الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الوقف > وقف المريض المدين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوَقفُ المَريضِ المَدينِ:
قالَ الحَنفيةُ: المَريضُ إذا كانَ مَدِينًا فلا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ الدَّينُ غيرَ مُحيطٍ بمالِه، وإمَّا أنْ يَكونَ مُحيطًا بمالِه …
فإنْ كانَ الدَّينُ غيرَ مُحيطٍ بمالِه فيَجوزُ في ثُلثِ ما بَقيَ بعد الدَّينِ لو له وَرثةٌ، وإلا ففي كُلِّه.
وأمَّا إنْ كانَ الدَّينُ مُحيطًا بمالِه فإنه يُباعُ ويُنقَضُ الوَقفُ.
قالَ ابنُ عابِدينَ رحمة الله عليه: وفي ط عن «الفَواكِه البَدْريَّة»: الدَّينُ المُحيطُ بالتَّركةِ مانِعٌ مِنْ نُفوذِ الإعتاقِ والإيقافِ والوَصيةِ بالمالِ والمُحاباةِ في عُقودِ العِوضِ في مَرضِ المَوتِ إلا بإجازةِ الدَّائِنينَ، وكذا يَمنعُ مِنْ انتِقالِ المِلكِ إلى الوَرثةِ فيَمنعُ تَصرُّفهم إلا بالإجازةِ (١).
وقالَ في «الإسْعَاف»: إنْ كانَ عليه دَينٌ مُحيطٌ بمالِه يُنقَضُ وَقفُه ويُباعُ في الدَّينِ، كما لو اشتَرى أرضًا ووقَفَها ثمَّ ظهَرَ لها شَفيعٌ، فإنه يَجوزُ له إبطالُ الوَقفِ وأخذُها بالشُّفعةِ، وإنْ لم يَكنْ مُحيطًا يَجوزُ الوَقفُ في ثُلثِ ما يَبقَى بعدَ الدَّينِ إنْ كانَ له وَرثةٌ، وإلَّا ففي كُلِّه، فإنْ باعَها القاضي بقِيمتِها للدَّينِ ثمَّ ظهَرَ أو قَدِمَ له مالٌ تَخرجُ الأرضُ مِنْ ثُلثِه لا يَبطلُ بَيعُهُ، فيُشتَرَى بها أرضٌ بَدلًا عنها، وإنْ باعَها بأكثَرَ مِنْ القِيمةِ يُشتَرَى بالثَّمنِ بَدلٌ (٢).
(١) «ابن عابدين مع الدر المختار» (٤/ ٣٩٧، ٣٩٨)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٠٣)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٩٥).
(٢) «الإسعاف» ص (٣٦).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ومَن وقَفَ وَقفًا مُستقِلًّا، ثم ظهَرَ عليه دَينٌ ولم يُمكِنُ وَفاءُ الدَّينِ إلا ببَيعٍ شيءٍ مِنْ الوَقفِ وهو في مَرضِ المَوتِ بِيعَ باتِّفاقٍ العُلماءِ.
وإنْ كانَ الوَقفُ في الصِّحةِ فهل يُباعُ لوَفاءِ الدَّينِ؟ فيهِ خِلافٌ في مَذهبِ أحمدَ وغَيرِه، ومَنعُه قَويٌّ، -وظاهِرُ كَلامِ أبي العَبَّاسِ ولو كانَ الدَّينُ حادِثًا بعدَ الوَقفِ، وليسَ هذا بأبلَغَ مِنْ التَّدبيرُ، وقد ثبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ باعَ على المُدبَّرِ في الدَّينِ، واللهُ أعلَمُ.
وإذا وقَفَ الواقفُ وعليه دَينٌ مُستغرِقٌ وأُثبِتَ عندَ حاكمٍ ولم يَتعرَّضْ لصِحةِ الوَقفِ ولم يعلَمِ المَوقوفُ عليهم، ثم ماتَ الواقفُ فرَدَّ المَوقوفَ إلى المَوقوفِ عليهم وطلَبَ أربابُ الدُّيونِ دَينَهم ورُفعَتِ القِصةُ إلى حاكِمٍ يَرى بُطلانَ هذا الوَقفِ مِنْ جِهةِ شَرطِ النَّظرِ لنَفسِه وكَونِه يَستغرِقُ الذِّمةَ بالدَّينِ وكَونِه لم يُخرِجْه مِنْ يَدِه، فهل يَجوزُ نَقضُه؟
فيُقالُ: حُكمُ الحاكِمِ بما قامَتْ به البيِّنةُ والقَضاءُ بمَوجبِه والإلزامُ بمُقتَضاهُ لا يَمنعُ الحاكِمَ الثانِيَ الذي عندَه أنَّ الواقفَ كانَتْ ذِمتُه مَشغولةً بالدُّيونِ حينَ الوَقفِ أنْ يَحكمُ بمَذهبِه في بُطلانِ هذا الوَقفِ وصَرفِ المالِ إلى الغُرماءِ المُستحِقِّينَ للوَفاءِ، فإنَّ الحاكِمَ الأولَ في وُجوهِ هؤلاءِ الخُصومِ ونُوَّابِهم لا يَتضمنُ حُكمُه عمَلَهُ بهذا الفَصلِ المُختلَفِ فيهِ، وإذا صادَفَ حُكمُه مُختلَفًا فيه لم يَعلمْه ولم يَحكمْ فيهِ جازَ نَقضُه (١).
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥١١، ٥١٢)، و «الاختيارات الفقهية» ص (١٥٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة
الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أركان الوقف للاطلاع على جميع المسائل.