ه - وقف المريض مرض الموت

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > ه - وقف المريض مرض الموت

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 40 دقيقة قراءة

ه - وقف المريض مرض الموت - الأقوال والأدلة

والشافِعيُّ في قَولٍ، وقالَ في آخَرَ: يَقفُ تَصرُّفُه، فإنْ كانَ فيما بَقيَ مِنْ مالِه وَفاءُ الغُرماءِ نفَذَ، وإلا بطَلَ.

ولنا: أنه مَحجورٌ عليه بحُكمِ حاكِمٍ، فلم يَصحَّ تَصرُّفُه كالسَّفيهِ، ولأنَّ حُقوقَ الغُرماءِ تَعلَّقتْ بأعْيانِ مالِه، فلم يَصحَّ تَصرُّفُه فيها كالمَرهونةِ.

فأمَّا إنْ تَصرَّفَ في ذمَّتِه فاشتَرى أو اقتَرضَ أو تَكفَّلَ صَحَّ تَصرُّفُه؛ لأنه أهلٌ للتصرُّفِ، وإنَّما وُجِدَ في حقِّهِ الحَجرُ، والحَجرُ إنَّما يَتعلَّقُ بمالِه لا بذِمتِه، ولكنْ لا يُشارِكُ أصحابُ هذه الدُّيونِ الغُرَماءَ؛ لأنهُم رَضُوا بذلكَ إذا عَلِموا أنه مُفلِسٌ وعامَلوهُ، ومَن لم يَعلمْ فقدْ فرَّطَ في ذلكَ، فإنَّ هذا في مَظنَّةِ الشُّهرةِ، ويُتبَعُ بها بعد فَكِّ الحَجرِ عنهُ (١).

وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: وتَصرفُ المُفلِسِ في مالِه قبلَ الحَجرِ عليه صَحيحٌ نصًّا ولو استَغرَقَ دَينُه جَميعَ مالِه؛ لأنه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه، ولأنَّ سبَبَ المَنعِ الحَجرُ، فلا يَتقدَّمُ سبَبَه، ويَحرمُ إنْ أضَرَّ بغَريمِه، ذكَرَه الآمِديُّ البَغداديُّ (٢).

هـ - وَقفُ المَريضِ مرَضَ المَوتِ:

المَريضُ إمَّا أنْ يُوقِفَ لغيرِ وَرثتِه، وإمَّا أنْ يُوقِفَ لوَرثتِه، وفي الحالَتينِ إمَّا أن يَكونَ مَدِينًا أو لا؟

(١) «المغني» (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٦٤)، ويُنظَر: «روضة الطالبين» (٤/ ١٣٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤١٢)، و «حاشية البيجوري» (٢/ ٨٨)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٢٩٧)، و «الديباج» (٢/ ٥١٥).
(٢) «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٤٨).

أ - الوَقفُ على غَيرِ الوَرثةِ: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّ المَريضَ مرَضَ المَوتِ إنْ أوقَفَ لغَيرِ وَرثتِه صَحَّ الوَقفُ، ولكنَّه كالوَصيةِ في حقِّ نُفوذِه مِنْ الثُّلثِ؛ لأنه تَبرعٌ، والتَّبرعُ مِنْ المَريضِ بمَنزلةِ الوَصيةِ المُضافةِ إلى ما بعد المَوتِ، فيُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ، إلا أنْ يُجيزَه الوَرثةُ بعدَ مَوتِه لا قبلَه، فيَصحُّ فيما زادَ عن الثُّلثِ.

قالَ الحَنفيةُ: الوَقفُ في مَرضِ المَوتِ لازِمٌ، ولكنَّه كالوَصيةِ في حقِّ نُفوذِه مِنْ الثُّلثِ، فإنْ ماتَ مِنْ غيرِ رُجوعٍ عنه يَنفذُ مِنْ الثُّلثِ، فإذا وقَفَ المَريضُ أرضَه أو دارَه في مَرضِ مَوتِه على الفُقراءِ والمَساكينِ فالوَقفُ جائِزٌ مِنْ الثلثِ؛ لأنه تَبرعٌ، والتَّبرعُ مِنْ المَريضِ بمَنزلةِ الوَصيةِ المُضافةِ إلى ما بعد المَوتِ، فيُعتبَرُ مِنْ الثلثِ، كما لو أَوصَى بأنْ تُوقَفَ أرضُه بعدَ وفاتِه، فإنه يُعتبَرُ مِنْ الثلثِ، كذا هاهُنا، وإِنْ لم تَخرجْ مِنْ الثلثِ بأنْ لم يَكنْ له مالٌ يُخرِجُ سِوى هذه الأرضَ يَجوزُ الوَقفُ في ثُلثِ الأرضِ ويَبطلُ في الثُّلثينِ، إلا أنْ يُجيزَ الوَرثةُ، وإنْ أجازَه البَعضُ ورَدَّه البَعضُ جازَ في حصَّةِ المُجيزِ وبطَلَ في حصَّةِ الرادِّ، إلا أنْ يَظهرَ له مالٌ آخَرُ يَخرجُ الوَقفُ مِنْ ثُلثِه، فحِينئذٍ يَلزمُ في الكُلِّ (١).

(١) «الإسعاف» ص (٣٥، ٣٦)، و «المحيط البرهاني» (٦/ ٤٤)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١١، ٢١٢)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٩٥)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٢/ ٢٠١).

وقالَ المَرغِينانِيُّ في «الهِدايَة»: ولو وقَفَ في مَرضِ مَوتِه قالَ الطَّحاويُّ: هو بمَنزلةِ الوَصيةِ بعد المَوتِ، والصَّحيحُ أنه لا يَلزمُ عند أبي حَنيفةَ، وعندَهُما يَلزمُ، إلا أنه يُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ، والوَقفُ في الصِّحةِ مِنْ جَميعِ المالِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: الوَقفُ في الصِّحةِ مِنْ رأسِ المالِ، وفي المَرضِ أو الوَصِيةِ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنَّ الصَّحيحَ لا يَتعلَّقُ عليه حَجرٌ لأحَدٍ في مالِه ولا الوارِثِ ولا غَيرِه، فكانَتْ عطاياهُ وهِباتُه مِنْ رأسِ المالِ، والمَريضُ مَحجورٌ عليه مِنْ أجلِ وَرثتِه، فما يَفعلُه مَوقوفٌ على الثُّلثِ بعد مَوتِه؛ لأنه ليس له أنْ يُخرِجَ عنهم زيادةً على الثُّلثِ بعدَ مَوتِه؛ لأنَّ ذلكَ تَقديرٌ ما جُعِلَ له، وإنَّما لم يُحكَمْ بتَنجيزِه مِنْ الثُّلثِ في الحالِ لجَوازِ أنْ يَتلفَ الثُّلثانِ الباقِيانِ ويَموتَ هو عَنْ هذا المِقدارِ فقط؛ لأنَّ الاعتِبارَ ما يَتركُه بعدَ المَوتِ لا قبلَهُ، فيُؤدِّي إلى أنْ تَكونَ الوَصايا قد نَفَذتْ قبلَ حُصولِ الثُّلثينِ للوَرثةِ، وذلكَ غَيرُ جائِزٍ، إلَّا أنْ يُجيزَ الوَرثةُ ما زادَ عن الثُّلثِ فيَجوزُ (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: إذا أوقَفَ المَريضُ مرَضَ المَوتِ على أجنَبيٍّ صَحَّ في الثُّلثِ، وما زادَ على الثلثِ لا يَنفذُ إلَّا بإجازةِ الوَرثةِ بعد مَوتِه لا قبلَه (٣).

(١) «الهداية» (٣/ ١٤)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١٠)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٤٧).
(٢) «المعونة» (٢/ ٤٩٢)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٩١).
(٣) «البيان» (٨/ ٩٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤١٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥٥)، و «الديباج» (٢/ ٥١٥).

وقالَ الحَنابلةُ: ولا يَنفذُ وَقفُ مَريضٍ بجُزءٍ زائِدٍ على ثُلثِ مالِه كسائِرِ تبَرُّعاتِه ولو كانَ وَقفُه على أجنَبيٍّ كالعَطيةِ في المَرضِ والوَصيةِ.

قالَ الرُّحيبانِيُّ رحمة الله عليه: ويَتَّجهُ أنه يَنفذُ وَقفُ المَريضِ ما زادَ على الثُّلثِ بلا إجازةٍ مِنْ الوَرثةِ، سَواءٌ كانَ الوَقفُ على بَعضِهم أو على أجنَبيٍّ كالعَطيةِ في المَرضِ، وهو مُتَّجهٌ (١).

ب - إذا أوقَفَ المَريضُ مرَضَ المَوتِ على وَرثتِه:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أوقَفُ المَريضُ مرَضَ المَوتِ على وَرثتِه هل يَصحُّ أم لا؟

فأَجازَهُ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وإنْ لم يَرْضَ الوَرثةُ أو باقِيهم، ويَكونُ مِنْ الثُّلثِ فقط، ويَتوقَّفُ الباقي على إجازةِ الوَرَثةِ، فإنْ أجازوا صَحَّ، وإلا بطَلَ في الباقي.

ومنَعَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ أنْ يَقِفَ على وَرثتِه في مَرضِ مَوتِه ولو كانَ الثُّلثَ، إلَّا أنْ يُجيزَه الوَرثةُ.

فما زادَ على الثُّلثِ لا يَجوزُ اتِّفاقًا إلا بإِذنِ الوَرثةِ، وما كانَ مِنْ الثُّلثِ فأقَلَّ فَجائزِ عندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ وإنْ لم يُجِزْه الوَرثةُ، وغيرُ جائِزٍ عند المالِكية والشافِعية والحَنابلة في رِوايةٍ إلَّا أنْ يُجيزَهُ الوَرثةُ، عَلى تَفصيلٍ في كُلِّ مَذهبٍ بَيانُه على النَّحوِ الآتي:

(١) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٠٤).

قالَ الحَنفيةُ: إذا وقَفَ المَريضُ على بَعضِ الوَرثةِ ولمْ يُجِزْه باقيهمْ لا يَبطلُ أصلُه، وإنَّما يَبطلُ ما جعَلَ مِنْ الغلَّةِ لبَعضِ الوَرثةِ دونَ بَعضٍ، فيُصرَفُ على قَدرِ مَواريثِهم عن الواقفِ ما دامَ المَوقوفُ عليه حَيًّا، ثمَّ يُصرَفُ بعد مَوتِه إلى مَنْ شرَطَه الواقفُ؛ لأنه وَصيةٌ تَرجِعُ إلى الفُقراءِ، وليس كوَصيتِه لوارِثٍ ليَبطُلَ أصلُه بالرَّدِّ.

قالُوا: امرَأةٌ وقَفَتْ مَنزلًا في مَرَضِها على بَناتِها ثمَّ مِنْ بَعدِهنَّ على أولادِهنَّ وأولادِ أولادِهنَّ أبَدًا ما تَناسَلُوا، فإذا انقَرَضوا فللفُقراءِ، ثمَّ ماتَتْ مِنْ مَرضِها وخلَّفَتْ مِنْ الوَرثةِ بِنتَينِ وأُختًا لأبٍ، والأُختُ لا تَرضَى بما صنَعَتْ، ولا مالَ لها سِوى المَنزلِ جازَ الوَقفُ في الثُّلثِ ولم يَجُزْ في الثُّلثينِ، فيُقسمُ الثُّلثانِ بينَ الوَرثةِ على قَدرِ سِهامِهم ويُوقَفُ الثُّلثُ، فما خرَجَ مِنْ غلَّتِه قُسِمَ بينَ الوَرثةِ كلِّهم على قَدرِ سِهامِهم ما عاشَتِ البِنتانِ، فإذا ماتَتَا صُرِفَتِ الغلَّةُ إلى أولادِهِما وأولادِ أولادِهِما كما شرَطَتِ الواقِفةُ، لا حقَّ للوَرثةِ في ذلكَ.

وفي «الظَّهيرِيَّة»: رَجلٌ وقَفَ دارًا له في مَرضِه على ثَلاثِ بَناتٍ له وليسَ له وارِثٌ غَيرُهنَّ، قالَ: الثُّلثُ مِنْ الدَّارِ وَقفٌ والثُّلثانِ مُطلَقٌ لهنَّ يَصنَعنَ بهما ما شِئنَ، قالَ الفَقيهُ أبو اللَّيثِ: هذا إذا لم يُجِزْنَ، أمَّا إذا أَجَزْنَ صارُ الكلُّ وَقفًا عليهنَّ. اه

والحاصِلُ: أَنَّ المَريضَ إذا وقَفَ على بَعضِ وَرثتِه ثمَّ مِنْ بَعدِهم على أولادِهِم ثمَّ على الفُقراءِ، فإنْ أجازَ الوارِثُ الآخَرُ كانَ الكلُّ وَقفًا واتُّبعَ

الشَّرطُ، وإلا كانَ الثُّلثانِ مِلكًا بينَ الوَرثةِ والثُّلثُ وَقفًا تُقسمُ غلَّتُه كالثُّلثينِ، فتُصرَفُ مَصرِفَ الثُّلثينِ على الوَرثةِ كلِّهم ما دامَ المَوقوفُ عليه حَيًّا، أمَّا إذا ماتَ تُقسمُ غلَّةُ الثلثِ المَوقوفِ على مَنْ يَصيرُ له الوَقفُ.

ولو ماتَ بَعضُ المَوقوفِ عليهِم فإنه يَنتقلُ سَهمُه إلى وَرثتِه ما بَقيَ أحَدٌ مِنْ المَوقوفِ عليهم حيًّا (١).

وقالَ المالِكيةُ: لو وقَفَ على وارِثِه في مَرَضِ مَوتِه بطَلَ الوَقفُ، وسَواءٌ حمَلَه الثلثُ أم لا؛ لأنه كالوَصيةِ وَقفٌ على بَعضِ الوَرثةِ أو على جَميعِهم، والوَصيةُ للوارِثِ باطِلةٌ ولو حازَهُ المَوقوفُ عليه، ويَرجعُ مِيراثًا إلا أنْ يُجيزَه له بَقيةُ الوَرثةِ غيرِ المَوقوفِ عليهمْ، فإنْ أجازوهُ لم يَبطلْ؛ لأنه ابتِداءُ وَقفٍ مِنهم، فإنْ صَحَّ الواقفُ بعد ذلكَ مِنْ ذلكَ المَرضِ الذي وقَفَ فيهِ ثمَّ ماتَ صَحَّ الوَقفُ كما لو وقَفَ في صحَّتِه.

ولو أشرَكَ الوارِثَ بينَه وبينَ مُعيَّنٍ ليس بوارِثٍ بطَلَ نَصيبُ الوارِثِ خاصَّةً، فإنْ شرَّكَ مَعَه غيرَ مُعيَّنٍ مع التَّعقيبِ أو المَرجِعِ فما خَصَّ مَنْ ليسَ بوارِثٍ فهو حَبسٌ عليه، وإنْ كانوا جَماعةً فهو بينَهُم، وما خَصَّ الوارِثَ فهو بينَ جَميعِ الوَرثةِ على فَرائضِ اللهِ ﷿، إلَّا أنه مَوقوفٌ بأيديهِمْ ما دامَ المُحبَّسُ عليه مِنْ الوَرثةِ حَيًّا، فإذا انقَرضَ خَلصَ الجَميعُ حَبسًا لمن مَعَهم في الحَبسِ مِنْ غيرِ الوَرثةِ.

(١) «الإسعاف» ص (٣٥، ٣٨)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢١٠)، و «المحيط البرهاني» (٥/ ٦٩٧)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٤٥، ٣٩٦)، و «درر الحكام» (٥/ ٢١٠).

واستَثنَى المالِكيةُ مِنْ عَدمِ جَوازِ الوَقفِ على الوارِثِ وقْفَ المُعقِبِ، وهي مَسألةٌ تُعرَفُ عندهُم بولَدِ الأعْيانِ.

والمعنى أنَّ الشَّخصَ إذا وقَفَ في مَرضِ مَوتِه على وَرثتِه والثُّلثُ يَحمِلُه وعَقبِه بأنْ قالَ: «هو وَقفٌ على أولادِي وأولادِ أولادي وذُرِّيتِهم وعَقبِهم»، أو وقَفَ على إخوَتِه وأولادِهِم وعَقبِهم، أو وقَفَ على إخوَتِه وأولادِ عَمِّه وعَقبِهم، أو إخوَتِه وعَقبِهم وأولادِ عَمِّهِ، وضابِطُ تلكَ المَسألةِ أنْ يَقفَ المَريضُ على وارِثٍ وغيرِ وارِثٍ وعَقبِهم، فإنه يَصحُّ حِينئذٍ إذا خرَجَ مِنْ الثُّلثِ، ولا يَبطلُ ما نابَ أولادَ الأَعيانِ؛ لتَعلُّقِ حقِّ الغَيرِ بالوَقفِ؛ لأنَّ أولادَ الأعيانِ إذا ماتوا رجَعَ الوَقفُ لأولادِهِم، فإذا صَحَّ الوَقفُ على هذا الوَجهِ كانَ ما بأيدي أولادِ الأعْيانِ وَقفًا لا مِلكًا، ويَكونُ كالميراثِ في القَسْمِ يَأخذُ الذَّكرُ مثلَ حَظِّ الأُنثيَينِ ولو شرَطَ الواقِفُ تَساويهما على المَشهورِ لا ميراثًا حَقيقيًّا، فلا يَتصرَّفونَ فيه تَصرُّفَ المِلكِ مِنْ بَيعٍ وهِبةٍ ونحوِ ذلكَ؛ لأنه بأيديهِم وَقفٌ لا مِلكٌ، ويَدخلُ في الوَقفِ جَميعُ الوَرثةِ كالأمِّ والزَّوجةِ وإنْ لم يُوقِفْ عليهم.

ومثالُ ذلكَ أنْ يَقولَ: «وَقَفتُ على أولادي -أي لصُلْبي، وهُم أولادُ الأعْيانِ- وأولادِ أولادي وعَقبِهم، أو أوقَفْتُ على وارِثٍ وعلى غيرِ وارِثٍ وعَقبِهم» صَحَّ الوَقفُ، فإنْ لم يَقُلْ: «وعلى عَقبِهم» بل قالَ: «على أولادي وأولادِ أولادي» بطَلَ على الأولادِ وصَحَّ على أولادِ الأولادِ، فالتَّعقيبُ شَرطٌ في هذه المَسألةِ كالخُروجِ مِنْ الثُّلثِ.

وبيانُ ذلكَ بالمِثالِ: كثَلاثةِ أولادٍ وأربَعةِ أولادِ أولادٍ وعَقَّبَه وترَكَ زَوجةً وأمًّا فيَدخُلانِ فيما للأولادِ، وأربَعةُ أسباعِه لوَلدِ الوَلدِ وَقفٌ، فحِينئذٍ يُقسمُ على سَبعةِ أسهُمٍ لأولادِ الصُّلبِ الثَّلاثةِ ثَلاثةُ أسهُمٍ هو بأيديهِمْ كالمِيراثِ للذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ، ولكونِه وَقفًا لم يبطلْ ما نابَ أولادَ الصُّلبِ؛ لتَعلُّقِ حقِّ غيرِهم به، فتَدخلُ الأمُّ والزَّوجةُ وغيرُهما مِنْ الوَرثةِ، فتَأخذُ الأمُّ سُدسَه إرْثًا وتَأخذُ الزوجةُ ثُمنَه إرثًا ثمَّ يُقسَمُ الباقي بينَ الأولادِ الثَّلاثةِ أثلاثًا ولأولادِ الأولادِ الأربَعةِ أربَعةُ أسباعِه وَقفٌ للذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثى، وهذا قَولُ ابنِ القاسِمِ وهو المَشهورُ، وهذا إذا كانَتْ حاجَتُهم واحِدةً، وإلَّا فعلى قَدرِ الحاجةِ، قالَه سَحنونٌ ومُحمدُ بنُ الموَّازِ.

وحاصِلُ المَسألةِ: أنَّ المَوقوفَ في المَرضِ في الفَرضِ المَذكورِ بشَرطِه يُقسَمُ ابتِداءً على سَبعةٍ عدَدَ أولادِ الأعيانِ وأولادِ الأولادِ، ثم تُقسَمُ الثلاثةُ التي لأولادِ الأعيانِ للذكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ، وتَدخلُ فيها الأمُّ والزوجةُ.

وإذا حدَثَ ولَدٌ أو أكثَرُ لواحِدٍ مِنْ الفَريقينِ فإنَّ القِسمةَ تَنتقضُ؛ لأنها كانَتْ مِنْ سَبعةٍ فصارَتْ مِنْ ثَمانيةٍ، وهذا مِمَّا لا خِلافَ فيهِ كمَوتِه، أي: كما يَنتقضُ القَسْمُ بمَوتِ واحِدٍ مِنْ أولادِ الصُّلبِ أو بمَوتِ واحِدٍ مِنْ أولادِ الأولادِ على الأصَحِّ مِنْ قَولَي ابنِ القاسِمِ وهو مَذهبُ «المُدوَّنة»، فإذا ماتَ واحِدٌ مِنْ أولادِ الأعيانِ فالقِسمةُ مِنْ ستَّةٍ، لهمْ سَهمانِ مِنْ ستَّةٍ، للأمِّ منهما السُّدسُ وللزوجةِ منهما الثُّمنُ، والباقي يُقسَمُ على ثَلاثةٍ: الاثنَينِ الباقيَينِ مِنْ أولادِ الأعيانِ وعلى أخيهِما الذي قد ماتَ، فإنه يَحيَا بالذَّكرِ

تَقديرًا، ولكنَّ نَصيبَه لوَرثتِه مَفضوضًا على الفَرائضِ، وكذا لو ماتَ ثانٍ، فلو ماتَ أولادُ الأعيانِ كلُّهم رجَعَ الحَبسُ جَميعُه لوَلدِ الوَلدِ وَقفًا مع ما بيَدِ الزوجةِ والأمِّ؛ لأنَّ أخْذَ الزوجةِ والأمِّ إنما كانَ تَبعًا للأولادِ، وإنْ كانَ المَيتُ مِنْ وَلدِ الوَلدِ صارَ لأولادِ الأعيانِ النِّصفُ ولأولادِ الأولادِ النِّصفُ، وقَولُهمْ: «يَحيَا الذي ماتَ بالذَّكرِ» يُؤخذُ منه أنَّ الطَّبقةَ العُليَا لا تَحجبُ إلا فرْعَها فقط، فلو انقَرضَ أولادُ الأولادِ رجَعَ الجَميعُ كمِيراثٍ، أي يَنتفعونَ به انتِفاعَ المِلكِ، فإنِ انقَرَضوا أيضًا رجَعَ مَراجعَ الأحباسِ.

(لا الزوجةُ والأمُّ)، أي أنَّ زَوجةَ الواقفِ أو أمَّ الواقفِ إذا ماتَتْ واحدةٌ منهما فإنَّ القِسمةَ لا تُنقَضُ، ويَكونُ ما بيَدِ مَنْ ماتَ منهُما وَقفًا على وَرثتِهما، وكذا لو ماتَ وارِثُهما أبَدًا ما بَقيَ مِنْ ولَدِ الأعيانِ أحَدٌ، فلو لم يَكنْ للأمِّ أو للزوجةِ وَرثةٌ يَكونُ نَصيبُ مَنْ ماتَتْ مِنهما لبَيتِ المالِ (١).

وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: إنْ وقَفَ على وارثِه في مَرضِ مَوتِه وُقِفَ على إجازةِ الوَرثةِ، سَواءٌ احتَملَهُ الثُّلثُ أو لم يَحتملْه كالوَصيةِ له.

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٦٥، ٤٦٨)، و «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» (٣/ ٩٦٢، ٩٦٣)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٢)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٨٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٦٩، ٥٧٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٥، ٨٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤٦، ٦٤٨)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٤٩، ١٥٠).

فإنْ كانَ له دارٌ لا يَملكُ غيرَها فوقَفَها على ابنِهِ في مَرضِ مَوتِه ولا وارِثَ له سِواهُ قالَ المَسعودِيُّ في «الإبَانِة»: لَزمَ الوَقفُ في ثُلثِها؛ لأنَّ أكثَرَ ما فيهِ أنه حالَ بينَه وبينَ ثُلثِها، وله أنْ يَفعلَ ذلكَ في ثُلثِه.

وأمَّا الثُّلثانِ: فللابنِ إبطالُ الوَقفِ فيهِما؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَملكُ التَّبرعَ في مَرضِ مَوتِه إلا بثُلثِ تَرِكتِه، فإنْ أبطَلَه فلا كَلامَ، وإنِ اختارَ أنْ يُجيزَه وَقفًا على نَفسِه:

فإن قُلنا: «إنَّ الإجازَةَ مِنْ الوارثِ ابتِداءُ عَطيةٍ منهُ» لم يَصحَّ، كما لا يَجوزُ أنْ يَقفَ على نَفسِه.

وإنْ قُلنا: «إنه تَنفيذٌ لِمَا فعَلَه المُوصِي» صَحَّ.

وإنْ كانَ له دارٌ فوقَفَها على ابنِه وابنَتِه بينَهُما نِصفَينِ واحتَملَها الثُّلثُ ولا وارِثَ له غَيرُهما، فإنْ أجازَ الابنُ الوَقفَ على أُختِه صَحَّ وكانَتِ الدارُ وَقفًا بينَهُما نِصفَينِ، وإنْ أبَى أنْ يُجيزَه قالَ ابنُ الحَدَّادِ: بطَلَ الوَقفُ في نِصفِ المَوقوفِ على الابنةِ -وهو رُبعُ الدارِ- ويَبقَى الرُّبعُ مَوقوفًا على الابنَةِ، والنِّصفُ مَوقوفًا على الابنِ، ثم يَقتسِمانِ الرُّبعَ الذي بطَلَ فيهِ الوَقفُ بينَهُما للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ.

وتَصحُّ المَسألةُ مِنْ اثنَي عَشرَ: للابنِ ثَمانيةُ أسهُمٍ: سِتةٌ منها وَقفٌ عليه وسَهمانِ طَلْقٌ له، وللابنةِ أربَعةُ أسهُمٍ: ثَلاثةٌ وَقفٌ عليها وسَهمٌ طَلْقٌ لها.

فإنْ كانَتْ له دارٌ وقَفَها على ابنِه وزَوجتِه نِصفَينِ بينَهُما ولا وارِثَ له غيرُهما وخرَجَتِ الدارُ مِنْ ثُلثِه، فإنْ أجازَ الابنُ الوَقفَ على الزوجةِ كانَتْ

وَقفًا بينَهُما نِصفينِ، وإنْ لم يُجِزْ فقدْ فَضلَ الزوجُ الزوجةَ بثَلاثةِ أسهُمٍ مِنْ ثَمانِيةٍ مِنْ الدارِ، فيَبطلُ الوَقفُ فيها، ويَكونُ ذلكَ مِلكًا للابنِ طَلْقًا، ويَبقَى أربَعةُ أسهُمٍ مِنْ ثَمانيةٍ مِنْ الدارِ وَقفًا على الابنِ، فيَصيرُ أربَعةُ أسباعِ نَصيبِه وَقفًا عليه، وثَلاثةُ أسباعِ نَصيبِه طَلْقًا له، فيَجبُ أنْ يَكونَ نَصيبُ الزوجةِ كذلكَ؛ لأنه سَوَّى بينَهُما في الوَقفِ، فيَكونُ أربَعةُ أسباعِ ثَمنِها وَقفًا عليها، وثَلاثةُ أسباعِ ثَمنِها طَلْقًا لها، فنَضرِبُ ثَمانيةً في سَبعةٍ، فذلكَ سِتةٌ وخَمسونَ، للابنِ تِسعةٌ وأربَعونَ سَهمًا: ثَمانيةٌ وعِشرونَ منها وَقفٌ عليه، وواحِدٌ وعِشرونَ طَلقٌ له، وللزوجةِ سَبعةُ أسهُمٍ: أربَعةٌ وَقفٌ عليها، وثَلاثةٌ طَلْقٌ لَها (١).

وقالَ الحَنابلةُ في المذهبِ: إنْ وقَفَ شَخصٌ ثُلثَه فأقَلَّ في مَرضِه المَخوفِ على بَعضِ وُرَّاثِه جازَ، أو وَصَّى بوَقفِه على بَعضِ وُرَّاثِه جازَ كالأجانِبِ، فإنه قالَ في رِوايةِ جَماعةٍ مِنهم المَيمونِيُّ: يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَقِفَ في مَرضِه على وَرثتِه، فقيلَ له: أليسَ تَذهبُ أنه لا وَصيَّةَ لوارِثٍ؟ فقالَ: نعم، والوَقفُ غيرُ الوَصيةِ؛ لأنه لا يُباعُ ولا يُورثُ ولا يَصيرُ مِلكًا للوَرثةِ يَنتفعونَ بغلَّتِه، وقالَ في رِوايةِ أحمدَ بنِ الحَسنِ فإنه صرَّحَ في مَسألَتِه بوَقفِ ثُلثِه على بَعضِ وَرثتِهِ دونَ بَعضٍ، فقال: جائِزٌ، قالَ الخَبريُّ: وأجازَ هذا الأكثَرونَ، واحتَجَّ أحمدُ رضي الله عنه بحَديثِ عمرَ رضي الله عنه أنه قالَ: «هذا ما أَوصَى به عَبدُ اللهِ عُمرُ أميرُ المُؤمِنينَ إنْ حَدَثَ به حَدثٌ أنَّ ثَمْغًا صَدقةٌ

(١) «البيان» (٨/ ٩٥، ٩٦).

والعَبدَ الذي فيهِ، والسَّهمُ الذي بخَيبَرَ ورَقيقُه الذي فيه، والمِائةُ وَسْقٍ الذي أطعَمَني مُحمدٌ ، تَليهِ حَفصةُ ما عاشَتْ، ثمَّ يَليهِ ذُو الرَّأيِ مِنْ أهلِهِ، لا يُباعُ ولا يُشتَرى، يُنفِقُه حَيثُ يَرى مِنْ السَّائلِ والمَحرومِ وذَوِي القُربى، ولا حرَجَ على مَنْ وَلِيَه إنْ أكَلَ أو اشتَرَى رَقيقًا» رَواهُ أبو داودَ بنحوٍ مِنْ هذا، فالحُجَّةُ أنه جعَلَ لحَفصةَ أنْ تَليَ وقْفَه وتَأكلَ منه وتَشتريَ رَقيقًا، قالَ المَيمونِيُّ: قلتُ لأحمدَ: إنَّما أمَرَ النبيُّ بالإيقافِ، وليس في الحَديثِ الوارِثُ، قالَ: فإذا كانَ النبيُّ أمَرَه وهو ذا قد وَقَفَها على وَرثتِه وحَبَّسَ الأصلَ عليهِم جَميعًا، ولأنَّ الوَقفَ ليسَ في معنَى المالِ؛ لأنه لا يَجوزُ التصرُّفُ فيه، فهو كعِتقِ الوارِثِ.

والرِّوايةُ الثانِيةُ اختارَها ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ ذلكَ، فإنْ فعَلَ وُقِفَ على إجازةِ سائِرِ الوَرثةِ، قالَ أحمدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ فيمَن أَوصَى لأولادِ بَنيهِ بأرضٍ تُوقَفُ عليهم فقال: إنْ لم يَرِثوهُ فجائِزٌ، فظاهِرُ هذا أنه لا يَجوزُ الوَقفُ عليهم في المَرضِ، اختارَهُ أبو حَفصٍ العُكبَريُّ وابنُ عَقيلٍ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولنا: أنه تَخصيصٌ لبَعضِ الوَرثةِ بمالِهِ في مَرضِه، فمُنِعَ منه كالهِباتِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا تَجوزُ له الوَصيةُ بالعَينِ لا تَجوزُ بالمَنفعةِ كالأجنَبيِّ فيما زادَ على الثُّلثِ، وأمَّا خبَرُ عُمرَ فإنه لم يَخُصَّ بعضَ الوَرثةِ بوَقفِهِ، والنِّزاعُ إنَّما هو في تَخصيصِ بَعضِهم.

وأمَّا جَعلُ الولايةِ لحَفصَةَ فليس ذلكَ وَقفًا عليها، فلا يَكونُ ذلكَ وارِدًا في مَحلِّ النِّزاعِ، وكونُه انتِفاعًا بالغلَّةِ لا يَقتَضي جَوازَ التَّخصيصِ، بدَليلِ ما لو أَوصَى لوَرثتِه بمَنفعةِ عَبدٍ لم يَجُزْ، ويُحتملُ أنْ يُحمَلَ كَلامُ أحمدَ في رِوايةِ الجَماعةِ على أنه وَقفٌ على جَميعِ الوَرثةِ؛ ليَكونَ على وَفقِ حَديثِ عُمرَ وعلى وَفقِ الدَّليلِ الذي ذكَرْنا.

فَصلٌ: فإنْ وقَفَ دارَهُ وهي تَخرجُ مِنْ الثُّلثِ بينَ ابنِه وابنَتِه نصفَينِ في مَرضِ مَوتِه، فعَلى رِوايةِ الجَماعةِ يَصحُّ الوَقفُ ويَلزمُ؛ لأنه لَمَّا كانَ يَجوزُ له تَخصيصُ البِنتِ بوَقفِ الدارِ كُلِّها فبنِصفِها أَولَى، وعلى الرِّوايةِ التي نَصَرْناها: إنْ أجازَ الابنُ ذلكَ جازَ، وإنْ لم يُجِزهُ بطَلَ الوَقفُ فيما زادَ على نَصيبِ البِنتِ وهو السُّدسُ، ويَرجعُ إلى الابنِ مِلكًا، فيَكونُ له النِّصفُ وَقفًا والسُّدسُ مِلكًا مُطلَقًا، والثلثُ للبِنتِ جَميعُه وَقفًا، ويُحتملُ أنْ يَبطلَ الوَقفُ في نِصفِ ما وقَفَ على البِنتِ وهو الرُّبعُ، ويَبقَى ثَلاثةُ أرباعِ الدارِ وَقفًا ونِصفُها للابنِ ورُبعُها للبِنتِ، والرُّبعُ الذي بطَلَ الوَقفُ فيهِ بينَهُما أثلاثًا: للابنِ ثُلثاهُ وللبِنتِ ثُلثُه، وتَصحُّ المَسألةُ مِنْ اثنَي عَشرَ: للابنِ سِتةُ أسهُمٍ وَقفًا وسَهمانِ مِلكًا، وللبِنتِ ثَلاثةُ أسهُمٍ وَقفًا وسَهمٌ مِلكًا.

ولو وقَفَها على ابنِه وزَوجَتِه نِصفَينِ وهي تَخرجُ مِنْ الثلثِ فرَدَّ الابنُ صَحَّ الوَقف على الابنِ في نِصفِها وعلى المَرأة في ثُمنِها، وللابنِ إبطالُ الوَقفِ في ثَلاثةِ أَثمانِها، فتَرجِعُ إليهِ مِلكًا على الوَجهِ الأولِ، وعلى الوَجهِ الثَّاني يَصحُّ الوَقفُ على الابنِ في نِصفِها وهو أربَعةُ أسباعِ نَصيبِه، ويَرجعُ إليهِ في حصَّتِه مِلكًا، ويَصحُّ الوَقفُ في أربَعةِ أسباعِ الثُّمنِ الذي للمَرأَةِ وباقِيهِ

يَكونُ لها مِلكًا، فاضرِبْ سِبعةً في ثَمانيةٍ تَكونُ سِتةً وخَمسينَ: للابنِ ثَمانيةٌ وعِشرونَ وَقفًا وواحِدٌ وعِشرونَ مِلكًا، وللمَرأةِ أربَعةُ أسهُمٍ وَقفًا وثَلاثةٌ مِلكًا، وهكذا ذكرَ أصحابُ الشافعيِّ.

فأمَّا إنْ كانَتِ الدارُ جَميعَ مِلكِه فوقَفَها كلَّها فعلى ما اختَرْناهُ الحُكمُ فيها كما لو كانَتْ تَخرجُ مِنْ الثلثِ، فإنَّ الوارِثَ في جَميعِ المالِ كالأجنَبيِّ في الزائِدِ عن الثلثِ، وأمَّا على ما رَواهُ الجَماعةُ فإنَّ الوَقفَ يَلزمُ في الثُّلثِ مِنْ غيرِ اختِيارِ الوَرثةِ، وفيما زادَ فلَهُما إبطالُ الوَقفِ فيهِ، وللابنِ إبطالُ التَّسويةِ، فإنِ اختارَ إبطالَ التَّسويةِ دونَ إبطالَ الوَقفِ خُرِّجَ فيهِ وَجهانِ:

أحَدُهما: أنه يَبطلُ الوَقفُ في التُّسعِ ويَرجعُ إليهِ مِلكًا، فيَصيرُ له النِّصفُ وَقفًا والتُّسعُ مِلكًا، ويَكونُ للبِنتِ السُّدسُ والتُّسعانِ وَقفًا؛ لأنَّ الابنَ إنَّما ملَكَ إبطالَ الوَقفِ في ما له دونَ ما لغيرهِ.

والوَجهُ الثاني: أنَّ له إبطالَ الوَقفِ في السُّدسِ، ويَصيرُ له النِّصفُ وَقفًا والتُّسعُ مِلكًا، وللبِنتِ الثُّلثُ وَقفًا ونِصفُ التُّسعِ مِلكًا؛ لئلَّا تَزدادَ البِنتُ على الابنِ في الوَقفِ، وتَصحُّ المَسألةُ في هذا الوَجهِ مِنْ ثَمانيةَ عَشرَ: للابنِ تِسعةٌ وَقفًا وسَهمانِ مِلكًا، وللبنتِ سِتةُ أسهُمٍ وَقفًا وسَهمٌ مِلكًا، وقالَ أبو الخطَّابِ: له إبطالُ الوَقفِ في الرُّبعِ كلِّه، ويَصيرُ له النِّصفُ وَقفًا والسُّدسُ مِلكًا، ويَكونُ للبنتِ الربعُ وَقفًا ونِصفُ السُّدسِ مِلكًا، كما لو كانَتِ الدارُ تَخرجُ مِنْ الثلثِ، وتَصحُّ مِنْ اثنَي عشَرَ (١).

(١) «المغني» (٥/ ٣٦٦، ٣٦٨)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٧٥، ٢٧٦)، وكشاف القناع» (٤/ ٣٧٦)، و «الروض المربع» (٢/ ١٦٩)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٠٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
جواز الوقف وكيفيته

ثُمَّ نَقُولُ: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى انْتَهَى بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ بِالطَّلَبِ بَقِيَ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَغْصُوبُ مَضْمُونُ الرَّدِّ حَالَ قِيَامِهِ وَمَضْمُونُ الْقِيمَةِ حَالَ هَلَاكِهِ، وَعِنْدَنَا إذَا هَلَكَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ضَمِنَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ فَنَعَمْ، لَكِنْ قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَمَعَ الْإِذْنِ أَوْلَى.

وَالْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْقَبْضِ بَلْ بِالْعَقْدِ بِطَرِيقِ التَّعَاطِي، بِشَرْطِ الْخِيَارِ الثَّابِتِ دَلَالَةً لِمَا عُلِمَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ هَرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَّنَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ حُنَيْنًا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ مِنْ السِّلَاحِ فَقَالَ: عَارِيَّةً أَوْ غَصْبًا فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : عَارِيَّةً، فَأَعَارَهُ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الضَّمَانَ، وَالْحَادِثَةُ حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا يَكُونُ الثَّابِتُ إلَّا إحْدَاهُمَا فَتَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ، مَعَ مَا أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ فَيَحْتَمِلُ ضَمَانَ الرَّدِّ، وَبِهِ نَقُولُ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى ضَمَانِ الْغَيْرِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا، مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» .

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ حَالِ الْمُسْتَعَارِ مِنْ الْأَمَانَةِ إلَى الضَّمَانِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 122 - 135

ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله