الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > لزوم الوقف بمجرد القول
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةلُزومُ الوَقفِ بمُجرَّدِ القَولِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ هل يَلزمُ بمُجرَّدِ القَولِ أم بالقَبضِ؟
فذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الوَقفَ لا يَلزمُ إلا بالقَبضِ؛ لأنه تَبرعٌ بمالٍ لم يُخرِجْه عن الماليَّةِ، فلمْ يَلزمْ بمُجرَّدِه كالهِبةِ (١).
قالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ رحمة الله عليه: لا يَزولُ حتى يَجعلَ للوَقفِ وَليًّا ويُسلِّمَه إليهِ؛ لأنه صَدقةٌ، فيَكونُ التَّسليمُ مِنْ شَرطِه كالصَّدقةِ المُنفَذةِ، ولأنَّ التَّمليكَ مِنْ اللهِ تعالى لا يُتصوَّرُ؛ لأنه مالِكُ الأشياءِ، ولكنَّه يَثبتُ في ضِمنِ التَّسليمِ إلى العَبدِ كما في الزَّكاةِ وغيرِها مِنْ الصَّدقاتِ المُنفَذةِ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ وأبو يُوسفَ منَ الحَنفيةِ-وعليهِ الفَتوى عندَهُم- إلى أنَّ الوَقفَ يَزولُ بمُجرَّدِ القَولِ ولا يُشترطُ القَبضُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ لعُمرَ: «احْبِسْ أصْلَها وسَبِّلْ ثَمرتَها» (٣)، ولم يَأمُرْه بالإقباضِ، ولأنه جعَلَ إليه التَّحْبيسَ، ولأنه تَبرعٌ يَمنعُ البيعَ والهِبةَ، فيَلزمُ بمُجرَّدِه كالعِتقِ، ولأنَّ عُمرَ وقَفَ تِلكَ السِّهامَ التي ملَكَها مِنْ أرضِ خَيبَرَ، فكانَ يَلي صَدقتَه حتَّى قبَضَهُ اللهُ، ولم يُخرِجْها مِنْ
(١) «المبدع» (٥/ ٣٢٨).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٩، ٢٠)، و «الهداية» (٣/ ١٩)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٢٥، ٣٢٦)، و «الاختيار» (٣/ ٤٩، ٥٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٩٨).
(٣) رواه النسائي (٣٦٠٣)، وابن ماجه (٢٣٩٧).
يَدِه، وكذلكَ وقَفَ عليٌّ رضي الله عنه ولم يَزَلْ يَلي صَدقتَه حتى قبَضَهُ اللهُ ﷿، ولم تَزَلْ فاطِمةُ رضي الله عنها تَلي صَدقتَها حتى لَقِيَتِ اللهَ، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ الوَقفَ يَلزمُ قبلَ القَبضِ.
ولا نُسلِّمُ أنه عَطيَّةٌ؛ لأنَّ الوَقفَ بمَنزلةِ العِتقِ، والعِتقُ لا يُسمَّى عَطيَّةً، فكذلكَ الوَقفُ، ثمَّ المَعنى في الأصلِ أنَّ ذلكَ تَمليكٌ؛ بدَليلِ أنَّ المَوهوبَ له يَملكُ التصرُّفَ في المَوهوبِ بالبَيعِ وغيرِه، وليسَ كذلكَ الوَقفُ؛ لأنه ليسَ بتَمليكٍ؛ بدَليلِ أنَّ المَوقوفُ عليه لا يَملكُ التصرُّفَ فيه ببَيعٍ ولا غيرِه (١).
قالَ الدُّسوقِيُّ رحمة الله عليه: يَلزمُ الوَقفُ ولو لم يُحَزْ، فإذا أرادَ الواقِفُ الرُّجوعَ في الوَقفِ لا يُمكَّنُ مِنْ ذلكَ، وإذا لم يُحَزْ عنه أُجبِرَ على إخراجِه مِنْ تَحتِ يَدِه للمَوقوفِ عليه (٢).
وقالَ العَدَويُّ رحمة الله عليه: إذا أرادَ الرُّجوعَ في الوَقفيَّةِ فليسَ له ذلكَ؛ لأنَّ الوَقفَ يَلزمُ بالقَولِ (٣).
(١) «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٢٥، ٣٢٦)، و «الاختيار» (٣/ ٤٩، ٥٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٩٨)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥١٤، ٥١٥)، و «المغني» (٥/ ٣٤٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٦)، و «المبدع» (٥/ ٣٢٨)، و «الإنصاف» (٧/ ١٠٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤٤)، و «المحرر في الفقه» (٣٧٠).
(٢) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٤٥٥)، و «المعونة» (٢/ ٤٨٩).
(٣) «حاشية العدوي بهامش الخرشي» (٧/ ٨٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.