مدة إجارة الوقف

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > مدة إجارة الوقف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

مدة إجارة الوقف - الأقوال والأدلة

وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ للمَوقوفِ عليه إجارَةُ الوَقفِ؛ لأنَّ مَنافِعَه مَملوكةٌ له، فجازَ له إجارَتُها كالمُستأجِرِ (١).

مُدةُ إجارةِ الوَقفِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في مُدَّةِ إجارةِ الوَقفِ، هل يَجوزُ أنْ تَكونَ مدَّةً مُطلَقةً؟ أم لا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ قَصيرةٍ لا يُزادُ عليها؟ وهذا إذا لم يَشتَرطِ الواقفُ مدَّةً مُحدَّدةً فيُتَّبعُ شَرطُه إلا لضَرورةٍ عندَ الجُمهورِ كما سَيَأتي.

فالمَذهبُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ أنَّ حُكمَ الوَقفِ كحُكمِ المِلكِ، يَجوزُ إجارَتُه أيَّ مُدَّةٍ وإنْ طالَتْ.

والمَرجعُ في مَعرفةِ المُدَّةِ التي تَبقَى فيها كلُّ عَينٍ غالِبًا إنَّما هو العُرفُ وأهلُ الخِبرةِ، ويَختلفُ ذلكَ مِنْ عَينٍ إلى عَينٍ، فعِندَ الشافِعيةِ تَصحُّ إجارَة الأَرضِ مِائةَ سَنةٍ أو أكثَرَ.

- والدَّارُ: تَصحُّ إجارَتُها ثلاثِينَ سَنةً.

- والدَّابةُ: تَصحُّ إجارَتُها عَشرَ سِنينَ.

وهكذا كلُّ شيءٍ على ما يَليقُ به ويُقدِّرُ أهلُ الخِبرةِ أنه يَبقَى هذه المدَّةَ.

وأقلُّ مدَّةٍ تَصحُّ فيها إجارةُ الدَّارِ للسُّكنى يَومٌ واحِدٌ، ولا يَجوزُ أقَلُّ منه.

وأقَلُّ مدَّةِ الزِّراعةِ ما يَبقى فيها الزَّرعُ غالبًا.

(١) «الروض المربع» (٢/ ٩٥).

وقَريبٌ مِنْ هذا قَولُ الجُمهورِ، فالعِبرةُ هو العُرفُ، والغالِبُ أنَّ هذه العينَ تَبقَى إلى هذه المدَّةِ غالِبًا (١)، وقد تَقدَّمَ الكَلامُ على هذا في كِتابِ الإجارةِ بالتَّفصيلِ.

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: إنْ كانَ الوَقفُ على جِهةٍ عامَّةٍ جازَتْ إجارَتُه بحَسبِ المَصلحةِ، ولا يَتوقَّتُ ذلكَ بعَددٍ عندَ أكثَرِ العُلماءِ (٢).

وذهَبَ الحَنفيةُ في المُختارِ وبَعضُ الشافِعيةُ إلى أنَّ الأوقافَ لا تَجوزُ الإجارةُ الطَّويلةُ فيها؛ كَيلَا يَدَّعيَ المُستأجِرُ مِلكَها.

وقالَ القاضي والمُتولِّي مِنْ الشافِعيةِ: أجمَعَ الحُكَّامُ على أنه لا يُؤجَّرُ أكثَرَ مِنْ ثَلاثِ سِنينَ؛ لِئلَّا يَندرسَ، قالَ الرافِعيُّ: وهذا الاصطِلاحُ غيرُ مُطَّرِدٍ.

وفي «أَمالي السَّرخسيِّ»: تَمتَنعُ إجارةُ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ إذا لم تَمسَّ إليه حاجةٌ لعِمارةٍ وغَيرِها، قالَ النَّوويُّ: وهو غَريبٌ، وقالَ الدِّميريُّ: حَكاهُ الإمامُ وجهًا، وقال: لا اتِّجاهَ له في الوَقفِ على جِهاتِ الخيرِ (٣).

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «حاشية عميرة على كنز الراغبين» (٣/ ١٩٤)، و «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٣/ ١٤٤)، و «المبدع» (٤/ ٨٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤)، و «الروض المربع» (٢/ ٩٦).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٢٤٦).
(٣) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٦٨، ٣٦٩).

قالَ الحَنفيةُ: لا تَصحُّ إجارةُ الأراضي أكثَرَ مِنْ ثلاثِ سِنينَ والمَساكِنُ والحَوانيتُ (الدَّكاكينُ) ونَحوُهما أكثَرَ مِنْ سَنةٍ، إلَّا إذا كانَتِ المَصلحةُ تَقتضي تَأجيرِ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ ذلكَ، فإنَّ للقاضي في هذه الحالةِ أنْ يُؤجِّرَها أكثَرَ مِنْ ذلكَ، وأمَّا الناظِرُ فليسَ له أنْ يَفعلَ ذلكَ دُونَ إذنِ القاضي، إلَّا إذا نَصَّ الواقفُ على جَوازِ تَأجيرِها أكثَرَ مِنْ هذه المُدَّةِ إذا كانَ مَنفعةً، فإذا قالَ الواقفُ مثلًا: «لا يَجوزُ تَأجيرُ هذا المَنزلِ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ إلا إذا كانَ في تَأجيرِه مَصلحةٌ للفُقراءِ المَوقوفِ عليهم» فإنَّ للناظرِ أنْ يُؤجِّرَ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ بِناءً على هذا الشَّرطِ.

ومَحلُّ عَدمِ جَوازِ تَأجيرِ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ تلكَ المدَّةِ إذا كانَ المُؤجِّرُ غيرَ الواقفِ، أمَّا الواقفُ فله أنْ يَزيدَ على هذه المدَّةِ كما يُحبُّ.

وقالَ المَوْصِلِيُّ رحمة الله عليه: لا تَجوزُ إجارةُ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ المدَّةِ التي شرَطَها الواقفُ؛ لأنه يَجبُ اعتبارُ شَرطِ الواقفِ؛ لأنه مِلكُه أخرَجَه بشَرطٍ مَعلومٍ ولا يَخرجُ إلا بشَرطِه، فإنْ لم يَشرِطْ مُدةً فالمُتقدِّمونَ مِنْ أصحابِنا قالوا: يَجوزُ إجارتُه أيَّ مدَّةٍ كانَتْ، والمُتأخِّرونَ قالوا: لا يَجوزُ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ، لِئلَّا يُتَّخذَ مِلكًا بطولِ المُدةِ فتَندَرسَ سِمةُ الوَقفيةِ ويَتَّسمَ بسِمةِ المِلكيةِ؛ لكَثرةِ الظَّلمةِ في زَمانِنا وتَغلُّبِهم واستِحلالِهم، وقيلَ: يَجوزُ في الضِّياعِ ثَلاثَ سِنينَ وفي غيرِ الضِّياعِ سَنةً، وهو المُختارُ؛ لأنه لا يُرغَبُ في الضِّياعِ أقَلُّ مِنْ ذلكَ، ولا تَجوزُ إجارَتُه إلا بأجرِ المِثلِ؛ دَفعًا للضَّررِ عنِ

الفُقراءِ، فلو آجَرَه ثَلاثَ سِنينَ بأُجرةِ المِثلِ ثمَّ ازدادَتْ لكَثرةِ الرَّغباتِ لا تُنقَضُ الإجارةُ، لأنَّ المُعتبَرَ أجرُ المِثلِ يَومَ العَقدُ (١).

وقالَ المالِكيةُ: الوَقفُ إذا كانَ على قَومٍ مُعيَّنينَ كفُلانٍ وأولادِه فإنَّ الناظرَ عليه لا يَجوزُ له أنْ يُكرِيَ أكثَرَ مِنْ سَنتَينِ أو ثلاثٍ لا أكثَرَ مِنْ ذلكَ، ولكنْ لا يَكونُ كِراؤُه بالنَّقدِ.

فإنْ كانَ على قَومٍ غيرِ مُعيَّنينَ كالفُقراءِ ونَحوِهم كالمَرضى والقَناطرِ والمَساجدِ فإنه يَجوزُ له أنْ يُكرِيَه أكثَرَ مِنْ ذلكَ، كالأربعةِ أعوامٍ ونَحوِها لا أكثَرَ إنْ كانَ أرضًا للزِّراعةِ، وعامًا لا أكثَرَ إنْ كانَ دارًا ونحوَها، سَواءٌ كانتْ مَوقوفةً على مُعيَّنينَ أو على غَيرِهم، فإنْ أكرَى أكثَرَ مِنْ ذلكَ مَضى إنْ كانَ ناظرًا ولا يُفسخُ، قالَه ابنُ القاسِمِ، ومَحلُّ ذلكَ حيثُ لم تَكنْ ضَرورةٌ تَقتضِي الكِراءَ لأكثَرَ ممَّا تقدَّمَ، كما لو انهَدمَ الوَقفُ فيَجوزُ كِراؤُه بما يُبنَى به ولو طالَ الزَّمنُ كأربَعينَ عامًا أو أزيَدَ، بقَدرِ ما تَقتضي الضَّرورةُ، وهو خيرٌ مِنْ ضَياعِه واندِراسِه.

أمَّا إذا أَكرَى مُستحِقٌّ لمَن مَرجِعُها له فيَجوزُ كِراؤُها عَشرَ سِنينَ ونحوَها؛ لخِفَّةِ الغَررِ، ولأنَّ مَرجِعَها له، ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ الأرضِ والدَّارِ.

(١) «الاختيار» (٣/ ٥٦)، و «الأشباه والنظائر» (١٩٥)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٤١)، (٨/ ٤، ٥)، ويُنظَر: «الهداية شرح البداية» (٣/ ٢٣١، ٢٣٢)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٣٢، ٣٢٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١١٠، ١١١)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٠٦)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٧).

وصورَتُها: أنَّ مَنْ حَبسَ على زَيدٍ ثمَّ على عَمرٍو فإنه يَجوزُ لعَمرٍو أنْ يَكتريَها مِنْ زيدٍ عَشرةَ أعوامٍ، وسَواءٌ كانَ المَرجِعُ بتَحبيسٍ عليه أو مِلكٍ.

ومَحلُّ هذا إذا لم يَشترطِ الواقفُ مُدةً، وإلا عُمِلَ على ما شرَطَ، وبما إذا لم تَدعُ الضَّرورَةُ لأكثَرَ مِنْ ذلكَ لأجْلِ مَصلحةِ الوَقفِ، كما وقَعَ في زَمنِ القاضي ابنِ باديسَ بالقَيروانِ أنَّ دارًا حَبسًا على الفُقراءِ خَرِبتْ ولم يُوجَدْ ما تُصلَحُ به، فأَفتَى بأنها تُكرَى السِّنينَ الكَثيرةَ كيفَ تَيسَّرُ بشَرطِ إصلاحِها مِنْ كِرائِها، وأبَى أنْ يُسمَحَ ببَيعِها، وهو المُعوَّلُ عليه.

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: والمُرادُ بالناظِر مَنْ كانَ مِنْ جُملةِ المَوقوفِ عليهم، وأمَّا غيرُه فيَجوزُ له أنْ يُكريَ أزيَدَ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ بمَوتِه لا تَنفسخُ الإجارةُ، بخِلافِ المُستحِقِّ؛ فإنه تَنفسخُ الإجارةُ بمَوتِه، كذا في «عبق» و «كبير» و «خش»، قالَ شَيخُنا العَدويُّ: ولم أرَهُ مَنصوصًا، وظاهِرُ كلامِهِم الإطلاقُ، تَأمَّلْ (١).

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٧٨، ٤٨٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٩٢)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٥٠٩)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩٩، ١٠٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٦٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 415 - 419

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله