لزوم الوقف

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > لزوم الوقف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

لزوم الوقف - الأقوال والأدلة

لُزومُ الوَقفِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ إذا صدَرَ مِنْ الواقفِ مُستكمِلًا شَرائِطَه، هل يُصبحُ لازِمًا ولا يَحقُّ له الرُّجوعُ فيه؟ أم يَبقى على مِلكِ الواقفِ ويَحقُّ له الرُّجوعُ فيه؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الوَقفَ يَلزمُ ويَنقطعُ حَقُّ الواقفِ في التَّصرفِ في العينِ المَوقوفةِ بأيِّ تَصرُّفٍ يُخلُّ بالوَقفِ، ويَزولُ مِلكُه عن الوَقفِ كالبَيعِ، فلا يُباعُ ولا يُوهبُ ولا يُورثُ.

وذلكَ لِما رَواهُ نافعٌ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ أصابَ أرضًا بخَيبَرَ فأتَى النبيَّ يَستأمرُه فيها فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبتُ أرضًا بخيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تأمرُ به؟ قالَ: إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصْلَها وتَصدَّقتَ بها، قالَ: فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهبُ ولا يُورثُ … » (١).

وفي رِوايةٍ أُخرى للبُخاريِّ عن صَخرٍ بنِ جُويريةَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما «أنَّ عُمرَ تَصدَّقَ بمالٍ له على عَهدِ رَسولِ اللهِ وكانَ يُقالُ له ثَمْغٌ، وكانَ نَخلًا، فقالَ عُمرُ: يا رَسولَ اللهِ إني استَفدْتُ مالًا وهو عندي نَفيسٌ، فأرَدتُ أنْ أتَصدَّقَ به، فقالَ النبيُّ : تَصدَّقْ

(١) أخرجه البخاري (٢٥٨٦) باب: الشُّروطِ في الوَقفِ، ومسلم (١٦٣٢).

بأصلِهِ لا يُباعُ ولا يُوهبُ ولا يُورثُ، ولكنْ يُنفَقُ ثَمرُه، فتَصدَّقَ به عُمرُ، فصَدَقتُه ذلكَ في سبيلِ اللَّهِ وفي الرِّقابِ والمَساكينِ والضَّيفِ وابن السَّبيلِ ولِذي القُربى، ولا جُناحَ على مَنْ وَلِيَهُ أنْ يَأكلَ منه بالمَعروفِ أو يُؤكِلَ صَديقَه غيرَ مُتمَوِّلٍ به» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّ قَولَ: «تَصدَّقْ بأصلِه لا يُباعُ ولا يُوهبُ ولا يُورثُ، ولكنْ يُنفَقُ ثَمرُه» مِنْ كلامِ النبيِّ وليس مِنْ قولِ عمرَ رضي الله عنه.

وفي رِوايةٍ: «احبِسْ أصْلَها وسبِّلْ ثَمرتَها» (٢)، وهذا يَقتضِي أنْ يَجعلَه مَحبوسًا يُقطعُ التَّصرفُ فيه بالبَيعِ ونَقلِه عمَّا هو عليه.

(١) «صحيح البخاري» (٢٦١٣) قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه في «فَتْح البَارِي» (٥/ ٤٠١): قالَ السُّبكيُّ: اغتَبَطتُ بما وقَعَ في رِوايةِ يَحيى بنِ سَعيدٍ عن نافعٍ عندَ البَيهقيِّ: «تَصدَّقْ بثَمرِه وحبِّسْ أصلَه لا يُباعُ ولا يُورَثُ»، وهذا ظاهرُه أنَّ الشرطَ مِنْ كَلامِ النبيِّ ، بخِلافِ بَقيةِ الرِّواياتِ؛ فإنَّ الشرطَ فيها ظاهرُه أنه مِنْ كَلامِ عُمرَ، قلتُ: قد تَقدَّمَ قبلَ خَمسةِ أبوابٍ مِنْ طَريقِ صَخرِ بنِ جُويريةَ عن نافعٍ بلَفظِ: فقالَ النبيُّ : «تَصدَّقْ بأصلِه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، ولكنْ يُنفَقُ ثَمرُه»، وهي أتَمُّ الرواياتِ وأصرَحُها في المَقصودِ، فعَزْوُها إلى البُخاريِّ أَولى، وقد علَّقَه البُخاريُّ في المُزارَعةِ بلفظِ: قالَ النبيُّ لعُمرَ: «تَصدَّقْ بأصلِه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ، ولكنْ لِيُنفقْ ثَمرُه، فتَصدَّقَ به»، وحَكيتُ هناكَ أنَّ الداوُديَّ الشارحَ أنكَرَ هذا اللفظَ، ولم يَظهرْ لي إذْ ذاكَ سَببُ إنكارِه، ثُمَّ ظهَرَ لي أنه بسَببِ التصريحِ برَفعِ الشرطِ إلى النبيِّ ، على أنه ولو كانَ الشرطُ مِنْ قَولِ عُمرَ فما فعَلَه إلَّا لِما فَهِمَه مِنْ النبيِّ حيثُ قالَ له: «احبِسْ أصْلَها وسَبِّلْ ثَمرتَها».
(٢) رواه النسائي (٣٦٠٣)، وابن ماجه (٢٣٩٧).

وأيضًا: عَلِمْنا بأنَّ عُمرَ رضي الله عنه قصَدَ القُربةَ ورجَعَ إلى النبيِّ في كَيفيةِ ما يَفعلُه، فلما قالَ: «احبِسِ الأصلَ» لم يَجُزْ له العُدولُ عن هذا، وأيضًا: ما كَتَبَ به عمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ، وذلكَ لا يَكونُ إلا بأمرِه؛ لأنه المُشيرُ في القَضيةِ والمُدبِّرُ لها.

ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ؛ لأنه قد فعَلَه أبو بَكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ وعَليُّ وطَلحةُ والزُّبيرُ وعائِشةُ وزَيدُ بنُ ثابِتٍ ورافِعُ بنُ خَديجٍ وخالدُ بنُ الوَليدِ وجابِرٌ وابنُ عُمرَ وأمُّ سَلمةَ وحَفصةُ رضي الله عنهم، ولم يُحفظْ عن أحَدٍ الامتِناعُ منه.

ولأنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إلى أنْ يَلزمَ الوَقفُ ليَصِلَ ثَوابُه إليهِ على الدَّوامِ، وقد أمكَنَ دَفعُ هذه الحاجةِ بإسقاطِ المِلكِ وجَعلِه للهِ تعالى كما في المَقبرةِ، ولأنَّ كلَّ ما جازَ أنْ يَلزمَ بالوَصيةِ بعدَ الوَفاةِ جازَ أنْ يَلزمَ بقَولِه حالَ الحَياةِ كالعِتقِ، ولأنها جِهةٌ مِنْ جِهاتِ البِرِّ، فجازَ أنْ يَلزمَ بغَيرِ حُكمِ الحاكِمِ، أصلُه الهِبةُ والصَّدقةُ (١).

(١) «المبسوط» (١٢/ ٣٤)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٩، ٢٠)، و «الهداية» (٣/ ١٩)، و «العناية» (٨/ ٣٥٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٢٥، ٣٢٦)، و «الاختيار» (٣/ ٤٩، ٥٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٩٧، ٩٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٤٥، ٢٤٦) رقم (١٠٩١)، و «المعونة» (٢/ ٤٨٩)، و «الذخيرة» (٦/ ٣٢٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٧٩)، و «الإقناع» للماوردي (١١٩)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥١٥، ٥٢١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٤٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٩)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٥).

وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: ووَجهُ قولِه: «إنها تَكونُ حَبسًا مُحرَّمةً» قَولُه لعُمرَ رضي الله عنه: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ»، ومَوضعُ التعلُّقِ منه أنَّ عُمرَ أرادَ أنْ يَتصدَّقَ بالأصلِ صَدقةً تُبتدَأُ، وهي تَمليكُ رَقبتِه، فأشارَ عليه بأنْ يُحبِّسَ أصْلَه ويُسبِّلَ الثَّمرةَ، فدَلَّ على أنَّ الأصلَ يَتأبَّدُ تَحريمُه، ولو لم يَكنْ كذلكَ لم يَكنِ الغَرضُ حاصِلًا؛ لأنه كانَ يَعودُ إلى مِلكِه فيُبطِلُ غرَضَه في التصدُّقِ به، ولأنَّ إطلاقَ القَولِ أنَّ هذا حَبسُ مَنافعِه على التَّأبيدِ مُستَحقه؛ لأنه لم يُقيِّدْ ذلكَ بوَقتٍ دونَ وَقتٍ، فكانَ الإطلاقُ مُقتضِيًا للتَّأبيدِ، وليسَ يُخرجُه عن ذلكَ بَيانُه لمَن حُبسَتْ عليهِ أنْ يَقولَ: «حَبسٌ على فُلانٍ»، لأنَّ ذلكَ لا يُفيدُ تَقييدَ الحَبسِ، وإنَّما يُفيدُ التَّبدئةَ فقطْ، ولأنه لَفظٌ يَقتضِي التَّحبيسَ، فوجَبَ أنْ يَستحقُّ التَّأبيدَ بإطلاقِه، أصلُه لَفظُ الوَقفِ، ولأنَّ لفْظَ «حَبسٌ» مُطلَقٌ، فوجَبَ أنْ يَقتضيَ التَّحريمَ، أصلُه إذا كانَ على مَجهولينَ (١).

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ الوَقفَ جائِزٌ غَير لازمٍ، وهو على مِلكِ الواقفِ؛ لِما رُوِيَ عن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قالَ: لمَّا نزَلَتْ سُورةُ النِّساءِ وفُرِضتْ فيها الفَرائضُ قالَ رَسولُ اللهِ : «لا حَبْسَ عن فَرائِضِ اللهِ» (٢)، أي: لا مالَ يُحبَسُ بعَدمِ مَوتِ صاحِبِه عن القِسمةِ بينَ

(١) «المعونة» (٢/ ٤٨٩، ٤٩٠).
(٢) رواه البيهقي في «الكبرى» (١١٦٨٨)، و «الدارقطني» (٤/ ٧٨) مِنْ حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وقالَ الدارقُطنيُّ: لَمْ يُسنِدْه غيرُ ابنُ لَهيعةَ عن أخيهِ، وهُمَا ضَعيفانِ.

وَرثتِه، والوَقفُ حَبسٌ عن فَرائضِ اللهِ تعالى عَزَّ شَأنُه، فكانَ مَنفِيًّا شَرعًا، فيَجوزُ له بَيعُه والرُّجوعُ فيه ويُورثُ عنه.

وعَن شُريحٍ أنه قالَ: «جاءَ مُحمدٌ ببَيعِ الحَبيسِ»، وهذا منه رِوايةٌ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه يَجوزُ بَيعُ المَوقوفِ؛ لأنَّ الحَبيسَ هو المَوقوفُ، فَعِيلٌ بمَعنى المَفعولِ؛ إذِ الوَقفُ حَبسٌ لُغةً، فكانَ المَوقوفُ مَحبوسًا، فيَجوزُ بَيعُه، وبه تَبيَّنَ أنَّ الوَقفَ لا يُوجِبُ زَوالَ الرَّقبةِ عن مِلكِ الواقفِ.

ولأنَّ شَرائطَ الواقفِ تُراعَى فيه، ولو زالَ عن مِلكِهِ لم تُراعَ كالمسجِدِ، ولأنه يَحتاجُ إلى التصدُّقِ بالغلَّةِ دائِمًا، ولا يَكونُ ذلكَ إلا ببَقاءِ العينِ على مِلكِه، ويَدلُّ عليه قَولُه عليه الصلاة والسلام لعُمرَ: «احبِسْ أصْلَها وسَبِّلْ ثَمرتَها»، أي: احبِسْهُ على مِلكِكَ وتَصدَّقْ بثَمَرتِها، وإلا لَكانَ مُسبَّلًا جَميعُها، وهذا لأنَّ خُروجَ المِلكِ لا إلى مالكٍ غيرُ مَشروعٍ، ألَا تَرى أنَّ اللهَ تعالى نهَانا عن السَّائبةِ، وهي التي يُسيِّبُها مالِكُها ويُخرِجُها عن مِلكِه بزَعمِهم ولا يَتناولُ منها إلا الفُقراءُ أو الضُّيوفُ، بخِلافِ الإعتاقِ أو المَسجدِ؛ لأنه يُحرَزُ عن حقِّ العَبدِ، حتى لا يَجوزُ له أنْ يَنتفعَ به، ولهذا لا يَنقطعُ عنه حقُّ العَبدِ، حتى كانَ له وِلايةُ التَّصرفِ فيه بصَرفِ غلَّاتِه إلى مَصارِفِه ونَصبِ القَيِّمِ، ولأنه تَصدُّقٌ بالغلَّةِ أو بالمَنفعةِ المَعدومةِ، وهو غيرُ جائِزٍ إلا في الوَصيةِ.

ولهذا أرادَ عُمرُ رضي الله عنه أنْ يَبيعَ ذلكَ بعد مَوتِ النبيِّ ثُمَّ كَرِهَ أنْ يَنقُضَ ما كانَ بينَه وبينَ رَسولِ اللهِ فتَرَكَه، ذكَرَهُ الطَّحاويُّ، ولو كانَ لازِمًا لَمَا حَلَّ له أنْ يَنقضَ.

قالَ الطَّحاوِيُّ رحمة الله عليه: حدَّثَنا يُونسُ قالَ: أخبَرَنا ابنُ وَهبٍ أنَّ مالِكًا أخبَرَه عن زيادِ بنِ سَعدٍ عن ابنِ شِهابٍ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه قالَ: «لَولا أني ذَكَرتُ صَدَقتي لرَسولِ اللهِ أو نَحوَ هذا- لَردَدتُها» (١)، فلمَّا قالَ عمرُ رضي الله عنه هذا دَلَّ ذلكَ أنَّ نَفسَ الإيقافِ للأرضِ لم يَكنْ يَمنعُه مِنْ الرُّجوعِ فيها، وأنه إنَّما منَعَه مِنْ الرُّجوعِ فيها أنَّ رَسولَ اللهِ أمَرَه فيها بشيءٍ وفارَقَه على الوَفاءِ به، فكَرِهَ أنْ يَرجعَ عن ذلكَ، كما كَرهَ عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو أنْ يَرجعَ بعد مَوتِ رَسولِ اللهِ عن الصَّومِ الذي كانَ فارَقَه عليه أنْ يَفعلَه، وقد كانَ له أنْ لا يَصومَ، ثمَّ هذا شُريحٌ وهو قاضِي عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ الخُلفاءِ الراشِدينَ المَهديِّينَ رضي الله عنهم أجمَعينَ قد رُويَ عنه في ذلكَ أيضًا ما قد حدَّثَنا سُليمانُ بنُ شُعيبٍ عن أبيهِ عن أبي يُوسفَ عن عَطاءِ بنِ السَّائبِ قالَ: «سَألتُ شُريحًا عن رَجلٍ جعَلَ دارَه حَبسًا على الآخِرِ فالآخِرِ مِنْ ولَدِه، فقالَ: إنَّما أقضِي ولستُ أُفتي، قالَ: فناشَدتُه، فقالَ: لا حَبْسَ على فَرائضِ اللهِ»، وهذا لا يَسعُ القُضاةَ جَهلُه ولا يَسعُ الأئمَّةَ تَقليدُ مَنْ يَجهلُ مِثلَه، ثمَّ لا يُنْكِرُ ذلكَ عليه مُنكِرٌ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ولا مِنْ تابِعيهم رَحمَة اللهِ عليهِم (٢).

وقَولُ رَسولِ اللهِ : «يَقولُ ابنُ آدَمَ: مالِي مالِي، قالَ: وهلْ لكَ يا ابنَ آدَمَ مِنْ مالِكَ إلا ما أَكلْتَ فأَفنَيتَ أو لَبِستَ فأَبلَيتَ أو تَصدَّقتَ

(١) مُنقطِعٌ؛ فإنَّ ابنَ شِهابٍ الزُّهريَّ لمْ يَسمعْ مِنْ عُمرَ.
(٢) «شرح معاني الآثار» (٤/ ٩٦).

فأَمضَيتَ» (١)، وما سِوى ذلكَ فهو مالُ الوارِثِ، فبَيَّنَ النبيُّ أنَّ الإرثَ إنَّما يَنعدِمُ في الصَّدقةِ التي أمضاها، وذلكَ لا يَكونُ إلا بعد التَّمليكِ مِنْ غيرِه.

ولا يَلزمُ الوَقفُ عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ إلا في حالاتٍ ثَلاثٍ:

١ - أنْ يَحكمَ به حاكمٌ ولَّاهُ الإمامُ، فإنه حِينئذٍ يَزولُ مِلكُ الواقفِ عنه بلا خِلافٍ؛ لقَضائِه في أمرٍ مُختلَفٍ فيهِ.

وطَريقُ الحُكمِ في ذلكَ: أنْ يُسلِّمَ الواقِفُ ما وقَفَه إلى المُتولِّي ثُمَّ يُريدُ أنْ يَرجعَ فيهِ مُحتَجًّا بعَدمِ اللُّزومِ، فيَتخاصَمانِ إلى القاضي فيَقضِي بلُزومِه، وكذا إذا أجازَه الوَرثةُ جازَ؛ لأنَّ المِلكَ لهم، فإذا رَضوا بزَوالِ مِلكِهم جازَ، كما لو أَوصَى بجَميعِ مالِه.

٢ - أو يُعلِّقُه بمَوتِه فيَقولَ: «إذا مِتُّ فقدْ وَقَفتُ دارِي على كذا»؛ لأنه إذا علَّقَه بمَوتِه فقدْ أخرَجَه مَخرجَ الوَصيةِ، وذلكَ جائِزٌ ويُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنه تَبرعٌ علَّقَه بمَوتِه، فكانَ مِنْ الثُّلثُ كالهِبةِ والوَصيةِ في المَرضِ.

٣ - أو أنْ يَجعلَه مَسجدًا ويَفرِزَه عن مِلكِه ويَأذنَ للناسِ بالصلاةِ فيهِ -ولو صَلَّى فيه وحْدَه-، فيَزولُ مِلكُه عنه؛ لأنه جعَلَه خالِصًا للهِ تعالَى، واكتُفيَ بصَلاةِ الواحِدِ؛ لأنَّ فِعلَ الجَميعِ مُتعذِّرٌ، فاشتُرطَ الأقلُّ، ولأنَّ المَسجدَ مَوضعُ السُّجودِ، فيَحصلُ بفِعلِ واحِدٍ (٢).

(١) أخرجه مسلم (٢٩٥٨).
(٢) «المبسوط» (١٢/ ٣٤)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٩، ٢٠)، و «الهداية» (٣/ ١٩)، و «العناية» (٨/ ٣٥٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٢٥، ٣٢٦)، و «الاختيار» (٣/ ٤٩، ٥٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٩٧، ٩٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 66 - 72

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله