ما يقوم مقام اللفظ

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > ما يقوم مقام اللفظ

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

ما يقوم مقام اللفظ - الأقوال والأدلة

ما يَقومُ مَقامَ اللَّفظِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ، هل يَحصلُ بالفِعلِ مع القَرائنِ الدَّالةِ عليهِ مثلَ أنْ يَبنيَ مَسجِدًا ويَأذنَ للنَّاسِ بالصلاةِ فيهِ، أو مَقبرةً ويَأذنَ في الدَّفنِ فيها، أو سِقايةً ويَأذنَ في دُخولِها أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ -على تَفصيلٍ مُطوَّلٍ عندَهُم سَيأتي- والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَصيرُ بذلكَ وَقفًا وليسَ له الرُّجوعُ فيه، فيَحصلُ الوَقفُ بالفِعلِ المُقتَرِنِ بالقَرائنِ كالقَولِ؛ لأنَّ العُرفَ جارٍ بذلكَ وفيهِ دِلالةٌ على الوَقفِ، فجازَ أنْ يَثبتَ به كالقَولِ، وجرَى مَجرى مَنْ قَدَّمَ إلى ضَيفِه طَعامًا كانَ إذنًا في أكلِه، ومَن مَلأَ خابِيةَ ماءٍ على الطريقِ كانَ تَسبيلًا له، ومَن نثَرَ على الناسِ نِثارًا كانَ إذنًا في التِقاطِه وأُبيحَ أخذُه، وكذلكَ دُخولُ الحَمَّامِ واستِعمالُ مائِه مِنْ غيرِ إذنٍ مُباحٌ بدَلالةِ الحالِ.

قالَ الحَنفيةُ: مَنْ بَنى مَسجدًا لم يَزُلْ مِلكُه عنهُ حتى يَفرزَه عن مِلكِه بطَريقِه ويَأذنَ بالصَّلاةِ فيهِ، أمَّا الإفرازُ فلإنهُ لا يَخلُصُ للهِ إلا به؛ لأنه ما دامَ حقُّ العَبدِ مُتَعلِّقًا به لم يَتحرَّرْ للهِ، وأمَّا الصلاةُ فيهِ فلإنه يُشترطُ التَّسليمُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وتَسليمُه أنْ يَأذنَ للناسِ بالصلاةِ فيه، فيَكونُ ذلكَ بمَنزلةِ القَبضِ، فإذا صَلَّوا فيه فكأنهُم قَبضُوهُ.

فإذا صَلَّى فيهِ واحِدٌ زالَ مِلكُه عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ فِعلَ كُلِّ الناسِ مُتعذِّرٌ، فيُشترطُ أدناهُ.

وعنهما أنه يُشترطُ الصلاةُ بجَماعةٍ جَهرًا بأذانٍ وإقامةٍ، حتى لو كانَ سِرًّا بأنْ كانَ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ لا يَصيرُ مَسجدًا، ولو جعَلَ له إمامًا ومُؤذِّنًا وهو رَجلٌ واحِدٌ فصَلَّى فيه بأذانٍ وإقامةٍ صارَ مَسجِدًا اتِّفاقًا؛ لأنَّ أداءَ الصلاةِ على هذا الوَجهِ كالجَماعةِ، ألَا تَرى أنَّ المُؤذِّنَ لو صَلَّى في المَسجدِ على هذه الهَيئةِ ليسَ لمَن يَجيءُ بعدَه أنْ يُصلِّيَ بالجَماعةِ في ذلكَ المَسجدِ، وهذه الرِّوايةُ هي الصَّحيحةُ؛ لأنَّ المَساجدَ تُبنَى لإقامةِ الصلَواتِ فيها بالجَماعةِ، فلا يَصيرُ مَسجِدًا قبلَ حُصولِ هذا المَقصودِ، ولو سلَّمَ المَسجدَ إلى مُتوَلٍّ نَصَبَه ليَقومَ بمصالِحِه فالأصَحُّ أنه يَجوزُ؛ لأنَّ المَسجدَ قدْ يَكونُ له خَادِمٌ يَكنُسُ ويُغلِقُ البابَ ونَحوهُ.

وقالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: يَزولُ مِلكُه بقَولِه: «جَعلتُه مَسجدًا»؛ لأنَّ التَّسليمَ عندَه ليسَ بشَرطٍ؛ لأنه إسقاطٌ لمِلكِ العَبدِ، فيَصيرُ خالِصًا للهِ بسُقوطِ حقِّ العَبدِ، وصارَ كالإعتاقِ.

وإذا صارَ مَسجدًا على اختِلافِهم زالَ مِلكُه عنه وحَرُمَ بَيعُه، فلا يُورثُ، وليسَ له الرُّجوعُ فيهِ؛ لأنه صارَ للهِ بقَولِهِ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ولا رُجوعَ فيما صارَ للهِ تعالى كالصَّدقةِ.

ومَن جعَلَ مَسجدًا تحتَه سِردابٌ أو فوقَه بَيتٌ وجعَلَ بابَه إلى الطَّريقِ وعزَلَه أو اتَّخَذَ وَسطَ دارِه مَسجِدًا وأَذِنَ للناسِ بالدُّخولِ فلهُ بَيعُه ويُورثُ عنه؛ لأنه لم يَخلُصْ للهِ؛ لبَقاءِ حقِّ العَبدِ فيه، والمَسجدُ لا يَكونُ إلا خالِصًا للهِ؛ لِما تَلَوْنا، ومع بَقاءِ حقِّ العَبدِ في أسفلِه أو في أعلاهُ أو في جَوانبِه مُحيطًا

به لا يَتحقَّقُ الخُلوصُ كلُّه، أمَّا إذا كانَ السَّفَلُ مَسجدًا فلِأنَّ لصاحِبِ العُلوِّ حقًّا في السَّفَلِ، حتى لا يَكونُ لِصاحبِ السَّفَلِ أنْ يُحدِثَ فيهِ شَيئًا مِنْ غيرِ رِضا صاحبِ العُلوِّ، وأمَّا إذا جعَلَ العُلوَّ مَسجِدًا فلِأنَّ أرضَ العُلوِّ مِلكٌ لصاحِبِ السَّفلِ، وليس له مِنْ التَّصرفاتِ شيءٌ مِنْ غيرِ رِضا صاحِبِ السَّفلِ كالبِناءِ وغَيرِه، بخِلافِ مَسجدِ بَيتِ المَقدِسِ؛ فإنَّ السِّردابَ فيه ليسَ بمَملوكٍ لأحَدٍ، بل هو لمَصالِحِ المَسجدِ، حتى لو كانَ غيرُه مِثلَه نقولُ بأنه صارَ مَسجدًا.

وأمَّا إذا اتَّخذَ وسطَ دارِه مَسجدًا فلِأنَّ مِلكَه مُحيطٌ بجَوانبِه، فكانَ له حقُّ المَنعِ مِنْ الدُّخولِ، والمَسجدُ مِنْ شَرطِهِ ألا يَكونَ لأحَدٍ فيهِ حقُّ المَنعِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، ولأنه لم يَفرِزْه حينَ أبقَى الطريقَ لنَفسِه، فلم يَخلُصْ للهِ، حتى لو عزَلَ بابَه إلى الطريقِ الأعظَمِ صارَ مَسجدًا.

ورَوى الحَسنُ عن أبي حَنيفةَ أنه أجازَ أنْ يَكونَ الأسفَلُ مَسجدًا والأعلى مِلكًا؛ لأنَّ الأسفَلَ أصلٌ وهوَ يَتأبَّدُ، ولم يجزْ عَكسهُ.

وعن مُحمدٍ عَكسُه؛ لأنَّ المَسجدَ مُعظَّمٌ، ولا تَعظيمَ إذا كانَ فَوقَه مُستَعلٍ أو مَسكنٌ، بخِلافِ العَكسِ.

وعن أبي يُوسفَ أنه أجازَ الوَجهَينِ حِينَ قَدِمَ بَغدادَ ورَأى ضِيقَ الأماكِنِ، ورُويَ عن مُحمدٍ مِثلُه حينَ قَدِمَ الرَّيَّ.

وعن أبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنه لو اتَّخذَ وَسطَ دارِه مَسجِدًا صارَ مَسجدًا وإنْ لم يَعزلْ بابَه إلى الطريقِ؛ لأنه لَمَّا رَضيَ بكونِه مَسجِدًا -ولا مَسجدَ إلا بطَريقٍ- دخَلَ فيه الطريقُ ضَرورةً كما يَدخلُ في الإجارةِ مِنْ غيرِ ذِكرٍ، باعتِبارِ أنه لا يُمكِنُه الانتِفاعُ إلا بالطريقِ، والانتِفاعُ هو المَقصودُ منها، ولو اتَّخَذَ أرضَه مَسجدًا ليسَ له الرُّجوعُ فيه ولا بَيعُه، وكذا لا يُورثُ عنه؛ لتَحرُّرِه للهِ تعالى، بخِلافِ الوَقفِ عندَ أبي حَنيفةَ حيثُ يَرجعُ فيهِ ما لم يَحكمْ به الحاكمُ، والفرقُ ما بَيَّناهُ، ولو خَرِبَ ما حولَ المَسجدِ واستُغنيَ عنه يَبقى مَسجدًا عندَ أبي يُوسفَ؛ لأنه إسقاطٌ لمِلكِه، فلا يَعودُ إلى مِلكِه كالإعتاقِ، ألَا تَرى أنَّ المَسجدَ الحَرامَ استَغنَى عنه أهلُه في زمَنِ الفَترةِ ولم يَعُدْ إلى وَرثةِ الباني؟ وعندَ مُحمدٍ رحمة الله عليه يَعودُ إلى مِلكِه أو إلى وَرثتِه بعدَ مَوتِه؛ لأنه عيَّنَه لجِهةٍ وقد انقَطعَتْ، كالكَفنِ إذا خرَجَ يَرجعُ إلى مالِكِه، وعلى هذا حَصيرُ المَسجدِ وحَشيشُه إذا استُغنيَ عنهُما يَرجعُ إلى مالِكِه عندَ مُحمدٍ، وعندَ أبي يُوسفَ يَنتقلُ إلى مَسجدٍ آخَرَ، وعلى هذا الخِلافِ الرِّباطُ والبِئرُ إذا لم يُنتفعْ بهما.

قالوا: ومَن بَنى سِقايةً أو خانًا أو رِباطًا أو مَقبرةً لم يَزُلْ مِلكُه عنهُ حتى يَحكمَ به حاكمٌ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ أبي يُوسفَ يَزولُ مِلكُه بالقَولِ، وعندَ مُحمدٍ رحمة الله عليه إذا استَقَى الناسُ مِنْ السِّقايةِ وسَكَنوا الخانَ والرِّباطَ ودُفِنوا في المَقبرةِ زالَ المِلكُ، فكلُّ واحِدٍ مِنهم بَنى على أصلِه مِنْ اشتِراطِ حُكمِ الحاكمِ أو التَّسليمِ أو مُجرَّدِ القَولِ.

ولو سلَّمَ إلى المُتولِّي صَحَّ التَّسليمُ على قَولِ مَنْ يَرى أنه شَرطٌ، ولو جعَلَ أرضَه طَريقًا فهو على هذا الخِلافِ، ثمَّ لا فرْقَ في الانتِفاعِ بمِثلِ هذه الأشياءِ بينَ الغنيِّ والفَقيرِ، حتى جازَ للكُلِّ النُّزولُ في الخانِ والرِّباطِ والشُّربُ مِنْ السِّقايةِ والدَّفنُ في المَقبرةِ، بخِلافِ الغلَّةِ حَيثُ لا تَجوزُ إلا للفُقراءِ؛ لأنَّ الغَنيَّ مُستَغنٍ بمالِه عن الصَّدقةِ ولا يَستغني عمَّا ذكَرْنا عادةً وهي الفارِقةُ؛ لأنه لا يُمكِنُه أنْ يَستصحِبَ هذه الأشياءَ عادةً، فكانَ مُحتاجًا إليها كالفَقيرِ، ولا حاجةَ إلى الغلَّةِ؛ لاستِغنائِه عنها بمالِهِ، وعلى هذا الوَقف، حتى لو وقَفَ أرضًا ليَصرِفَ غلَّتَها إلى الحاجِّ أو إلى الغُزاةِ أو طَلبةِ العِلمِ لا يُصرَفُ إلى الغَنيِّ مِنهم.

وعلى هذا لو جعَلَ دارَه مَسكنًا لأبناءِ السَّبيلِ في أيِّ بَلدٍ كانَ يَستَوي فيهِ الغَنيُّ والفَقيرُ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الفَرقِ، ورُويَ في الخبَرِ عن عُثمانَ «أنَّ النبيَّ دخَلَ المَدينةَ وليسَ بها ماءٌ يُستعذَبُ غيرَ بئرِ رُومةَ، فقال: مَنْ يَشتري بِئرَ رُومةَ فيَجعلُ فيها دَلوَه مع دِلاءِ المُسلمينَ بخيرٍ له منها في الجَنةِ؟ فاشتَرَيتُها مِنْ صُلبِ مالِي» (١)، فإذا جازَ للواقِفِ أنْ يَشربَ منهُ فَما ظَنُّكَ بغَيرِه مِنْ الأغنياءِ؟! (٢).

(١) حَسَنٌ: رواه النسائي (٣٦٠٨)، و «الترمذي» (٣٧٠٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٤٩٢)، و «ابن أبي عاصم في السنة» (١٠٠٥)، و «الدارقطني» (٤/ ١٩٧).
(٢) «الهداية» (٣/ ١٩، ٢٠)، و «العناية» (٨/ ٣٥٦، ٣٥٩)، و «شرح فتح القدرير» (٦/ ٢٣٣، ٢٣٤)، و «الاختيار» (٣/ ٥٣، ٥٤)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٢٩، ٣٣١)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٦٨، ٢٦٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١١٠، ١١٥)، و «اللباب» (١/ ٦٢٦، ٦٢٨)، و «الهندية» (٢/ ٤٥٤، ٤٥٥)، و «أحكام الوقف» لهلال الرأي ص (٤١، ٤٣).

وقالَ المالِكيةُ: يَصحُّ الوَقفُ بقولِه: «حَبَّستُ، ووقَفْتُ» أو ما يَقومُ مَقامَهما، كالتَّخليةِ بينَ مَسجدٍ وبينَ الناسِ، وإنْ لم يَخُصَّ قَومًا دونَ قَومٍ، ولا فَرضًا دونَ نَفلٍ، فإذا بَنى مَسجدًا وأَذِنَ فيه للناسِ فذلكَ كالتَّصريحِ بأنه وَقفٌ وإنْ لم يَخُصَّ زَمانًا ولا قَومًا ولا قيَّدَ الصلاةَ بكَونِها فَرضًا أو نَفلًا، فلا يَحتاجُ لشَيءٍ مِنْ ذلكَ، وَيُحكَمُ بوَقفيَّتِه (١).

وقالَ الحَنابلةُ: يَصحُّ الوَقفُ بقَولٍ وبفِعلِ شيءٍ دالٍّ على الوَقفِ عُرفًا كالقَولِ؛ لاشتِراكِهما في الدَّلالةِ عليه، وذلكَ مثلَ أنْ يَجعلَ أرضَه مَقبرةً ويَأذنَ في الدَّفنِ فيها إذنًا عامًّا؛ لأنَّ الإذنَ الخاصَّ قد يَقعُ على غيرِ المَوقوفِ، فلا يُفيدُ دَلالةَ الوَقفِ، أو يَبنيَ بُنيانًا على هَيئةِ مَسجدٍ ويَأذنَ للناسِ في الصلاةِ فيه إذنًا عامًّا ولو بفَتحِ الأبوابِ أو التَّأذينِ أو كِتابةِ لَوحٍ بالإذنِ أو الوَقفِ، أو أذَّنَ أو أقامَ فيما بَناهُ على هَيئةِ المَسجدِ بنَفسِه أو بمَن نصَبَه لذلكَ؛ لأنَّ الأذانَ والإقامةَ فيهِ كالإذنِ العامِّ في الصلاةِ فيهِ، قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: ولو نَوَى خِلافَه -أي أنَّ نِيتَه خِلافُ ما دلَّ عليه الفِعلُ- لا أثَرَ لها.

وكذا لو أدخَلَ بَيتًا في المَسجدِ وأذَّنَ فيه، أو بَنى بَيتًا لقَضاءِ حاجةِ الإنسانِ -أي البَولِ والغائِطِ والتَّطهيرِ- ويَفتحُ بابَه إلى الطريقِ للناسِ، أو

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٤٦٩)، و «المختصر الفقهي» لابن عرفة (١٣/ ٤٠).

يَملأُ خَابيةً أو نحوَها ماءً على الطريقِ أو في مَسجدِه ونَحوِه؛ لدَلالةِ الحالِ على تَسبيلِه.

ولو جعَلَ سَفَلَ بَيتِه مَسجدًا وانتَفعَ بعُلوِّ البَيتِ صَحَّ، أو عكسُه بأنْ جعَلَ عُلوَّ بَيتِه مَسجدًا وانتَفعَ بسَفلِه صَحَّ، أو جعَلَ وسطَ البَيتِ مَسجدًا وانتَفعَ بعُلوِّه وسَفلِه ولو لم يَذكرِ استِطراقًا إلى ما جعَلَه مَسجدًا صَحَّ الوَقفُ ويستَطْرقُ إليه، كما لو باعَ بَيتًا مِنْ دارِه أو أجَّرَ بَيتًا مِنْ دارِه ولم يَذكُرْ له استِطراقًا، فإنه يَصحُّ البَيعُ والإجارةُ ويستَطْرقُ إليه على العادةِ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ تُحكَى عنهُ إلى أنه لا يَصيرُ وَقفًا إلا بالقَولِ.

ولا يَحصلُ الوَقفُ بالفعلِ؛ لأنَّ هذا تَحبيسُ أصلٍ على وَجهِ القُربةِ، فوجَبَ ألا يَصحَّ بدُونِ اللَّفظِ كالوَقفِ على الفُقراءِ والمَساكينِ، فعلَى هذا إنْ بَنى مَسجدًا وأَذِنَ للناسِ في الصلاةِ فيهِ أو أَذِنَ للناسِ في الدَّفنِ في أرضِه لم يَصيرَا بذلكَ وَقفًا.

قالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ الوَقفُ مِنْ النَّاطقِ الذي لا يُحسِنُ الكِتابةَ إلا بلَفظٍ يُشعِرُ بالمُرادِ كالعِتقِ؛ لأنه تَمليكٌ للعَينِ والمَنفعةِ أو

(١) «المغني» (٥/ ٣٥٠، ٣٥١)، و «الكافي» (٢/ ٤٥٤)، و «المبدع» (٥/ ٣١٤)، و «الإنصاف» (٧/ ٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٣٠، ٣٣١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٩٤)، و «الروض المربع» (٢/ ١٦٩)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٧٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٢٠).

المَنفعةِ، فأشبَهَ سائرَ التَّمليكاتِ، ويُخالِفُ البَيعَ حيثُ انعَقدَ بالمُعاطاةِ على وَجهٍ؛ لأنَّ البَيعَ كانَ في الجاهِليةِ والشَّرعُ ورَدَ بإباحتِه، فجَرى عليه، والوَقفُ لم يُعهدْ، فاتُّبعَ فيهِ ما ورَدَ به الشَّرعُ.

إلا إذا بَنى مَسجدًا في المَواتِ قاصِدًا به ذلكَ فإنه يَصيرُ مَسجدًا، ويَقومُ الفِعلُ مع النِّيةِ مَقامَ اللَّفظِ، ويَزولُ مِلكُه عن الآلَةِ بعدَ استِقرارِها في مَوضعِها.

وعُلِمَ مِنْ هذا أنه لو بَنى مَسجدًا وأَذِنَ في الصلاةِ فيه لم يَصِرْ مَسجدًا، وكذا لو أَذِنَ في الدَّفنِ في مِلكِه لم يَصِرْ مَقبرةً.

وإذا رَأيْنا مَسجدًا يُصلِّي الناسُ فيه فيَستمِرُّ حُكمُه ولا يُغيَّرُ، لأنه في أيدي المُسمَّينَ لذلكَ.

هذا كلُّه في النَّاطقِ، أمَّا الأخرَسُ فيَصحُّ بإشارَتِه المُفهِمةِ كغَيرِه مِنْ التَّبرعاتِ، وأمَّا الكاتِبُ فيَصحُّ بكتابَتِه مع النِّيةِ (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ظاهِرُ مَذهبِ أحمَدَ أنَّ الوَقفَ يَحصلُ بالفِعلِ مع القَرائنِ الدالَّةِ عليه، مِثلَ أنْ يَبنيَ مَسجدًا ويَأذنَ للناسِ في الصلاةِ فيه، أو مَقبرةً ويَأذنَ في الدَّفنِ فيها، أو سِقايةً ويَأذنَ في دُخولِها، فإنه قالَ في رِوايةِ أبي

(١) «المهذب» (١/ ٤٤٢)، و «البيان» (٨/ ٧٣)، و «الوسيط» (٥/ ١٨٣، ١٨٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٤١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٦١، ٤٦٢)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢٥)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٤٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٧٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٠).

داودَ وأبي طالبٍ فيمَن أدخَلَ بَيتًا في المَسجدِ وأَذِنَ فيه: لم يَرجعْ فيه، وكذلكَ إذا اتَّخذَ المَقابرَ وأَذِنَ للناسِ والسِّقايةَ فليسَ له الرُّجوعُ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ.

وذكرَ القاضي فيه رِوايةً أُخرى: أنه لا يَصيرُ وَقفًا إلا بالقَولِ، وهذا مَذهَبُ الشافِعيِّ، وأخَذَه القاضي مِنْ قَولِ أحمَدَ إذ سَألَه الأثرمُ عن رَجلٍ أحاطَ حائِطًا على أرضٍ ليَجعلَها مَقبرةً ونَوى بقلبِه، ثمَّ بَدا له العَودُ، فقالَ: إنْ كانَ جعَلَها للهِ فلا يَرجعُ، وهذا لا يُنافي الرِّوايةَ الأُولى؛ فإنه أرادَ بقَولِهِ: «إنْ كانَ جعَلَها للهِ» أي: نَوى بتَحويطِها جعْلَها للهِ، فهذا تأكيدٌ للرِّوايةِ الأُولى وزيادةٌ عليها؛ إذ منَعَه مِنْ الرُّجوعِ بمُجرَّدِ التَّحويطِ مع النِّيةِ، وإنْ أرادَ بقَولِه: «جعَلَها للهِ» أي: اقتَرنَتْ بفِعلِه قَرائنُ دالَّةٌ على إرادةِ ذلكَ مِنْ إذنِه للناسِ في الدَّفنِ فيها، فهي الرِّوايةُ الأُولى بعَينِها، وإنْ أرادَ وَقفًا بلِسانه فيَدلُّ بمَفهومِه على أنَّ الوَقفَ لا يَحصلُ بمُجرَّدِ التَّحويطِ والنِّيةِ، وهذا لا يُنافي الرِّوايةَ الأولى؛ لأنه في الأولى انضَمَّ إلى فِعلِه إذنُه للناسِ في الدَّفنِ، ولم يُوجَدْ هاهنا، فلا تَنافِيَ بينَهُما، ثمَّ لم يُعلَمْ مُرادُه مِنْ هذه الاحتِمالاتِ، فانتَفَتْ هذه الرِّوايةُ وصارَ المَذهبُ رِوايةً واحِدةً، واللهُ أعلَمُ.

واحتَجُّوا بأنَّ هذا تَحبيسُ أصلٍ على وَجهِ القُربةِ، فوجَبَ ألا يَصحَّ بدونِ اللَّفظِ كالوَقفِ على الفُقراءِ.

ولنا: إنَّ العُرفَ جارٍ بذلكَ، وفيهِ دَلالةٌ على الوَقفِ، فَجازَ أنْ يَثبتَ به كالقَولِ، وجرَى مَجرى مَنْ قدَّمَ إلى ضَيفِه طعامًا كانَ إذنًا في أَكلِه، ومَن مَلأَ

خابِيةَ ماءٍ على الطريقِ كانَ تَسبيلًا له، ومَن نثَرَ على الناسِ نِثارًا كانَ إذنًا في التِقاطِه وأُبيحَ أخذُه، وكذلكَ دُخولُ الحَمَّامِ واستِعمالُ مائِه مِنْ غيرِ إذنٍ مُباحٌ بدَلالةِ الحالِ، وقد قدَّمْنا في البَيعِ أنه يَصحُّ بالمُعاطاةِ مِنْ غيرِ لَفظٍ، وكذلكَ الهِبةُ والهَديَّةُ؛ لدَلالةِ الحالِ، فكذلكَ هَاهُنا.

وأمَّا الوَقفُ على المَساكينِ فلمْ تَجْرِ به عادةٌ بغَيرِ لَفظٍ، ولو كانَ شيءٌ جَرَتْ به العادةُ أو دَلَّتْ الحالُ عليه كانَ كمَسألتِنا، واللهُ أعلَمُ (١).

(١) «المغني» (٥/ ٣٥٠، ٣٥١)، ويُنظَر: «الإنصاف» (٧/ ٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الغصب
فصل في مسائل الإتلاف

إذْ الْقَوْلُ فِي الشَّرْعِ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.

وَلَوْ أَقَرَّ الْغَاصِبُ بِمَا يَدَّعِي الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَادَّعَى الرَّدَّ عَلَيْهِ لَا يُصَدَّقُ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْغَصْبِ إقْرَارٌ بِوُجُودِ سَبَبِ وُجُودِ الضَّمَانِ مِنْهُ فَهُوَ بِقَوْلِهِ: رَدَدْت عَلَيْك يَدَّعِي انْفِسَاخَ السَّبَبِ، فَلَا يُصَدَّقُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْغَاصِبُ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ هُوَ الَّذِي أَحْدَثَ الْعَيْبَ فِي الْمَغْصُوبِ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِوُجُودِ الْغَصْبِ مِنْهُ إقْرَارٌ بِوُجُودِ الْغَصْبِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ فِي ضَمَانِهِ فَهُوَ يَدَّعِي إحْدَاثَ الْعَيْبِ مِنْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَيَدَّعِي خُرُوجَ بَعْضِ أَجْزَائِهِ عَنْ ضَمَانِهِ، فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَوْ أَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ غَصَبَ الدَّابَّةَ وَنَفَقَتْ عِنْدَهُ وَأَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَدَّهَا إلَيْهِ وَأَنَّهَا نَفَقَتْ عِنْدَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ شُهُودَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ اعْتَمَدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ لِمَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِالْغَصْبِ وَمَا عَلِمُوا بِالرَّدِّ، فَبَنَوْا الْأَمْرَ عَلَى ظَاهِرِ بَقَاءِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ إلَى وَقْتِ الْهَلَاكِ وَشُهُودُ الْغَاصِبِ اعْتَمَدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ بِالرَّدِّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَهُوَ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ الْقَائِمَةُ عَلَى الرَّدِّ أَوْلَى، كَمَا فِي شُهُودِ الْجُرْحِ مَعَ شُهُودِ التَّزْكِيَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 45 - 54

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله