الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > مطلب: المفهوم معتبر في عرف الناس والمعاملات والعقليات
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةمَطلَبٌ: المَفهومُ مُعتبَرٌ في عُرفِ الناسِ والمُعامَلاتِ والعَقليَّاتِ:
قُلْتُ: وكذا قالَ ابنُ أمِيرِ حاجٍّ في «شَرْح التَّحْريرِ عن حاشِيَة الهِدايَة» للخَبَّازيِّ عن شَمسِ الأئمَّةِ الكُرديِّ أنَّ تَخصيصَ الشيءِ بالذِّكرِ لا يَدُلُّ على نَفيِ الحُكمِ عمَّا عَداهُ في خِطاباتِ الشَّارعِ، أمَّا في مُتفاهَمِ الناسِ وعُرفِهم وفي المُعامَلاتِ والعَقليَّاتِ يَدلُّ. اه
قالَ في «شَرح التَّحْريرِ»: وتَداوَلَه المُتأخِّرونَ وعليه ما في «خِزانَة الأَكْمَلِ» و «الخانِيَّة» لو قالَ: «ما لَكَ عَليَّ أكثَرُ مِنْ مِائةِ دِرهمْ» كانَ إقرارًا بالمِائةِ. اه
فعُلِمَ أنَّ المُتأخِّرينَ على اعتِبارِ المَفهومِ في غَيرِ النُّصوصِ الشَّرعيةِ، وتَمامُ تَحقيقِ ذلكَ في شَرحِنا على مَنظومَتِنا في رَسمِ المُفتِي، وحيثُ كانَ المَفهومُ مُعتبَرًا في مُتفاهَمِ الناسِ وعُرفِهم وجَبَ اعتِبارُه في كَلامِ الواقفِ أيضًا؛ لأنه يَتكلَّمُ على عُرفِه، وعن هذا قالَ العلَّامةُ قاسِمٌ ونصَّ أبو عَبدِ اللهِ الدِّمشقيُّ في كِتابِ الوَقفِ عن شَيخِه شَيخِ الإسلامِ: قَولُ الفُقَهاءِ: «نُصوصُه كنَصِّ الشَّارعِ» يَعني في الفَهمِ والدِّلالةِ لا في وُجوبِ العملِ، مع أنَّ التَّحقيقَ أنَّ لفْظَه ولفْظَ المُوصِي والحالِفِ والنَّاذرِ وكُلِّ عاقِدٍ يُحمَلُ على عادَتِه في خِطابِه ولُغتِه التي يَتكلَّمُ بها، وَافقَتْ لُغةَ العَربِ ولُغةَ الشرعِ أم لا. اه
قالَ العَلَّامةُ قاسِمٌ: قُلتُ: وإذا كانَ المعنَى ما ذُكِرَ فما كانَ مِنْ عِبارةِ الواقفِ مِنْ قَبيلِ المُفسَّرِ لا يَحتمِلُ تَخصيصًا ولا تَأويلًا يُعمَلُ به، وما كانَ مِنْ قَبيلِ الظاهِرِ كذلك، وما احتَملَ وفيه قَرينةٌ حُمِلَ عليها، وما كانَ مُشتَرَكًا
لا يُعمَلُ به؛ لأنه لا عُمومَ له عندَنا ولم يَقعْ فيهِ نَظرُ المُجتهِدِ ليَترجَّحَ أحَدُ مَدلولَيهِ، وكذلكَ ما كانَ مِنْ قَبيلِ المُجمَلِ إذا ماتَ الواقفُ، وإنْ كانَ حَيًّا يُرجَعُ إلى بَيانِه، هذا معنَى ما أفادَهُ. اه
قَولُه: (ووُجوبِ العَملِ به): هذا مُخالِفٌ لِما نَقلْناهُ آنِفًا، مع أنه في «البَحْر» نقَلَه أيضًا، وقالَ عَقِبَه: فعَلى هذا إذا ترَكَ صاحِبُ الوَظيفةِ مُباشَرتَها في بَعضِ الأوقاتِ المَشروطِ عليه فيها العَملُ لا يَأثمُ عندَ اللهِ تعالى، غايَتُه أنه لا يَستحِقُّ المَعلومَ. اه
نَعمْ، في «الأَشْباه» جزَمَ بما ذكَرَه الشَّارحُ، وقَوَّاه في «النَّهْر»، وعَزَاهُ في «قَضاء البَحْرِ» إلى «شَرْح المَجمَعِ».
قُلتُ: ويَظهَرُ لي عَدمُ التَّنافِي، وذلكَ أنَّ عدَمَ وُجوبِ العَملِ به مِنْ حيثُ ذاتُهِ؛ بدَليلِ أنه لو ترَكَ الوَظيفةَ أصلًا وباشَرَها غَيرُه لم يَأثمْ، وهذا لا شُبهةَ فيهِ، ووُجوبُ العملِ به باعتِبارِ حِلِّ تَناوُلِ المَعلومِ، بمعنَى أنه لو لم يَعمَلْ به وتَناوَلَ المَعلومَ أَثِمَ؛ لتَناوُلِه بغَيرِ حقٍّ (١).
وقالَ أيضًا: مَطلَبٌ: مَتى ذكَرَ الواقِفُ شَرطَينِ مُتَعارِضَينِ يُعمَلُ بالمُتأخِّرِ.
قَولُه: (مَتى ذكَرَ الواقِفُ شَرطَينِ مُتَعارِضَينِ … إلخ): في «الإِسْعاف»: لو كتَبَ أوَّلَ كِتابِ الوَقفِ: «لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُملَكُ»، ثمَّ قالَ في آخِرِه: «على أنَّ لفُلانٍ بَيعَه والاستِبدالَ بثَمنِه ما يَكونُ وَقفًا مَكانَه» جازَ
(١) «ابن عابدين» (٤/ ٤٣٣، ٤٣٤).
بَيعُه، ويَكونُ الثَّاني ناسِخًا للأولِ، ولو عكَسَ بأنْ قالَ: «على أنَّ لفُلانٍ بَيعَه والاستِبدالَ به» ثمَّ قالَ آخِرَه: «لا يُباعُ ولا يُوهَبُ» لا يَجوزُ بَيعُه؛ لأنه رُجوعٌ عمَّا شرَطَه أوَّلًا، وهذا إذا تَعارَضَ الشَّرطانِ.
أمَّا إذا لم يَتعارَضَا وأمكَنَ العَملُ بهمَا وجَبَ، كما ذكَرَهُ البِيريُّ في القاعِدةِ التَّاسعةِ مِنْ «الأَشْباه»، وما ذَكَروهُ داخِلٌ تحتَ قَولِهم: (شَرطُ الواقِفِ كنَصِّ الشَّارِعِ)؛ فإنَّ النَّصَّينِ إذا تَعارَضَا عُملَ بالمُتأخِّرِ مِنهُما. (ط) (١).
وقالَ ابنُ نُجَيْمٍ رحمة الله عليه: الكَلامُ الآنَ في شُروطِ الواقِفينَ، فقدْ أفادُوا هُنا أنه ليسَ كلُّ شَرطٍ يَجبُ اتِّباعُه، فقَالُوا هُنا: إنَّ اشتِراطَه ألَّا يَعزِلَه القاضي شَرطٌ باطِلٌ مُخالِفٌ للشَّرعِ.
وبهذا عُلِمَ أنَّ قَولَهُم: (شَرطُ الواقفِ كنَصِّ الشَّارعِ) ليس على عُمومِه، قالَ العَلَّامةُ قاسِمٌ في فَتاواهُ: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنَّ مِنْ شُروطِ الواقِفينَ ما هو صَحيحٌ مُعتبَرٌ يُعمَلُ به ومنها ما ليسَ كذلكَ.
ونصَّ أبو عَبدِ اللهِ الدِّمشقيُّ في كِتابِ الوَقفِ عن شَيخِه شَيخِ الإسلامِ -أي ابنِ تَيميةَ الحَنبليِّ-: قَولُ الفُقَهاءِ: (نُصوصُه كنَصِّ الشَّارعِ) يَعني في الفَهمِ والدِّلالةِ لا في وُجوبِ العَملِ، مع أنَّ التَّحقيقَ أنَّ لفْظَه ولفْظَ المُوصِي والحالِفِ والنَّاذرِ وكُلِّ عاقِدٍ يُحمَلُ على عادتِه في خِطابِه ولُغتِه التي يَتكلَّمُ
(١) «ابن عابدين» (٤/ ٤٤٤).
بها، وافَقَتْ لُغةَ العَربِ ولُغةَ الشَّرعِ أم لا، ولا خِلافَ أنَّ مَنْ وقَفَ على صَلاةٍ أو صِيامٍ أو قِراءةٍ أو جِهادٍ غيرِ شَرعيٍّ ونَحوِه لم يَصحَّ. اه
قالَ العلَّامةُ قاسِمٌ: قُلتُ: وإذا كانَ المعنَى ما ذُكِرَ فما كانَ مِنْ عِبارةِ الواقفِ مِنْ قَبيلِ المُفسَّرِ لا يَحتملُ تَخصيصًا ولا تَأويلًا يُعمَلُ به، وما كانَ مِنْ قَبيلِ الظَّاهرِ كذلكَ، وما احتَملَ وفيه قَرينةٌ حُمِلَ عليها، وما كانَ مُشتَرَكًا لا يُعملُ به؛ لأنه لا عُمومَ له عندَنا ولم يَقعْ فيه نَظرُ المُجتهِدِ لتَرجُّحِ أحَدِ مَدلولَيهِ، وكذلكَ ما كانَ مِنْ قَبيلِ المُجمَلِ إذا ماتَ الواقفُ، وإنْ كانَ حَيًّا يُرجَعُ إلى بَيانِه، هذا مَعنَى ما أفادَهُ. اه
قُلتُ: فعَلى هذا إذا ترَكَ صاحِبُ الوَظيفةِ مُباشَرتَها في بَعضِ الأوقاتِ المَشروطِ عليهِ فيها العَملُ لا يَأثمُ عندَ اللهِ تعالى، غايَتُه أنه لا يَستحِقُّ المَعلومَ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: والأصلُ أنَّ كُلَّ ما شُرِطَ مِنْ العَملِ في الوُقوفِ التي تُوقَفُ على الأعمالِ فلا بدَّ أنْ يَكونَ قُربةً، إمَّا واجِبًا وإمَّا مُستحَبًّا، أمَّا اشتِراطُ عَملٍ مُحرَّمٍ فلا يَصحُّ باتِّفاقِ المُسلمينَ، بل كذلكَ المَكروهُ، وكذلكَ المُباحُ على الصَّحيحِ.
وقد اتَّفقَ المُسلمونَ على أنَّ شُروطَ الواقفِ تَنقسمُ إلى صَحيحٍ وفاسِدٍ كما في سائِرِ العُقودِ، ومَن قالَ: «إنَّ شُروطَ الواقفِ كنُصوصِ الشَّارعِ» فمُرادُه أنها كالنُّصوصِ في الدِّلالةِ على مُرادِ الواقفِ لا في وُجوبِ العملِ بها،
(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٦٥، ٢٦٦).
أي: إنَّ مُرادَ الواقِفِ يُستفادُ مِنْ ألفاظِه المَشروطَةِ كما يُستفادُ مُرادُ الشَّارعِ مِنْ ألفاظِه، كما يُعرَفُ الخُصوصُ والعُمومُ والإطلاقُ والتَّقييدُ والتَّشريكُ مِنْ ألفاظِ الشَّارعِ، كذلكَ يُعرَفُ في الوَقفِ مِنْ ألفاظِ الواقفِ.
مع أنَّ التَّحقيقَ في هذا أنَّ لفْظَ الواقِفِ كلَفظِ الحالِفِ والمُوصِي، وكلُّ عاقِدٍ يُحمَلُ قَولُه على عادتِه في خِطابِه ولُغتِه التي يَتكلَّمُ بها، سَواءٌ وَافقَتِ العَربيةَ العَرباءَ أو العَربيةَ المُولَّدةَ أو العَربيةَ المَلحونةَ أو كانَتْ غيرَ عَربيةٍ، وسَواءٌ وافقَتْ لُغةَ الشَّارعِ أو لم تُوافِقْه؛ فإنَّ المَقصودَ في الألفاظِ دِلالتُها على مُرادِ النَّاطِقِينَ بها، فنَحنُ نَرجعُ في مَعرفةِ كَلامِ الشَّارعِ إلى مَعرفةِ لُغَتِه وعُرفِه وعادَتِه، وكذلكَ في خِطابِ كُلِّ أمَّةٍ وكُلِّ قَومٍ، فإذا تَخاطَبوا بينَهُم في البَيعِ أو الإجارةِ أو الوَقفِ أو الوَصِيَّةِ أو النَّذرِ أو غيرِ ذلكَ بكَلامٍ نَرجعُ في مَعرفةِ مُرادِهم منه إلى ما يَدلُّ على مُرادِهم مِنْ عادَتِهم في الخِطابِ وما يَقتَرِنُ بذلكَ مِنْ الأسبابِ.
وأمَّا أنْ نَجعلَ نُصوصَ الواقفِ أو نُصوصَ غَيرِه مِنْ العاقِدِينَ كنُصوصِ الشَّارعِ في وُجوبِ العملِ بها فهذا كُفرٌ باتِّفاقِ المُسلمينَ؛ إذ لا أحَدَ يُطاعُ في كُلِّ ما يَأمرُ به مِنْ البَشرِ بعدَ رَسولِ اللهِ ﷺ، والشُّروطُ إنْ وافَقَتْ كِتابَ اللهِ كانَتْ صَحيحةً، وإنْ خالَفَتْ كِتابَ اللهِ كانَتْ باطِلةً.
وهذا الكَلامُ حُكمُه ثابِتٌ في البَيعِ والإجارةِ والوَقفِ وغيرِ ذلكَ باتِّفاقِ الأئمَّةِ، سَواءٌ تَناوَلَهُ لفظُ الشَّارعِ أو لا؛ إذِ الأخذُ بعُمومِ اللَّفظِ لا بخُصوصِ السَّبَبِ، أو كانَ مُتناوِلًا لغيرِ الشُّروطِ في البَيعِ بطَريقِ الاعتِبارِ عُمومًا مَعنويًّا.
وإذا كانَتْ شُروطُ الواقفِ تَنقسِمُ إلى صَحيحٍ وباطِلٍ بالاتِّفاقِ فإنْ شرَطَ فِعلًا مُحرَّمًا ظهَرَ أنه باطِلٌ فإنه لا طاعةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالِقِ، وإنْ شرَطَ مُباحًا لا قُربةَ فيهِ كانَ أيضًا باطِلًا؛ لأنه شرَطَ شَرطًا لا مَنفعةَ فيه لا له ولا للمَوقوفِ عليه، فإنه في نَفسِه لا يَنتفعُ إلا بالإعانةِ على البِرِّ والتَّقوَى.
وأمَّا بَذلُ المالِ في مُباحٍ فهذا إذا بذَلَه في حَياتِه مثلَ الابتِياعِ والاستِئجارِ جازَ؛ لأنه يَنتفعُ بتَناوُلِ المُباحَاتِ في حَياتِه.
وأمَّا الواقِفُ والمُوصِي فإنهُما لا يَنتفِعانِ بما يَفعلُ المُوصَى له والمَوقوفُ عليه مِنْ المُباحاتِ في الدُّنيا، ولا يُثابانِ على بَذلِ المالِ في ذلكَ في الآخِرةِ، فلو بذَلَ المالَ في ذلكَ عَبثًا وسَفهًا لم يَكنْ فيهِ حُجةٌ على تَناوُلِ المالِ، فكيفَ إذا أُلزِمَ بمُباحٍ لا غرَضَ له فيهِ؟! فلا هو يَنتفعُ به في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ، بل يَبقَى هذا مُنفِقًا للمالِ في الباطِلِ مُسخَّرٌ مُعَذَّبٌ آكِلٌ لِلمالِ بالباطِلِ.
وإذا كانَ الشارعُ قد قالَ: «لا سَبْقَ إلَّا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصلٍ» فلمْ يُجوِّزْ بَذْلَ الجُعلِ في شَيءٍ لا يُستعانُ به على الجِهادِ وإنْ كانَ مُباحًا، وقد يَكونُ فيهِ مَنفعةٌ كما في المُصارَعةِ والمُسابَقةِ على الأقدامِ، فكيفَ يَبذلُ العِوضَ المُؤبَّدَ في عَملٍ لا مَنفعةَ فيهِ؟! لا سِيَّما والوَقفُ مُحبَّسٌ مُؤبَّدٌ، فكيفَ يحبسُ المالَ دائِمًا مُؤبَّدًا على عَملٍ لا يَنتفِعُ به هو ولا يَنتفعُ به العامِلُ؟! فيَكونُ في ذلكَ ضَررٌ على حَبسِ الوَرثةِ وسائِرِ الآدَميِّينَ بحَبسِ
المالِ عليهم بلا مَنفعةٍ حصَلَتْ لأحَدٍ، وفي ذلكَ ضَررٌ على المُتناوِلينَ باستِعمالِهم في عَملٍ هُمْ فيهِ مُسخَّرونَ يَعوقُهُم عن مَصالِحِهم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ، فلا فائِدةَ تَحصلُ له ولا لهم (١).
وقالَ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: ثُمَّ مِنْ العَجبِ العُجَابِ قَولُ مَنْ يَقولُ: «إنَّ شُروطَ الواقِفِ كنُصوصِ الشَّارعِ»، ونحنُ نَبرأُ إلى اللهِ مِنْ هذا القَولِ، ونَعتذرُ ممَّا جاءَ به قائِلُه، ولا نَعدِلُ بنُصوصِ الشَّارعِ غيرَها أبَدًا، وإنْ أُحسِنَ الظَّنُّ بقائِلِ هذا القَولِ حُمِلَ كَلامُه على أنها كنُصوصِ الشَّارعِ في الدِّلالةِ، وتَخصيصِ عامِّها بخاصِّها، وحَملِ مُطلَقِها على مُقيَّدِها، واعتِبارِ مَفهومِها كما يُعتبَرُ مَنطوقُها، وأمَّا أنْ تَكونَ كنُصوصِه في وُجوبِ الاتِّباعِ وتَأثيمِ مَنْ أخَلَّ بشيءٍ منها فلا يُظَنُّ ذلكَ بمَن له نِسبةٌ ما إلى العِلمِ، فإذا كانَ حُكمُ الحاكِم لَيس كنَصِّ الشَّارعِ، بل يُرَدُّ ما خالَفَ حُكمَ اللهِ ورَسولِه مِنْ ذلكَ، فشَرطُ الواقفِ إذا كانَ كذلكَ كانَ أَولى بالردِّ والإبطالِ (٢).
وقالَ ابنُ القَيِّمِ قبلَ هذا الكَلامِ أيضًا: وجَعلتُم الوَفاءَ بشَرطِ الواقِفِ المُخالِفِ لمَقصودِ الشَّارعِ كتَركِ النكاحِ وكشَرطِ الصَّلاةِ في المَكانِ الذي شرَطَ فيهِ الصلاةَ وإنْ كانَ وحْدَه وإلى جانِبِه المَسجدُ الأعظَمُ وجَماعةُ المُسلمينَ، وقد ألغَى الشَّارعُ هذا الشَّرطَ في النَّذرِ الذي هو قُربةٌ مَحضةٌ وطاعَةٌ، فلا تَتعيَّنُ عِندَه بُقعةٌ عيَّنَها الناذِرُ للصلاةِ إلا المَساجدَ الثلاثةَ،
(١) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٤٨، ٥٠).
(٢) «إعلام الموقعين» (٤/ ٣٩٧).
وقد شرَطَ الناذِرُ في نَذرِه تَعيُّنَه، فألغاهُ الشارعُ لفَضيلةِ غَيرِه عليهِ أو مُساواتِه له، فكيفَ يَكونُ شَرطُ الواقفِ الذي غَيرُه أفضَلُ منه وأحَبُّ إلى اللهِ ورَسولِه لازِمًا يَجبُ الوَفاءُ به؟! وتَعيينُ الصلاةِ في مَكانٍ مُعيَّنٍ لم يُرغِّبِ الشارعُ فيهِ ليس بقُربةٍ، وما ليسَ بقُربةٍ لا يَجبُ الوَفاءُ به في النَّذرِ، ولا يَصحُّ اشتِراطُه في الوَقفِ.
فإنْ قُلتُم: الواقفُ لم يُخرجْ مالَه إلا على وَجهٍ مُعيَّنٍ، فلَزمَ اتِّباعُ ما عيَّنَه في الوَقفِ مِنْ ذلكَ الوَجهِ، والنَّاذرُ قصَدَ القُربةَ، والقُرَبُ مُتساوِيةٌ في المَساجدِ غير الثلاثةِ، فتَعيينُ بَعضِها لَغوٌ.
قيلَ: هذا الفرقُ بعَينِه يُوجِبُ عليكُم إلغاءَ ما لا قُربةَ فيهِ مِنْ شُروطِ الوَاقِفينَ واعتِبارَ ما فيهِ قُربةٌ؛ فإنَّ الواقفَ إنَّما مَقصودُه بالوَقفِ التَّقربُ إلى اللهِ، فتَقرُّبُه بوَقفِه كتَقربِه بنَذرِه، فإنَّ العاقِلَ لا يَبذلُ مالَه إلا لِما فيه مَصلحةٌ عاجِلةٌ أو آجِلةٌ، والمَرءُ في حياتِه قد يَبذلُ مالَه في أغراضِه مُباحةً كانَتْ أو غيرَها، وقد يَبذلُه فيما يُقرِّبُه إلى اللهِ، وأمَّا بعد مَماتِه فإنَّما يَبذلُه فيما يَظنُّ أنه يُقرِّبُ إلى اللهِ، ولو قيلَ له: «إنَّ هذا المَصرِفَ لا يُقرِّبُ إلى اللهِ ﷿، أو إنَّ غيرَه أفضَلُ وأحَبُّ إلى اللهِ منهُ وأعظَمُ أجرًا» لَبادَرَ إليهِ، ولا رَيبَ أنَّ العاقِلَ إذا قيلَ له: «إذا بَذَلتَ مالَكَ في مُقابَلةِ هذا الشَّرطِ حصَلَ لكَ أجرٌ واحِدٌ، وإنْ تَركْتَه حصَلَ لكَ أجرانِ» فإنه يَختارُ ما فيهِ الأجرُ الزائِدُ، فكيفَ إذا قيلَ له: «إنَّ هذا لا أجْرَ فيهِ البَتَّةَ»؟! فكيفَ إذا قيلَ: «إنه مُخالِفٌ لمَقصودِ الشَّارعِ مُضادٌّ له يَكرَهُه اللهُ ورَسولُه»؟! وهذا كشَرطِ العُزوبيةِ مَثلًا وتَركِ
النكاحِ، فإنه شَرطٌ لتَركِ واجِبٍ أو سُنةٍ أفضَلَ مِنْ صَلاةِ النافِلةِ وصَومِها، أو سُنةٌ دونَ الصلاةِ والصومِ، فكيف يَلزمُ الوَفاءُ بشَرطِ تَركِ الواجِباتِ والسُّننِ اتِّباعًا لشَرطِ الواقفِ وتَركِ شَرطِ اللهِ ورَسولِه الذي قَضاؤُه أحَقُّ وشَرطُه أوثَقُ؟!
يُوضحُه أنه لو شرَطَ في وَقفِه أن يَكونَ على الأغنِياءِ دُونَ الفُقراءِ كانَ شَرطًا باطِلًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، قالَ أبو المَعالي الجُوينيُّ هو إمامُ الحَرمَينِ رضي الله عنه: ومُعظَمُ أصحابِنا قطَعُوا بالبُطلانِ، هذا مع أنَّ وصْفَ الغِنى وَصفٌ مُباحٌ ونِعمةٌ مِنْ اللهِ، وصاحِبُه إذا كانَ شاكِرًا فهو أفضَلُ مِنْ الفَقيرِ مع صَبْرِه عندَ طائِفةٍ كَثيرةٍ مِنْ الفُقهاءِ والصُّوفيةِ، فكيف يُلغَى هذا الشَّرطُ ويَصحُّ شَرطُ التَّرهُّبِ في الإسلامِ الذي أبطَلَه النبيُّ ﷺ بقَولِه: «لا رَهبانيةَ في الإسلامِ».
يُوضِّحُه أنَّ مَنْ شرَطَ التَّعزُّبَ فإنَّما قصَدَ أنَّ ترْكَه أفضَلُ وأحَبُّ إلى اللهِ، فقصَدَ أنْ يَتعبَّدَ المَوقوفُ عليهِ بتَركِه، وهذا هو الذي تَبَرَّأَ النبيُّ ﷺ منه بعَينِه فقال: «مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس منِّي»، وكانَ قَصدُ أُولئكَ الصَّحابةِ هو قصْدَ هؤلاءِ الوَاقفينَ بعَينِه سَواءً، فإنهمْ قصَدوا تَربيةَ أنفُسِهم على العِبادةِ وترْكَ النكاحِ الذي يَشغَلُهم تَقرُّبًا إلى اللهِ بتَركِه، فقالَ النبيُّ ﷺ فيهم ما قالَ، وأخبَرَ أنه مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِه فليس منه، وهذا في غايَةِ الظُّهورِ، فكيفَ يَحلُّ الإلزامُ بتَركِ شيءٍ قد أخبَرَ به النبيُّ ﷺ أنَّ مَنْ رَغِبَ عنه فليس منه؟! هذا مِمَّا لا تَحتملُه الشَّريعةُ بوَجهٍ.
فالصَّوابُ الذي لا تُسوِّغُ الشَّريعةُ غيرَه عَرضُ شَرطِ الواقِفينَ على كِتابِ اللهِ سُبحانَه وعلى شَرطِه، فما وافَقَ كِتابَه وشرْطَه فهو صَحيحٌ، وما خالَفَه كانَ شَرطًا باطِلًا مَردودًا ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ، وليسَ ذلكَ بأعظَمَ مِنْ رَدِّ حُكمِ الحاكِمِ إذا خالَفَ حُكمَ اللهِ ورَسولِه ومِن رَدِّ فتوَى المُفتِي، وقد نَصَّ اللهُ سُبحانَه على رَدِّ وَصيةِ الجانِفِ في وَصيتِه والآثِمِ فيها، مع أنَّ الوَصيةَ تَصحُّ في غَيرِ قُربةٍ وهي أوسَعُ مِنْ الوَقفِ، وقد صرَّحَ صاحِبُ الشَّرعِ برَدِّ كُلِّ عَملٍ ليسَ عليه أمرُه، فهذا الشَّرطُ مَردودٌ بنَصِّ رسولِ اللهِ ﷺ، فلا يَحِلُّ لأحَدٍ أنْ يَقبلَه ويَعتبِرَهُ ويُصحِّحَه.
ثمَّ كيفَ يُوجِبونَ الوَفاءَ بالشُّروطِ التي إنَّما أخرَجَ الواقفُ مالَه لمَن قامَ بها وإنْ لم تَكنْ قُربةً، ولا للواقِفينَ فيها غَرضٌ صَحيحٌ، وإنَّما غَرضُهم ما يُقرِّبُهم إلى اللهِ، ولا يُوجِبونَ الوفاءَ بالشُّروطِ التي إنَّما بذَلَتِ المَرأةُ بُضعَها للزوجِ بشَرطِ وَفائِه لها بها، ولها فيها أصَحُّ غَرضٍ ومَقصودٍ، وهي أحَقُّ مِنْ كُلِّ شَرطٍ يَجبُ الوفاءُ به بنَصِّ رَسولِ اللهِ ﷺ، وهل هذا إلا خُروجٌ عن مَحضِ القِياسِ والسُّنةِ؟! (١).
وقالَ تَقيُّ الدِّينِ السُّبكيُّ رحمة الله عليه: الفُقهاءُ يَقولونَ: «شُروطُ الواقفِ كنُصوصِ الشَّارعِ»، وأنا أقولُ مِنْ طَريقِ الأدَبِ: شُروطُ الواقفِ مِنْ نُصوصِ الشَّارعِ؛ لقَولِه ﷺ: «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، وإذا
(١) «إعلام الموقعين» (٤/ ٣٩٧).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
باب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء غير الموجف عليه
بَابُ تَفْرِيقِ مَا أُخِذَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الفيء غير الموجف عليه
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَيَنْبَغِي لِلْوَالِي أَنْ يُحْصِيَ جَمِيعَ مَنْ فِي الْبُلْدَانِ مَنَ الْمُقَاتِلَةِ وَهُمْ مَنْ قَدِ احْتَلَمَ أَوِ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنَ الرِّجَالِ وَيُحْصِيَ الذُّرِّيَّةَ وَهُمْ مَنْ دُونَ الْمُحْتَلِمِ وَدُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَالنِّسَاءَ صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ وَيَعْرِفَ قَدْرَ نَفَقَاتِهِمْ وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ مُؤْنَاتِهِمْ بِقَدْرِ مَعَاشِ مِثْلِهِمْ فِي بُلْدَانِهِمْ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:
قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَنْوَةً بِقِتَالٍ، فَأَمَّا الْفَيْءُ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا تَرَكُوهُ عَلَيْنَا خَوْفًا وَرُعْبًا كَالْأَمْوَالِ الَّتِي انْجَلَوْا عَنْهَا وَمَا بَذَلُوهُ صُلْحًا فِي كَفِّنَا وَرَدِّنَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَهَذَا يُخَمَّسُ وَيَكُونُ خُمُسُهُ كَخُمُسِ الغنيمة مقسوم عَلَى السِّهَامِ الْخَمْسَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا رُعْبٍ كَالْجِزْيَةِ وَعُشْرِ تِجَارَتِهِمْ وَمَالِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا وَلَا وَارِثَ لَهُ فَفِي تَخْمِيسِهِ قَوْلَانِ:
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.