الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > وقف العين المستأجرة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةلأنَّ كُلَّ قُربةٍ فُعِلتْ وجُعلَ ثَوابُها لمُسلمٍ حَيٍّ أو مَيتٍ نفَعَه ذلكَ، وهذا الاتِّجاهُ مِنْ أحسَنِ اتِّجاهاتِه (١).
وَقفُ العَينِ المُستَأْجَرَة:
اختَلفَ الفُقَهاءُ في حُكمِ العَينِ المُؤجَّرةِ مُدَّةً مَعلومةً، هل يَصحُّ وَقفُها أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ وَقفُ العينِ المُؤجَّرةِ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يَصحُّ وَقفُ العَينِ المُستأجَرةِ.
وسَببُ اختِلافِهم: هل يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ أم لا؟ فمَن قالَ: يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ -وهُم الجُمهورُ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ كما تقدَّمَ- قالوا: لا يَجوزُ وَقفُ العينِ المُؤجَّرةِ.
ومَن قالَ: أنه لا يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ -وهُم المالِكيةُ- قالوا: يَصحُّ وَقفُ المَنفعةِ، بأنْ يَستأجِرَ دارًا مُدَّةً مَعلومةً ويُوقِفَ مَنفعتَها في تلكَ المُدَّةِ، ويَنقضي الوَقفُ بانقِضائِها.
قالَ المالِكيةُ: -خِلافًا لابنِ الحاجِبِ-: ليس مِنْ شَرطِ الوَقفِ أنْ تَكونُ رَقبتُه مَملوكةً للواقِفِ، بل يَجوزُ استِئجارُ دارٍ مُدَّةً مَعلومةً لوَقفِ مَنفعتِها
(١) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣١٣).
(٢) يُنظَرُ قولُ الجُمهورِ في الشَّرطِ الثالثِ مِنْ شُروطِ الوَقفِ: التَّأبيدُ، وفي حُكمِ إجارةِ دارٍ يَتخذُها مَسجدًا في كِتابِ الإجارةِ.
في تلكَ المُدَّةِ، ويَنقضِي الوَقفُ بانقِضائِها؛ لأنه لا يُشترطُ فيه التَّأبيدُ، ولو كانَتِ الدَّارُ المُستأجَرةُ مَوقوفةً فمَن استَأجَرَ دارًا مُحبَّسةً مُدَّةً فله تَحبيسُ مَنفعتِها على مُستحِقٍّ آخَرَ غيرِ الأولِ في تلكَ المُدَّةِ، وأمَّا المُحبَّسُ عليه فليسَ له تَحبيسُ المَنفعةِ التي يَستحِقُّها؛ لأنه لا يَمتلكُها؛ لأنَّ المَوقوفَ عليه إنَّما يَملكُ الانتفاعَ لا المَنفعةَ (١).
ويَجوزُ كِراءُ الأرضِ لمَن يَتَّخذُها مَسجدًا مُدَّةَ الإجارةِ؛ إذْ لا يُشترطُ في الحَبسِ التَّأبيدُ، فإذا انقَضَتْ مُدَّةُ الإجارَةِ رجَعَ النَّقضُ لمَن بَناهُ يَفعلُ به ما شاءَ، وتَرجعُ الأرضُ لمالِكِها، فلو أرادَ المالِكُ بَقاءَ البِناءِ في أرضِه على حالِه حَبسًا لم يُجبَرْ بانيهِ على ذلكَ، إلَّا أنْ يَدفعَ المالِكُ قيمةَ النَّقضِ فإنه يُجابُ وليس للباني الامتِناعُ حِينئذٍ، ولو أرادَ بانيهِ بَقاءَه على حالِه حَبسًا لم يُجبَرْ مالِكُ الأرضِ على ذلكَ، بخِلافِ مَنْ غصَبَ أرضًا وبَنَى فيها مَسجدًا، أو كانَتْ تحتَ يَدِه أرضٌ بوَجهِ شُبهةٍ وبنى فيها مَسجدًا واستُحقَّتِ الأرضُ بعدَ بِنائِها مَسجِدًا للهِ، فإنَّ النَّقضَ لا يَكونُ لِبانيهِ ويَلزمُه أنْ يَجعلَه في مَسجدٍ آخَرَ للهِ؛ لأنَّ البانِيَ خرَجَ عنه للهِ على التَّأبيدِ؛ لأنه داخِلٌ على التَّأبيدِ.
والمُعتمَدُ أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَبنيَ مَسجدًا ليُؤجِّرَه لمَن يُصلِّي فيهِ،
(١) «المختصر الفقهي» (١٣/ ١٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٥٦)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٧٨، ٤٧٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٦١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٧٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.