الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > هل يدخل الوقف في ملك الموقوف عليه؟ أم يبقى على ملك الله؟ أم يظل على ملك الواقف؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةولقدِ استَبعدَ مُحمدٌ قولَ أبي حَنيفةَ في الكِتابِ لهذا، وسَمَّاهُ تَحكُّمًا على الناسِ مِنْ غيرِ حُجَّةٍ، وقالَ: ما أخَذَ الناسُ بقَولِ أبي حَنيفةَ وأصحابِه إلا لِتَركِهم التَّحكُّمَ على الناسِ، ولو جازَ تَقليدُ أبي حَنيفةَ في هذا لَكانَ مَنْ مَضَى قُبيلَ أبي حَنيفةَ مثلَ الحَسنِ البَصريِّ وإبراهيمَ النخَعيِّ أَحرَى أنْ يُقلَّدوا، ولم يُحمَدْ مُحمدٌ على ما قالَه بسَببِ أُستاذِه، وقيلَ: بسببِ ذلكَ انقَطعَ خاطِرُه، فلمْ يَتمكَّنْ مِنْ تَفريعِ مَسائلِ الوَقفِ كالخصَّافِ وهِلالٍ، ولو كانَ أبو حَنيفةَ في الأحياءِ حينَ ما قالَ لَزَأَمَ عليه، فإنه كما قالَ مالكٌ في أبي حَنيفةَ: رَأيتُ رَجلًا لو قالَ: هذه الأُسطوانةُ مِنْ ذَهبٍ لَدَلَّ عليه …
والحاصِلُ أنَّ المَشايخَ رَجَّحوا قولَهُما، وقالَ: الفتَوى عليهِ.
وفي «فَتح القَديرِ»: أنه الحَقُّ، ولا يَبعدُ أنْ يَكونَ إجماعُ الصَّحابةِ ومَن مَرَّ بَعدَهم رضي الله عنهم مُتوارَثًا على خِلافِ قَولِه (١).
هل يَدخلُ الوَقفُ فِي مِلكِ المَوقوفِ عَليهِ؟ أم يَبقَى على مِلكِ اللهِ؟ أم يَظلُّ على مِلكِ الواقِفِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ، هل يَنتقلُ إلى مِلكِ المَوقوفِ عليه؟ أم يَكونُ على مِلكِ اللهِ تعالى؟ بعد اتِّفاقِهم أنه إنْ كانَ مَسجدًا فإنه يَنتقلُ إلى مِلكِ اللهِ تعالى، وكذا المَدارِسُ والقَناطِرُ والسِّقاياتُ وأشباهُها.
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه يَخرجُ مِنْ مِلكِ الواقفِ ويَصيرُ حَبيسًا على حُكمِ مِلكِ اللهِ تعالى ولا يَدخلُ في
(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٩، ٢١٠).
مِلكِ المَوقوفِ عليه؛ لأنه لو دخَلَ في مِلكِه نفَذَ بَيعُه فيه كَسائرِ أملاكِه، فيَصيرُ مَحبوسًا على حُكمِ مِلكِ اللهِ تعالى على وَجهٍ يَصلُ نَفعُه إلى عِبادِه، فوجَبَ أنْ يَخرجَ عن مِلكِه ويَخلُصَ للهِ تعالى ويَصيرَ مُحرَّرًا عن التَّمليكِ؛ ليَستَديمَ نَفعُه ويَستمرَّ وَقفُه للعِبادِ، ولأنه إزالةُ مِلكِ عن الرَّقبةِ والمَنفعةِ على وَجهِ التقرُّبِ إلى اللهِ تعالى، فوجَبَ أنْ يَنتقلَ المِلكُ إليه كالعِتقِ، ومَنافعُ الوَقفِ مِلكٌ للمَوقوفِ عليه يَتصرَّفُ فيها تَصرُّفَ المُلَّاكِ، يَستوفيها بنفسِه وبغَيرِه بإعارَةٍ وإجارةٍ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ ذلكَ مَقصودُ الواقفِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في قَولٍ وابنُ الهُمامِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يَبقَى على مِلكِ الواقفِ؛ لقَولِه ﷺ لعُمرَ: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ»، وهذا يَقتضِي تَبقيتَه على ما كانَ عليه، ولأنَّ المالِكَ تَصدَّقَ بالمَنافعِ وألزَمَ نفسَه ذلكَ، وليسَ في هذا إخراجُ الأصلِ عن مِلكِه كالعارِيةِ.
قالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: ودَليلُنا على أنه لا يَنتقلُ إلى المُوقَفِ عليهم ما ذكَرْناهُ مِنْ قَولِه: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ»، ففيهِ دَليلانِ:
(١) «الهداية شرح البداية» (٣/ ١٣)، و «العناية» (٨/ ٣١٩، ٣٢١)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٠٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٩٧)، و «الاختيار» (٣/ ٤٩)، و «اللباب» (١/ ٦١٩)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥١٥)، و «المهذب» (١/ ٤٢٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٤٥)، و «الديباج» (٢/ ٥٢٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٠٤، ٥٠٥).
أحَدُهما: أنَّ التَّحبيسَ يَنفِي نقْلَ المِلكِ؛ لأنَّ مَنْ مَلَّكَ غيرَه شَيئًا لا يُقالُ حَبَّسَه.
والثاني: أنه لا فرْقَ بينَه وبينَ الثَّمرةِ، وقد ثبَتَ أنَّ الثَّمرةَ تَخرجُ عن مِلكِه إلى مِلكِ المَوقوفِ عليهم، فدَلَّ على أنَّ الأصلَ لا يَكونُ مِلكًا لهم؛ لأنه لو كانَ مِلكًا لهم لم يَجُزْ فيه شَرطُ المَنعِ مِنْ البَيعِ والهِبةِ والتَّصرفِ، ولا صَرفُه إلى وَجهٍ آخَرَ بعد مَوتِهم، ولأنه كانَ يَجوزُ لهما أنْ يَتقارَّا على فَسخِه، وذلكَ باطِلٌ.
ودَليلُنا على أنه لا يَجوزُ أنْ يَكونَ انتَقلَ إلى غَيرِ مالكٍ أنَّ كُلَّ ما لا يَصحُّ عِتقُه ولا بَيعُه فلا بُدَّ له مِنْ مالكٍ؛ اعتِبارًا بالحَيوانِ والعُروضِ (١).
قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وعندَ مالكٍ هو حَبسُ العَينِ على مِلكِ الواقفِ، فلا يَزولُ عنه مِلكُه، لكنْ لا يُباعُ ولا يُورثُ ولا يُوهَبُ، وذكرَ بَعضُ الشافِعيةِ أنَّ هذا قَولٌ آخَرُ للشافِعيِّ وأحمَدَ؛ لأنه ﷺ قالَ: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ».
وهذا أحسَنُ الأقوالِ، فإنَّ خِلافَ الأصلِ والقِياسِ ثابتٌ في كُلٍّ مِنْ القَولينِ، وهو خُروجُه لا إلى مالكٍ وثُبوتُ مِلكِه أو مِلكِ غيرِه فيه مع مَنعِه مِنْ بَيعِه وهِبتِه، وكلٌّ منهُما له نَظيرٌ في الشرعِ، فمِن الأولِ المَسجدُ وغيرُه، ومِن الثاني أمُّ الوَلدِ يَكونُ المِلكُ فيها باقيًا ولا تُباعُ ولا تُوهبُ ولا تُورثُ، وكذا المُدبَّرُ المُطلَقُ عندَنا، فكلٌّ منهُما يُمكِنُ أنْ يقَعَ بالدَّليلِ، ولا شَكَّ أنَّ
(١) «الإشراف» (٣/ ٢٤٩، ٢٥٠).
مِلكَ الواقفِ كانَ مُتيقَّنَ الثُّبوتِ، والمَعلومُ بالوَقفِ مِنْ شَرطِه عَدمُ البَيعِ ونَحوِه، فلْيُثبَتْ ذلكَ القَدرُ فقط ويَبقَى الباقي على ما كانَ حتى يَتحقَّقَ المُزيلُ، ولمْ يَتحقَّقْ، فإنَّ الذي في الحَديثِ في بَعضِ الرِّواياتِ: «تَصدَّقْ بأصلِه»، مع أنه ليسَ على ظاهِرِه، وإلا لَخرَجَ إلى مالكٍ آخَرَ، ثمَّ رَأيْنا غيرَه بيَّنَّه بقَولِه: «إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصْلَها وتَصدَّقتَ بها» أي: بالثَّمرةِ أو الغلَّةِ، وظاهِرُه حَبسُها على ما كانَ، فلم يَخلُصْ دَليلٌ يُوجِبُ الخُروجَ عن المِلكِ، وكذا المَعنى الذي استَدلَّ به المُصنِّفُ وهو قولُه: ولأنَّ الحاجةَ مَاسَّةٌ إلى أنْ يَلزمَ الوَقفُ يُفيدُ لُزومَهُ لا غيرَ، والحاصِلُ أنه ثبَتَ قَولُه ﷺ لعُمرَ: «تَصدَّقْ» وقَولُه: «حَبِّسْ»، والمَفهومانِ مُختلِفانِ؛ لأنَّ مَعنى «تَصدَّقْ بأصلِها»: مَلِّكْهُ الفَقيرَ للهِ سُبحانَه، ومَعنى «حَبِّسْ»: احبِسْهُ، أيْ: على ما كانَ، ولا يُمكِنُ أنْ يُرادَ بهما إلا مَعنَى أحَدِهما، وإلا كانَ ﷺ مُجيبًا لعُمرَ رضي الله عنه في حادِثةٍ واحِدةٍ بأمرَينِ مُتنافِيَينِ، فإما أنْ يُحمَلَ «حَبِّسْ» على مَعنَى «تَصدَّقْ»، والاتِّفاقُ على نَفيِه؛ إذ لا يَقولُ واحدٌ مِنْ الثلاثةِ بمِلكِ الفَقيرِ للعَينِ، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ «تَصدَّقْ» على مَعنى «حَبِّسْ» (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَقفَ يَنتقلُ إلى مِلكِ المَوقوفِ عليهِ إذا كانَ آدَميًّا مُعيَّنًا أو مَحصورًا؛ لأنَّ الوَقفَ لا يُخرِجُ المَوقوفَ عن الماليةِ، ألَا تَرى أنه يُطعَنُ بالغَصبِ ويُثبِتُ عليهِ اليَدَ
(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٠٤).
وليس فيه أكثرُ مِنْ أنه لا يَملكُ بَيعَه، وذلكَ لا يَدلُّ على أنهما ملَكَه؛ لأنَّ السَّيدَ لا يَبيعُ أمَّ الوَلدِ وهي مِلكٌ له، ولأنه سَببٌ يُزيلُ التَّصرفَ في الرَّقبةِ، فملَكَه المُنتقِلُ إليه كالهِبةِ، ولأنه لو كانَ تَمليكًا للمَنفعةِ المُجرَّدةِ لم يَلزمْ كالعارِيةِ والسُّكنَى.
أمَّا إذا كانَ المَوقوفُ عليه مِمَّا لا يُملَكُ كالمَسجدِ ونَحوِه فإنَّ المِلكَ في الوَقفِ يَنتقلُ إلى اللهِ تعالَى (١).
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥١٥)، و «المهذب» (١/ ٤٢٢)، و «الكافي» (٢/ ٤٥٥)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٠٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠٩، ٤١٠)، و «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٧٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٩٧)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الشرائط التي ترجع إلى الموقوف
ثُمَّ التَّسْلِيمُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ قَيِّمًا وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بِإِذْنِهِ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمة الله عليه فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَصَلَّى وَاحِدٌ كَانَ تَسْلِيمًا، وَيَزُولُ مِلْكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَشْرُطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ شَيْئًا، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ شَرْطٌ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذَا إخْرَاجُ الْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعْلُهُ خَالِصًا لَهُ، وَشَرْطُ الِانْتِفَاعِ لِنَفْسِهِ يَمْنَعُ الْإِخْلَاصَ فَيَمْنَعُ جَوَازَ الْوَقْفِ، كَمَا إذَا جَعَلَ أَرْضَهُ أَوْ دَارِهِ مَسْجِدًا وَشَرَطَ مِنْ مَنَافِعِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ خِدْمَتَهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ وَقَفَ وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَكَانَ يَلِي أَمْرَ وَقْفِهِ بِنَفْسِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ بَيْعَ الْوَقْفِ وَصَرْفَ ثَمَنِهِ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ شَرْطٌ لَا يُنَافِيهِ الْوَقْفُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ بَابُ الْمَسْجِدِ إذَا خَلِقَ، وَشَجَرُ الْوَقْفِ إذَا يَبِسَ (وَمِنْهَا) أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهُ بِجِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ…
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.