يُرصَدُ، لعَلَّه -أي الماء- يَرجعُ فيَحتاجونَ إلى القَنطرةِ، وقَدَّمَ الحارِثيُّ: يُصرَفُ إلى قَنطرةٍ أُخرى؛ لِما تقدَّمَ (١).

وجاءَ في «المِعيار المُعرب» في سُؤالٍ وُجِّهَ إلى الأُستاذِ أبي سَعيدٍ فَرجِ ابنِ لُبٍّ مَفادُه: هل يَجوزُ صَرفُ الأحباسِ التي لا يُعلَمُ مَصرِفُها في أبوابِ الخيرِ؟

(١) «كشاف القناع» (٤/ ٣٥٦، ٣٥٧).

فأجابَ: إذا كانَتِ الأحباسُ المَعلومةُ المَصرِفِ قد قيلَ بجَوازِ صَرفِ فائِدِها- أي فاضِلِها- في غيرِ مَصرِفِها ممَّا هو داخِلٌ في بابِ الخيرِ وسُبلِ البِرِّ، فكيفَ بالأحباسِ التي لا يُعلَمُ مَصرِفُها؟! وقَعَ في «نَوازِل ابنِ جابرٍ» ما نَصُّه: خفَّفَ مُحمدُ بنُ إسحاقَ في تَصريفِ الأحباسِ بَعضِها في بَعضٍ.

وقد فعَلَ ذلكَ غَيرُه مِنْ القُضاةِ بقُرطُبةَ، وهو قَولُ ابنِ حَبيبٍ في كِتابِ الحَبسِ مِنْ «واضِحتِه»، وفي ذلكَ اختِلافٌ، وذكَرَ ابنُ سَهلٍ في «نَوازلِه» نحوَ ذلكَ عن بَعضِ الشُّيوخِ أنه لا حرَجَ في صَرفِ فَوائدِ الأحباسِ بَعضِها في بَعضٍ، ولا بَأسَ بما هو للهِ أنْ يُصرَفَ فيما هو للهِ (١).

وسُئِلَ ابنُ الماجَشونِ في أرضٍ مُحبَّسةٍ لدَفنِ المَوتى فضاقَتْ بأهلِها فمَلَؤوها ويُدفَنونَ في غَيرِها فلا يُدفَنُ فيها إلَّا الفاد وبِجانبِها مَسجدٌ ضاقَ بأهلِه، فأرادُوا أنْ يُوسِعوا فيهِ منها فذلكَ جائِزٌ، وذلكَ حَبسٌ كلُّه، لا بَأسَ أنْ يُصرفَ بَعضُه في بَعضٍ، قالَ أصبَغُ عن ابنِ القاسِمِ في مَقبرةٍ عَفَتْ: لا بَأسَ أنْ يُبنى فيها مَسجدٌ، وكلُّ ما كانَ للهِ فلا بَأسَ أنْ يُستعانَ ببَعضِه في بَعضٍ (٢).

وقالَ الإِمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: أرزاقُ المَساجدِ والجَوامعِ يَجوزُ أنْ تُنقلَ عن جِهاتِها إذا تَعطَّلتْ أو وُجِدتْ جِهةٌ هي أَولى بمَصلحةِ المُسلمينَ مِنْ الجِهةِ الأُولى ولو كانَتْ وَقفًا أو إجارةً؛ لتَعذُّرِ ذلكَ فيها؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَجوزُ تَغييرُه، والوَفاءُ بعَقدِ الإجارةِ واجِبٌ (٣).

(١) «المعيار المعرب» (٧/ ٩٢).
(٢) «النوادر والزيادات» للقيرواني (١٢/ ٩٠).
(٣) «الفروق» (٢/ ٤٠٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 541 - 544

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله